فيلم جديد مرعب ومقنع عن حربهم علي العالم: سلطة الكوابيس وقراءة في افكار المحافظين الجدد
وائل غاليفيلم جديد مرعب ومقنع عن حربهم علي العالم: سلطة الكوابيس وقراءة في افكار المحافظين الجدد ما من خنادق بعد في الحديقة، لم تحفر بعد.ما من جنود يهبطون من الجو.انه يوم جميل رائق في الحديقة، مشرق وحاد.الأشجار مكسوة بأوراق الصيف الكثيفة الخضراء.وهناك طائرة تئز فوق الرؤوس، وليس من يخاف.لا سبب للخوف، في مدينة كبيرة جميلةلم تبن للحرب. هنالك وقت ووقت .(ستيفن فنست بنيت)ان الفيلم الذي صبر عدد من المتفرجين من بعد ظهر يوم السبت 14 ايار (مايو) 2005 أكثر من ساعتين ونصف الساعة وهم يشاهدونه في احدي قاعات مقر المهرجان السينمائي في مدينة كان الفرنسية، كان فيلم رعب حقيقي، لكنه لم يتسم بأي قدر من الغرائبية، وان كانت واقعيته لم تؤهله لتحقيق النجاح الذي حققه فيلم فهرنهايت 11/9 لمايكل مور المرعب الواقعي في العام 2004، الذي فاز بالسعفة الذهبية في المهرجان، وفاز بمئات الملايين من الدولارات، أرباحاً، لكنه أخفق في اسقاط جورج دبليو، في الانتخابات الرئاسية الأمريكية! نذكر فهرنهايت 11/9 ، لأن فيلم سلطة الكوابيس يمت اليه بغير صلة. وهو مرعب مثله ووثائقي مثله أيضاً. وتحري التاريخ الراهن. ومر ببعض الماضي. ووضع الصورة، في نهاية الأمر، في موضع الخطاب السياسي. الرعب في سلطة الكوابيس أعمق كثيراً من فهرنهايت 11/9، وقوة الاقناع أكبر، والديماغوجية أقل. والدليل أن الفيلم مر علي شاشة الـ بي بي سي البريطانية، وظل رد الفعل عليه محصوراً الي حد ما . وكانت فرصته نحو العالمية أكبر في كان ، لكن فرص فوزه بالجوائز أقل لأنه شارك من خارج المسابقة الرسمية، ولكن فيلم سلطة الكوابيس هو فيلم مثير للقلق وهو يفسر ويجعل الدم البارد يسري في عروق مشاهديه. وليست الحرب الاسرائيلية الوحشية علي لبنان الا حلقة جديدة في مسلسل سلطة الكوابيس . انها حرب المحافظين الجدد الأمريكيين المتكررة علي شعوب وبلدان العالم ككل من بعد وفاة الاتحاد السوفييتي السابق، متوسلين بشعار الحرب علي الارهاب ، و أبلسة الدين الاسلامي ، حصرا، من بعد أبلسة الشيوعية ، حصرا أيضا. فقد صارت السياسة الخارجية الأمريكية سياسة حصرية كذلك.وجد مخرج فيلم سلطة الكوابيس آدم كورتس لزاما عليه، لكي يحدد الموقع الفكري لهؤلاء المحافظين، أن يعود الي أستاذهم، ليو شتراوس ، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة شيكاغو منذ بداية عقد الخمسينيات من القرن الماضي. والمفارقة المهمة الدرامية أن أحد أهم المفكرين العرب الذين طوروا تقليد ليو شتراوس الفلسفي السّياسي، هو المفكر العراقي محسن مهدي أستاذ الفكر السياسيّ في جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 1976، وفي جامعة براندييس في الأعوام 1977 ـ 1979، والباحث في الفلسفة اليهوديّة في القرن الكلاسيكي العربي، كما في الفلسفة الاسلاميّة في الفترة نفسها. درّس د. محسن مهدي في جامعة شيكاغو، جامعة ليو شتراوس، وبالامكان اعتبار انتاجه وتدريسه القسم العربي ـ الاسلامي من تقليد ليو شتراوس في الفلسفة السّياسيّة الأمريكية المعاصرة. وهو صاحب السّياسة والتّميّز: الفلسفة السّياسيّة للفارابي و فلسفة ارسطوطاليس للفارابي (دار مجلة شعر، بيروت ـ لبنان)، امتدادا لتحقيق ليو شتراوس لكتاب الفارابي المفقود الصادر في العام 1936 في مجلة تاريخ اليهودية وعلمها الألمانية. وعمل محسن مهدي في واشنطون من بعد تخصصه في القانون الضّريبيّ، ويعلّم في ج. دبليو يو منذ العام 1991، في مجالات القانون، والشّركات، والافلاس والمنظّمات غير الهادفة للربح. وهو أفضل من يقدم لفكر ليو شتراوس. رغم أن أمريكا تعلن عن رغبتها في تحديث المجتمعات العربية الا ان المجتمع الحديث، في نظرها، هو مجتمع فاسد يجب تطهيره. ورغم أن أمريكا مجتمع فردي الا أنها تدعو الي طهرانية الجماعة. واستند ليو شتراوس الي الأيديولوجية الطهرانية التي وجدها في كتاب الجمهورية لمؤلفه الفرنسي جون بودان . بعبارة أخري، استند ليو شتراوس الي الأيديولوجية الطهرانية ـ الملكية التي وجدها في النسخة الفرنسية الحديثة من فكر الفارابي الكلاسيكي.في رسالة بعث بها ليو شتراوس الي كارل لوفيت، وهو يقطن في 3202 شارع أكسفورد، بنيويورك 63، وهي رسالة مؤرخة بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1946، وصادرة عن مجلّة الاندبندنت الفلسفية ، في العدد 2: 5 ـ 12 (العام 1978) والعدد 4: 105 ـ 119 (1983) أورد ليو شتراوس موجها كلامه الي كارل لوفيت: عزيزي كارل لوفيت، شكرا جزيلا لملاحظاتك علي مراجعة وايلد لي. كانت شفقتك مفيدة جدا لي، فكم عانيت مرارا من حطام السفينة، تلك، وأري بأنّه من الضروري لي أن أبدأ مرة أخري من البداية. تري انّ الجانب الأقل فسادا، بنحو تام، مع نفسي، ليس يصح انه يتصل كليّا بالفلسفة، بل هو أنّني أصف ذلك النوع من الأشياء الأقل جدية، وبعد ذلك، فقد وصلت رسالتك الرحيمة في الوقت المناسب.تعترض علي الجملة: آمن بتوقّع تلك الحركة أيّ كتاب وايلد قد يقال للانطلاق في هذه البلاد، انها ستصبح مؤثرة وثقيلة جدا بمرور السنوات . لكن يفترض أنّني عرفت من اثنين أو ثلاثة أشخاص، ممن يكافحون لاعادة الفلسفة الكلاسيكية وممن ستظهر أعمالهم المتميّزة في أثناء السنوات العشر القادمة، والتي تدرك قدرا من المسألة. ثمّ مع ذلك صدرت الأطروحة علنا في أمريكا للمرة الأولي، عرضيا لدي وايلد، ويزداد التأثير ويتعاظم وزنه في الوقت الحاضر. لا أتنبّأ بالأسلوب. باختصار، تخفق في تقدير سخريتي.في كلامي علي شجار القدماء والمحدثين ، لم أنكر، بل صرّحت بأنّ الفلسفة الحديثة ضرورية بقدر ما كانت فلسفة القرون الوسطي المسيحية ضرورية، لكن ذلك عني أن هجوم المحدثين استهدف بشكل حاسم الفلسفة الكلاسيكية. بالمناسبة، لدي العقول المقصودة، تخلصت المدرسية من القرن السادس عشر الميلادي. وبالنسبة الي من يعود بالفلسفة في القرون الوسطي الي مصادرها، أيّ، الي أفلاطون وأرسطو والتوراة، نبذ القرن السابع عشر الميلادي الجديد كلّ شيء سابق عليه (فان لا شيء هنالك في القرن السادس عشر الميلادي عدا جون بودن، وأخفي مكيافيللي نقده الجذري بالضبط في عباءة العودة الي روما أو الي ليفي) . فجمهورية جون بودان ـ وهي بناء ضخم لعلم السياسة وللقانون العام ـ هي بناء منفر لا نوافذ فيه، مدرع بالبحث عن المعرفة، وخالٍ من أية جاذبية. وكان جون بودان قانونيا صارما متدفقا بالحجج، وأخلاقيا خشنا ذا القسوة التوراتية ، والضمير السامي المنصرف الي المشكلة الدينية والي خير الدولة الأسمي.انه كتاب تجريدي عن السلطة ـ القوة. وهو كتاب مطول متحذلق سميك يفتقر الي الأسلوب الرشيق. ومع ذلك فان الجمهورية ، التي تبدو لنا اليوم غير قابلة للقراءة، قد استقطبت اهتمام ليو شتراوس المؤسس الفكري للسيادة الأمريكية المحافظة الجديدة علي العالم. لقد شكلت الجمهورية منعطفاً تاريخياً في ذلك القرن السادس عشر الميلادي. وحافظت باستمرار علي ولوعها بالبحث عن المعرفة، وعلي نهمها الفكري المتصل، عبر البذخ القاسي في عصر النهضة، والنزاعات النظرية الدينية في عصر الاصلاح، التي تلتها الحروب الدينية الدامية. وكان جون بودان ـ أستاذ الحقوق، ثم القاضي، والناشط في الحياة العامة وفي دبلوماسية زمانه، والمؤمن الغيور برب عظيم للطبيعة ـ مرتبطاً بالسياسيين. وشق بودان طرقا جديدة لمعرفة التاريخ، الذي كتبه باللاتينية تحت العنوان: كيف نقطف أزهار التاريخ ونستخلص منه أحلي الثمار . بحث في التاريخ عن روح الشرائع. وكان التاريخ هو الذي أتاح له أن يجمع شرائع الأقدمين المتفرقة هنا وهناك، ليؤلف منها تركيباً جديدا. وفي الواقع أن خير ما في القانون الكلي يختبئ في ثنايا التاريخ، لأنه وجد فيه العادات الأخلاقية لدي الشعوب، عدا عن أصول جميع مكونات الحياة العامة، ونموها، وسير عملها، وتحولاتها، وغاياتها. ترسم الجمهورية لوحة القرن السادس عشر الميلادي القانونية ـ السياسية الموسوعة. ومن هذا البحر من الأفكار، والاستدلالات، والوقائع، والنصوص والتعليقات، انتصبت جزيرة مركزية، يغمرها نور قاس يبرز أطرها الرخامية الواضحة : انها السيادة. ان الجمهورية هي خريطة الحكومة ـ الادارة المستقيمة لعدد من الأسر، وللمشترك بينها، مع سلطة مطلقة. لم يضع بودان نفسه علي صعيد الواقع، بل علي صعيد الشرعية. فالجماعة السياسية التي يعرض نظريتها هي حكومة مستقيمة. ولم يقصد بتلك الحكومة التوافق مع بعض القيم المعنوية كالعقل، والعدل، والنظام بالمعني الأسمي، وبالمعني الأكثر أفلاطونية للكلمة وحسب انما قصد الحكومة التي تجد غايتها وهدفها في تحقيق هذه القيم، بصرف النظر عن تحقيق الغايات المادية. تطلع بودان الي هدف أسمي من السعادة. ورأي من بعد ذلك أن العائلة ، أو الأسرة، تأخذ مكان الصدارة. انها نقطة الانطلاق، والخلية الأم، وهي أيضاً صورة الجماعة السياسية المنظمة تنظيماً حسناً وأنموذجها. وتلازم السلطة المطلقة مدلول الجماعة السياسية. فكما أن الباخرة لا تكون أكثر من خشب ليس له شكل المركب، عندما ينزع منها الوتد الخشبي الطويل الذي يثبت جانبيها، ومقدمها، ومؤخرها، وسطحها، كذلك الجمهورية، من دون سلطة مطلقة، توحد جميع أعضائها وأجزائها، وجميع الأسر والمجامع في هيئة واحدة، لا تظل جمهورية. وكان الفقهاء الرومان يحملون للسيادة ـ السلطة المطلقة، مشاعر شديدة القوة وعظيمة الجلال. ان السيادة هي قوة تماسك الجماعة السياسية، وقوة اتحادها، القوة التي، من دونها، تتفكك هذه الجماعة. وتبلور هذا التبادل بين الأمر والطاعة ، الذي تفرضه طبيعة الأشياء علي المجموعة الاجتماعية. انها السلطة المطلقة والدائمة في الجمهورية . انها دائمة، أي أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوعي القيادي في المجتمع، مهما تكن الصورة التي يتجسد فيها هذا الوعي، يمارسها الأمراء السادة مدي الحياة، متعاقبين بغير انقطاع علي العرش، وتجسدها الدول الديمقراطية في الاستمرار الطبيعي لشكلها الاجتماعي. غير أنه لا يمكن أن تكون هناك سيادة لموظف، أو لهيئة تشريعية منتخبة لمدة محددة. فهؤلاء ليسوا الا ولاة. وينحي بودان باللائمة الشديدة علي عدد من المؤلفين لأنهم خلطوا بين الولاة ـ الحكام، أو القضاة، وبين أصحاب السيادة. ان السيادة هي دائمة، وهي مطلقة أيضاً. وينبغي لأصحاب السيادة ألا يخضعوا لأوامر غيرهم، وأن يقدروا علي سن قوانين للرعايا، وعلي نسخ القوانين العقيمة أو الغائها لقاء قوانين أخري. لهذا يقول القانون : ان الأمير مطلق من قيود قوة القوانين. ان الأمير صاحب السيادة، المعفي من قوانين أسلافه، معفي أيضاً من قوانينه هو، انه لا يمكن أن يوثق يديه حتي لو أراد. لذلك نري في خاتمة المراسيم والقرارات هذه الكلمات: لأن هذه هي رغبتنا، لبيان أن قوانين الأمير صاحب السيادة لا تخضع مع ذلك الا لارادته الحرة الخالصة. تكمن أولي علامات السيادة الحقيقية وأهمها في هذه القدرة علي سن القوانين وفسخها. ان علامة الأمير صاحب السيادة الأولي هي سلطة سن القانون للمجموع، ولكل واحد بوجــــه الخصوص دون موافقة من شخـــص أرفع منه أو نظير له أو أوضع منه لأن الأمير، اذا كان مجبرا علي عدم سن قانون دون موافقة شخص أرفع منه، يكون واحداً من الرعية في الحقيقة؛ أو نظير له، يكون له شريك؛ أو أحد الرعية سواء أكان من مجلس الشيوخ أو من الشعب، لا يكون ذا سيادة. والأعراف؟ يقدر القانون أن يفسخ الأعراف، ولا يقدر العرف أن يخرق القانون. وتقع كل علامات السيادة الأخري في هذه العلاقة. ولا يمكن لفرد من أفراد الرعية أن ينخدع بهذه العلامات، وتتفرع كلها من هذه السلطة الثمينة، من هذا الاحتكار الذي يمارس بحرص وغيرة، احتكار سن القانون ونقضه. وكل نظرية في السيادة، مهما بدت قانونية فانها تتجاوز حدود الزمان، ومهما كانت منفصلة عن الحوادث الطارئة وعن مطامح السلطة الشخصية، تظل تعبر عن بعض الأفكار المسبقة السياسية، ويظل مقدراً لها أن تثير الأصداء السياسية. وبامكان السيادة أن تقوم نظرياً علي الكثرة (الديمقراطية)، أو علي الأقلية (الأرستقراطية)، أو علي رجل واحد (الملكية)، علي حد سواء. ومع ذلك فان نظرية بودان في جوهرها، نظرية السيادة المجردة ـ حتي من قبل أن يعطينا أسبابه لتفضيل المَلَكية ـ كانت تعمل لصالح ملك فرنسا. انها تستأنف جهد الفقهاء القدامي العنيد وتكمله، باحباطها الاقطاع احباطاً نهائياً، وباستبعادها النظرية المنافسة عن الحكومة المختلطة، التي كان الكتاب البروتستنتيون يريدون أن يجعلوا منها آلة للحرب ضد الملك. وهكذا فان السيادة تضمن الاستقلال القومي. ويعيد بودان وضع الأمور في نصابها، بلهجته العلمية الجافة، اذ يقول: لقد أرادوا أن يقولوا وينشروا كتابة أن دولة فرنسا مؤلفة من ثلاث جمهوريات، وأن برلمان باريس يأخذ شكل الأرستقراطية وأن طبقات العموم تأخذ شكل الديمقراطية، وأن الملك يمثل الدولة الملكية، وهذا الرأي ليس منافياً للعقل وحسب، بل هو رأي قاتل. لأن اشراك الرعايا للأمير صاحب السيادة انما هو جريمة عيب بالذات الملكية. وتعني عبارة رأي قاتل يستحق قطع العنق. ان مرافعته ضد الترهات الفذة والمتعارضة مع السيادة ـ السلطة المطلقة، لقاء القوانين والعقل الطبيعي، هي ساحقة. أفلا تنوي، علي نحو من الأنحاء التلاعب بالسيادة، فتجعلها قسمين أو ثلاثة، مع تغيير السيد: فتارة الشعب، وتارة الأعيان، وتارة الأمير؟لم ير بودان قط الطريق الي تقسيم علامات السيادة لتكوين جمهورية أرستقراطية وملكية وشعبية معاً ؛ جمهورية لا يمكن أن تكون الا مسخاً لم يوجد لها مثيل قط، ولا يمكن تخيل مثيل لها. ولا تقبل علامات السيادة القسمة، لأن صاحب سلطان سن القانون للجميع، أي الآمر بما يشاء وحظر ما يشاء، من دون امكان استئناف أوامره، ولا حتي معارضتها: فانه سيمنع الآخرين أن يقيموا سلاماً أو حرباً، أو أن يفرضوا ضرائب، أو أن يقسموا يمين الوفاء والولاء دون اذنه … حتي انه سيتحتم دائماً اللجوء الي السلاح، الي أن تبقي السيادة لأمير، أو للقلة القليلة من الشعب، أو للشعب كله … علي سبيل المثال… لقد اقتسم ملك الدانمرك وطبقة النبلاء السيادة، ولذلك يمكن القول ان هذه الجمهورية لم تعرف طعم الراحة … فهذا انحلال الجمهورية وليس جمهورية. ولهذا لا توجد الا ثلاثة أنواع من الجمهوريات، والأنواع الأخري هي انحلال الجمهورية، أنواع لا تنفك تلعب بها رياح العصيان المدني حتي تؤول السيادة كاملة لهؤلاء أو لأولئك. لقد أجاب بودان عن السؤال بنفي منتصر وقاطع لنظرية خطرة: النظرية التي تجعل من ملك فرنسا حاكماً مليكاً وحسب، وليس أميراً ذا سيادة، من أجل ظاهر مصلحة النبلاء والشعب، وفي الواقع من أجل الفوضي. لماذا يصطفي بودان الملكية من بين أشكال الجمهوريات الثلاثة الحقيقية؟ وما هي بالضبط هذه الملكية التي يصطفيها؟ اصطفي جون بودان الملكية ـ أي، شكل الجمهورية، أو الدولة ، التي تكون السيادة ـ السلطة المطلقة فيها واقعة في شخص أمير واحد ـ لأسباب عديدة حاسمة، وها هي الأسباب الثلاثة الرئيسة منها: 1 ـ يكمن السبب الأول في أن المَلَكية هي النظام الأكثر تطابقاً مع الطبيعة. فالأسرة، أنموذج الجمهورية، ليس لها الا رب واحد. والسماء ليس لها الا شمس واحدة. والعالم ليس له الا اله واحد يتمتع بالسيادة. لذا نري أن جميع شعوب الأرض العريقة في القدم، عندما تسلم قيادها للنور الطبيعي، لم تتخذ أي شكل من أشكال الجمهورية سوي المَلَكية، الأشوريين، والميديين، والفرس، والمصريين، والهنود، والاسبارطيين، والمقدونيين، والسلتيين، والغاليين، والسيتيين، والعرب، والأتراك، والصقالية، والتتار، والبولونيين، والدنمركيين، والإسبان، والانجليز، والأفارقة.2 ـ يكمن السبب الأول في مفهوم السلطة المطلقة . تثوي السلطة المطلقة، علي صعيد الكلام المجرد، في الكثرة ـ الشعب ـ أو في الأقلية ـ الأرستقراطية ـ أو في أمير واحد علي حد سواء. غير أن هذه السلطة المطلقة لا تجد حقاً، علي الصعيد العملي، جهازاً يليق بها، وسنداً قوياً، وضماناً لبقائها، الا في المَلَكية. لكن النقطة الرئيسية في الجمهورية، وهي حق السيادة، لا يمكن أن تكون أو توجد، اذا تكلمنا بالمعني الضيق، الا في المَلَكية، لأن واحدا حصريا يمكنه أن يكون ذا سيادة في جمهورية من الجمهوريات. فاذا كانا اثنين، أو كانوا ثلاثة، أو أكثر، فلا أحد يكون ذا سيادة، ولا سيما أن لا أحد يقدر أن يسن قانوناً لشريكه أو يخضع لقانون منه. ومهما تخيلنا هيئة مؤلفة من عدد من السادة، أو من شعب، تتمتع بالسيادة، فانها تظل محرومة من أي فرد حقيقي من أفراد الرعية، ومن أي سند، اذا لم يكن هناك قائد يتمتع بسلطة مطلقة، من أجل توحيد هؤلاء وأولئك. 3 ـ ويكمن السبب الثالث في أن اختيار الكفاءات ـ بحسب التعبير الحديث ـ يتحقق علي نحو أفضل في ظل الملكية. أصحاب الحكمة والفضيلة في كل مكان هم القلة القليلة، بحيث ان خيارهم وأصلحهم، في أغلب الأحيان، يضطرون للخضوع لكثرتهم ارضاء لشهرة محام صفيق، أو خطيب سفيه. لكن العاهل ذا السيادة يمكن أن ينضم الي صف الفئة الصالحة الخيرة، فيختار أصحاب الحكمة والخبرة لشؤون الدولة ـ حيث تلجأ الضرورة في الدولة الشعبية والدولة الأرستقراطية الي استقبال الحكماء والمجانين في المجلس معاً. بيد أن هذه الملكية التي عشقها بودان ليست ملكية عامة. فهي ليست ملكية الطغيان، تلك التي يستخف العاهل فيها بقوانين الطبيعة، فيستغل الأحرار كالعبيد، وأموال الرعايا كأمواله. لأن بودان، شأنه في ذلك شأن الرواقيين، وشأن القديس توما الأكويني وعلماء قوانين الكنيسة المسيحيين، يبقي علي أولية قوانين الطبيعة التي هي قبس من العقل الالهي، فوق قوانين مالك السيادة. أما القوانين الالهية والطبيعية، فان جميع الأمراء علي وجه الأرض يخضعون لها، وليس من حدود سلطانهم أن يخالفوها، اذا أرادوا ألا يذنبوا بالعيب في الذات الالهية. ويحتل مكان الصدارة بين قوانين الطبيعة هذه احترام الحرية الطبيعية للرعايا واحترام ملكيتهم. ان الملكية التي يبشر بها الفقيه الفرنسي المعلم الثقيل لا يمكن أن تكون الا ملكية الملك أو الملكية الشعرية كما يسميها، تلك التي يطيع فيها الرعايا قوانين العاهل، ويطيع العاهل قوانين الطبيعة، مبقية الحرية الطبيعية وملكية الأموال للرعايا. والملك يوجه أفعاله فيها بالعدل الطبيعي.فهذه الملكية الشرعية أو ملكية الملك يمكن أن تحكم بطرق مختلفة. واذا كانت السيادة ـ السلطة المطلقة وغير القابلة للقسمة لا تقبل الخلط ، فان ممارستها، التي هي الحكم، تحتمل صورا مختلفة. ان التسوية تصدم بودان، الذي يفضل الملكية المحكومة حكماً أرستقراطياً.وقد أعاد ذلك المفهوم عن النظام الملكي ـ الأرستقراطي المواجهة مع الثورات، فيما ابتعد عن الاستبداد البسيط التركي، وعن أنظمة الطغيان الايطالي. انها سلطة مطلقة بالتأكيد، غير قابلة للقسمة، بسيطة ، في مقابل السلطة المختلطة ، ولكنها ليست سلطة غير منتهية، بغير حدود أخلاقية. ملكية مطلقة، وليست ملكية حرة. ملكية تقبل ـ بل تتطلب ـ مجلساً دائماً يدعي مجلس الشيوخ أو البرلمان، ومجلس طبقات العموم والطبقات الاقليمية، كأجهزة مجلس دوري. ملكية تتلاءم ـ بل تغتني ـ بالهيئات، والنقابات، والمجامع، والجماعات، وجميع أشكال الجمعيات الوسيطة بين الدولة والرعايا، التي تشبه عقداً قوية تمتن الترابط الاجتماعي وتقويه. ولكنها ملكية لا يمكن فيها لأي من هذه الجمعيات، وهذه المجتمعات الجزئية أن تقع من دون اذن من صاحب السيادة، ولا أن تتعدي علي سلطته؛ ولا يمكن فيها لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس طبقات العموم أو الطبقات الاقليمية، بأي حال من الأحوال، أن ينتحل لنفسه ، خارج المجلس، سلطة اتخاذ القرار، التي هي حكر علي مالك السيادة. والا فان هذا يكون بمثابة قلب السيادة، والجلالة العظيمة السمو والعظيمة القداسة ، وبمثابة اسقاطها. مقدسة ! مقدسة علي وجه الخصوص، وجوهرياً، ان لم نقل حصراً، عندما تتجسد في هذا العاهل الملكي، في هذا النمط من الأمير المتمتع بالسيادة، الذي ينحت الفقيه الفرنسي تمثاله ويبجله، ضد كثيرين من محاربي الايقونات في الجمهورية، لهجة الدين الملكي . ما دام لا يوجد شيء علي وجه الأرض، من بعد الله، أعظم من أصحاب السيادة، والذين أقامهم ضباطاً مساعدين له في القيادة، فان الحاجة ماسة الي الانتباه الي صفتهم، لكي تحترم جلالتهم وتبجل بكل طواعية، ولكي يحسب بهم ويتحدث عنهم بكل اكرام، لأن الذي يحتقر أميره صاحب السيادة، الذي هو صورته علي الأرض.وأقام فترة في لندن. أطلقت الملكة أليزابيث عليه، فيما يبدو، بنوع من المقارنة الظريفة، اسم المهرج. فشهد بنفسه علي الشهرة التي كان كتابه يتمتع بها في انكلترا. لقد مزقه الباحثون في ذلك العصر، أو حملوه فوق السحاب. أما الباحثون في القرن السابع عشر الميلادي فقد اعجبوا بالجمهورية . وجهت الانتباه الواجب لرجل وكتاب كانا شهيرين في عصرهما، وأصبحا اليوم معروفين معرفة تكاد تكون تامة من جانب أتباع ليو شتراوس وأنصار المحافظين الأمريكيين الجدد. هذا الانتباه واجب، لأنه بهذا الرجل وبهذا الكتاب يبدأ، في الواقع تاريخ مفهوم السيادة، علي نحو ما أصبح ـ في ظل النظام القديم والنظام الحديث، في عهد الحكم الملكي المطلق وعهد الحكم الديمقراطي المطلق ـ المفهوم المركزي في علم السياسة والحقوق العامة. ان السيادة هي كتلة من الرخام، لا يمكن تقطيعها قطعاً . وهي تمثال عملاق لآلهة قاسية. هي جميلة في تجريدها. وهي جميلة مثل حلم من الصخر. هي سامية، ومقدسة، ومتشددة، ومهيمنة. تحيطها هالة تعمي الأبصار، وتبسط سيادتها علي البشر. كاتب من مصر0