فيلم “جوكر” بين الانبهار والواقع

يوخنا دانيال
حجم الخط
0

لم يصادف فيلم ما كل هذا الترقب والانتظار والتوقعات الذي صادفه فيلم “جوكر” 2019 للمخرج تود فيليبس، وبطولة الممثل الأمهر حاليا خواكيم فينيكس. بدأت أسطورة الفيلم منذ عرضه، وفوزه لاحقا، في مهرجان البندقية قبل أشهر بجائزة الأسد الذهبي، وحرمان بطله من جائزة مستحقة كليا، وهي جائزة أفضل ممثل في المهرجان. وفي العالم العربي، طغى الفيلم في شعبيته على كل ما عداه، وتماهى الشباب تماما مع جوكر فينيكس إلى أبعد الحدود، بحيث نسوا جوكر “هيث ليجر” الذي اشتهر قبل سنوات في فيلم “الفارس الأسود”.
لكن الفيلم في الحقيقة ليس عن جوكر بالذات، بل عن المهرّج الطيب آرثر فليك، المصاب بعاهة نفسية مستديمة، تسبب له الكثير من المشاكل وسوء التفاهم مع الناس، مما يؤدي به إلى التحول تدريجيا إلى الجانب المظلم، ليصبح في النهاية، في المشهد الأخير جوكر، الذي نعرفه في مجلات الكوميكس وأفلام باتمان. ولهذا فإن الفيلم الحالي هو درامي، سوداوي، يتحدث عن “ميتامورفسس” أي تحول وانبثاق، وليس فيلم أكشن ومغامرات، ونقطة الجذب الكبرى، وربما شبه الوحيدة فيه، هو الأداء الآسر للنجم العالمي خواكيم فينيكس.
يعتمد الفيلم على خطاب سوسيو – سياسي راديكالي، يناسب زمنه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، حيث الصراع الطبقي على أشده، وسيادة الأفكار الفوضوية أو الأناركية، مع سرديات سايكو – سوسيولوجية لتبرير الخلفية المرضية للبطل، التي تلازمه طوال عمره وتحدد مصيره لاحقا. لكن هذا الخطاب وهذه السرديات، تبدو غير مقنعة علميا أو منطقيا، رغم أن المخرج يدمجهما بحذق في السيناريو وخلال تسلسل الأحداث. إذ يبدو غريبا أن تتدخل السياسات المحلية في حكايات دي سي كوميكس الخيالية – العلمية إلى هذا الحد، كما ان العامل النفسي يتعرض للنقد من قبل العديد من النقاد بسبب لا منطقيته. لكن كل هذه الاعتراضات تختفي أو تغيب عن أذهاننا، ونحن متسمّرون كليا أمام البطل الوحيد فينيكس، الذي جاء الجميع فقط من أجل عبادته بأبصارهم وعقولهم. ومن النادر أن نشاهد أو شاهدنا من قبل ممثلا، يحمل فيلما بأكمله على عاتق تعابير وجهه وجسده، التي تجعلنا نصدق وتقتنع بكل ما نشاهد على الشاشة.
يثير فيلم جوكر رغبة ملحة عند المشاهدين للمقارنة بين واكيم فينيكس وهيث ليدجر الذي لعب دور جوكر في فيلم “ذي دارك نايت” 2008. لكن هذه المقارنة لا تبدو عادلة أو منطقية، لسبب بسيط ان فينيكس هو البطل والنجم الوحيد في الفيلم الحالي، إذ يحتل الشاشة طوال وقت العرض، ويكتسح باقي الطاقم. بينما فيلم الفارس الأسود، مليء بنجوم رائعين أمثال مايكل كين، مورغان فريمان، آرون إيكهارت، فضلا عن كريستيان بيل بدور الوطواط. لكن رغم كل هؤلاء النجوم، ورغم أن ليدجر لا يحتل الشاشة كليا، إلا أنه يبرز بقوة من خلال أدائه المتميز بالقسوة والعنف، وفوضويته المرعبة خلال جميع مشاهده كجوكر. ويرجع الفضل له وللمخرج المبدع كريستوفر نولان في رسم أبعاد شخصية جوكر العصرية، على شاشة السينما.
لكن هل يحمل فيلم جوكر رسالة ما؟ رسالة إلى الجماهير حول العدالة الاجتماعية مثلا؟ في العالم العربي المراهقون والشباب يتجاهلون المرض النفسي القسري، وينظرون لجوكر كمنتقم عادل أو قائد حركة راديكالية غوغائية، يؤجج الجماهير ضد الأغنياء والرأسماليين بطريقة فوضوية، بناء على ظروف غياب الحرية والعدالة الاجتماعية في العالم العربي. يصبح الفيلم متنفسا لتحقيق أحلامهم المغيّبة، وهذا من العوامل المهمة في الانبهار العربي بالفيلم. لكن جوكر يقول أن لا علاقة له بالسياسة والصراع بين الأغنياء والفقراء، هذا الصراع بالنسبة له عرضي وغير مهم، لكنه يستغله لإشباع غروره، للانتقام من حياته التافهة العبثية. وعلى الشباب العربي أن ينتبه إلى أن جوكر مريض نفسي أولا وأخيرا، ولا علاقة له بأي رسالة إنسانية من أي نوع. لكن السينما تصنع منه مسيحا من نوع خاص، إذ نشاهده باسطا ذراعيه كما لو انه مصلوب، مثلما صنعت في السابق مسيحا من القاتل المتسلسل بطل فيلم “العطر” 2006. لكن الأخير كان مبنيا على رواية شهيرة جدا، تتضمن ميتافورا أو مجازا رائعا، يتضمن خلاص البشرية عن طريق الفداء، بينما في جوكر؛ القتل من أجل الانتقام، وتأجيج الفوضى في هذا المجتمع، من أجل تدميره كليا.

وأخيرا، كيف ستتصرف هوليوود تجاه شخصية جوكر بعد أن أصبح بهذه الشعبية السينمائية غير المسبوقة؟ هل ستتركه يرجع بهدوء إلى عالم أفلام “باتمان” أم انها ستستغل هذه الشخصية – بذكائها التجاري المعهود – أكثر فأكثر في أفلام أخرى؟ أي هل سنشهد أفلاما أخرى لجوكر بطلا لوحده؟ المخرج ألمح لذلك في مقابلة، ثم نفى الأمر في مقابلة أخرى، والنجم هواكيم فينيكس أبدى رغبته أيضا في لعب الشخصية مجددا، رغم ما فيها من عناء بدني ونفسي وذهني له. إذ يدرك كل من شاهد الفيلم، كيف يبدو فينيكس فيه “جلد على عظم” كما نقول بالدارجة، بعد ان اضطر لتخفيض وزنه أكثر من 20 كيلوغراما، من خلال برنامج مرهق من الامتناع الذاتي عن الطعام، كي يدخل الدور جسديا ونفسيا، ويعيش معاناة هذا الكائن التعيس، الذي أدت به الحياة لأن يصبح مخلوقا عدميا، ينتقم من أقرب الناس إليه، وصولا إلى المدينة الظالمة التي نشأ فيها. إذ أن فينيكس أصبح الآن الممثل الأكثر استحقاقا للأوسكار، من بين جميع الممثلين. ومن يدري ربما الفيلم والمخرج أيضا، قد يترشحان للأوسكار، لذا نتساءل بحق، هل سيتحول جوكر إلى سلسلة أفلام؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية