فيلم «خارج الزمن».. حين توقف العالم ليمنحنا فرصة للبوح

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: البقاء في المنزل، الحفاظ على التباعد الاجتماعي، ارتداء الكمامات، هوس التعقيم والتنظيف للقضاء على الفيروس، الذي قد يهاجمنا إثر أي تهاون طفيف في النظافة. يعيدنا فيلم «خارج الزمن» للفرنسي أوليفييه أساياس إلى شهور الإغلاق العام الأولى تلك، حين توقف الزمن وتوقفت الأرض عن الدوران.
لكن الفيلم ليس عن الجائحة، بل عما منحتنا إياه. فحين توقف الزمن وتوقفت أنشطتنا اليومية المعتادة، حان وقت التأمل والتفكر في الذات، والعيش مع ذكرياتنا التي شُغلنا عنها. «خارج الزمن» فيلم تأملي لحد كبير، وذاتي لحد كبير عن أساياس كشخص وكمفكر سينمائي ومخرج. هو فيلم يدور في أيام الحجر المنزلي الطويلة وكيف تعايشنا ومعها وعشناها.
في «خارج الزمن» الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته لهذا العام (١٥ إلى ٢٥ فبراير/شباط) يتحدث أساياس عن الذات، لكنها تبدو لنا ذات تفاخرية لحد كبير، ومتقعرة إلى حد كبير. يبدو لنا أن أساياس يخشى كشف ذاته حقا في فيلم عن سيرته الذاتية، فيتحصن خلف شخصية افتراضية لمخرج آخر يمثله، كما يتحصن بالحديث عن الكتب ومنزل الأسرة عوضا عن الغوص حقا في ذاته. ربما نجد ومضات من تجرد ذات أساياس من الأسوار، التي تفرضها حول نفسها، خاصة في هوسه العام بالنظافة، والخوف من المرض، لكن هذه الذات التي تخشى العطب والمرض، تعود وتتقوقع وتتحصن داخل أحاديث متقعرة عن الكتب والسينما.

ينقلنا الفيلم إلى الإغلاق العام في فرنسا وأيام الحجر المنزلي، حيث يلوذ إيتيان، المخرج السينمائي الأربعيني (فانسان ماكينيْ) بمنزل عائلته في الريف الفرنسي، مع صديقته، ويشاركه فترة العزل المنزلي شقيقه، بول، وصديقته. كل فرد من الأفراد الأربعة يحاول التعايش مع الخوف من المرض والحبس المنزلي بطريقته. وبينما يحاول إتيان الامتثال التام للقواعد الصارمة، ويجد متنفسا لذاته بشراء أغراض لا طائل منها عبر الإنترنت، يحاول بول التمرد على تلك القواعد والتفنن في طهو الكريب.
لكن ما يجعل الفيلم بعيدا متعاليا حقا هو صوت أساياس ذاته، إذ لم يكتف بتقديم شخصية إتيان التي تمثله، بل يأتينا صوته متحدثا عن المنزل الريفي الأنيق وحديقته ومكتبته الضخمة المتوارثة من الجد إلى الأب. وعلى الرغم من محاولة إخفاء التفاخر بالإرث العائلي الكبير وثراء الأسرة، بمحاولة التهكم على الجد، الذي أخفق، حين حاول الاستثمار في لوحات فنية، في اختار لوحة أماديو مولياني واستثمر في لوحة ذات طابع كلاسيكي لفنان مغمور، لكننا لا يمكننا ألا نلحظ التباهي في نبرة أساياس.
ويمكننا القول إن «خارج الزمن» يبقى أيضا خارج القلب، فهو فيلم لا يمسنا من الداخل، رغم تعامله مع فترة الحجر المنزلي، التي عايشناها جميعا، ويزيد من غربتنا عنه صوت أساياس، الذي نصب نفسه راوٍ لتاريخ المنزل، مما يغلف الفيلم بغلاف روائي متقعر.
يمر الفيلم فلا يبقى منه في ذاكرتنا الكثير، فهو فيلم ذاتي تبقى فيه الذات مغلفة محجوبة، إلا في ومضات قليلة، مثلا حين يحاول إتيان تنظيف وعاء للطهي اشتراه عبر أمازون، لكنه احترق أثناء إعداد الطعام. يحاول تنظيف الوعاء بعناية فائقة تقارب الهوس، مما يمنحنا لحظات من فهم طبيعة شخصية إتيان، الشخصية المهوسة بالكمال والإتقان.
ربما لم يتعمد أساياس أن يقدم فيلما متقعرا غارقا في ترف عائلي، لكن هذا ما نحصل عليه. نرى المنزل الأنيق، ومكتبته الضخمة المرتبة بعناية، وترف من يستطيع شراء آيباد بشاشة كبيرة، بدل الشاشة المعتادة، لمجرد أنه يستطيع ذلك ماديا.. نرى ترف وجود المنزل الريفي للعائلة المحاط بحديقته الغناء، يحفه ملعبه الخاص للتنس والمتاخم للغابة، بينما يمضي الأخوان العزل في الطهي بأفخر الأصناف في أفضل الآنية. وبدلا من أن يعرفنا أساياس على ذاته، يصحبنا في جولة تفاخرية عن تاريخ منزل أسرته الريفي الجميل.
يمضي الفيلم دون أن ندنو من أساياس أو أن نفهم شخصيته. يبدو لنا شخصية واهية هشة، يمضي أيامه في العزل في الحديث إلى معالجته النفسية، دون أن نرى مشكلة نفسية حقيقية يواجهها. يبدو لنا الأمر ترفا لرجل متخم بالترف. بل إننا لا نشعر أن أساياس يحب السينما أو الفن أو يشغف بهما حقا. يبدو لنا اشتغاله بالفن والسينما كالقطعة الأخيرة في زينة رجل ثري يرفل في حلة أنيقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية