فيلم خفيف الظل يعتمد علي المفارقات والمواقف الطريفة

حجم الخط
0

فيلم خفيف الظل يعتمد علي المفارقات والمواقف الطريفة

صباح للمخرجة الكندية السورية الاصل ربي ندا:فيلم خفيف الظل يعتمد علي المفارقات والمواقف الطريفةبروكسل ـ القدس العربي ـ من عدنان حسين أحمد: أتاح لنا مهرجان بروكسل للفيلم العربي في دورته الأولي فرصة سانحة لمشاهدة العديد من الأفلام العربية التي أُنجزت في المنفي مثل الخبز الحافي للمخرج الجزائري رشيد بلحاج المقيم في ايطاليا، و الرحلة الكبري لاسماعيل فروخي المقيم في باريس، و نظرة لنور الدين الخماري الذي يقيم بين أوسلو وباريس، و صباح للمخرجة الكندية من أصل سوري ربي ندا، وأفلام أخري لا مجال لذكرها جميعاً.ينتمي فيلم صباح للمخرجة الكندية سورية الأصل ربي ندا الي نمط الأفلام الروائية الكوميدية ذات الصبغة الرومانسية، غير ان كوميدية هذا الفيلم الفَكِه تصب في خانة المداعبة أو المفارقة بشكل أدّق. وهذا هو دأب ربي في معالجة موضوعات أفلامها الروائية الطويلة والقصيرة علي حد سواء. وقد يصل طابع السخرية والتهكم في أعمالها الي درجة الكوميديا السوداء. غير اننا في النتيجة نصل الي حل معقول تقترحه علينا مخرجة الفيلم، وكاتبة السيناريو، فربي تكتب غالباً سيناريوهات أفلامها المستمَدة من قصصها التي تنطوي علي نفَسٍ سينمائي واضح.وخز الذكريات الثاويةتبدأ قصة هذا الفيلم بمحض ذكري قديمة وخزها الأخ ماجد في ذهن شقيقته صباح من دون ان يحسب حساباً لتداعيات هذه الذكري التي كانت ثاوية ومدفونة في طيات ذاكرة أخته التي بلغت الأربعين عاماً ولما تزل حبيسة البيت، ورهينة العادات والتقاليد الاجتماعية العربية التي ورثتها عن أسلافها. وقد جسدت هذا الدور الفنانة اللبنانية من أصل أرميني أرسينيه خانجيان وتألقت فيه الي الدرجة التي نالت فيه اعجاب الجمهور في مختلف أصقاع العالم لأن أداءها المعبِّر كان يلامس جوهر العاطفة الانسانية لكل كائن بشري شفاف.تنطلق أحداث الفيلم من الذكري الأربعين لعيد ميلاد صباح، حيث جلب لها شقيقها ماجد جيف سايمور هدية عيد الميلاد وهي عبارة عن صورة قديمة جداً تجمعها بوالدها الذي كان يأخذها الي البحر حيث تمارس صباح هوايتها المحببة الي نفسها، وتتمتع برمال الشاطئ. لقد كانت هذه الصورة المؤطرة بمثابة المهماز الذي وخز خزين الذاكرة، وحفّزها علي تغيير حياتها، وقلبها رأساً علي عقب. اذ قررت في لحظة تأمل صافية ان تستعيد تلك الذكريات البعيدة، وتذهب الي أحد المسابح المختلطة لتمارس هوايتها القديمة، ولكونها امرأة محجبة، وتنتمي الي ثقافة عربية واسلامية تعتبر صوت المرأة عَوْرة فكيف اذا ظهرت شبه عارية في مسبح مختلَط لا يسترها سوي المايوه ومشدّة الصدر! ؟ واذا كان ستيفن شون دويل الذي يتردد علي هذا المسبح لم ينتبه الي صباح أول مرة، فانه في المرة الثانية يطلب منها ان تتسابق معه، ويغلبها في السباق، ويسحبها من يدها الي خارج حوض السباحة حيث يلتقط منشفتها من دون ان يدري، ويبدأ بتجفيف جسده المبتل بها، وحينما يقدّم لها منشفته الجديدة تعتذر، وتلح علي أخذ منشفتها كي لا تنتبه الأسرة الي وجود منشفة جديدة تعود الي شخص آخر حتماً. وتصحيحاً لهذا الخطأ غير المتعمَّد يدعوها لتناول وجبة طعام في مطعم قريب فتعتذر أول الأمر خشية ان يكتشف الأهل وجودها مع شخص كندي يعتبرونه غريباً عنها اجتماعياً وثقافياً ودينياً، ولكنها تغيّر رأيها في اللحظة الأخيرة وتقرر المجيء الي المطعم الذي يرتاده ستيفن، وهي ترتدي حجاب الرأس فقط كإشارة أولي لسلسة من الاختلافات والفروقات الاجتماعية والثقافية والدينية التي ستتوالي علي مدار الفيلم لمدة 90 دقيقة.الرُهاب العائليتعاني أغلب الأسر العربية مما يمكن ان نصطلح عليه بالرُهاب أو الفوبيا العائلية، حيث يتسيّد الأسرة في الغالب الأب أو الأخ الأكبر في حال موت الأب أو غيابه. وفي أسرة صباح يموت الأب، ويلقي بمسؤولية الأسرة علي كاهل الأخ الأكبر ماجد حيث يفرض شروطاً قاسية علي شقيقاته المتزوجات وغير المتزوجات، فالهيمنة البطرياركية لا تفرّق بين فرد وآخر من أفراد الأسرة المحافظة أو التي يُراد لها ان تكون كذلك. فبعد موت الأب، وسفر العائلة الي تورنتو، تحمل ماجد أعباء الأسرة كلها، وظل يبيع الانتيكات ليلبي مطالب الأسرة واحتياجاتها، بل ليكون قيّماً عليها، ووفياً للمسؤولية التي قطعها علي نفسه. وهذه المسؤولية تشترط عليه ان يكون قاسياً ومتزمتاً مع الفتيات في الأسرة علي وجه التحديد. ولان ماجداً منهمك في عمله المتواصل فانه آخر من يعرف بالأحداث العائلية التي تتستر عليها الأم في الأعم الأغلب. فلقد بدأت صباح حياتها العاطفية بسلسلة من الأكاذيب لكي تتملص من بعض المواقف المحرجة. فحينما عادت مع حبيبها ستيفن ذات مرة الي البيت أشارت له الي منزل ما علي انه بيتها، وما ان تواري خلف مجموعة أشجار حتي رآها مدهوشاً وهي توقف سيارة تاكسي وتغادر المكان الذي ادعت انه بيتها، وحينما تراكمت الأكاذيب لم تجد بداً من الاعتراف بأخطائها، والتعبير عن أسفها لانها تنتمي الي ثقافة محافظة تمنعها من مزاولة مظاهر الانفتاح المعروفة في البلدان المتحضرة. فحينما يقترح عليها ان يزورها في منزلها ترفض، وحينما يريد ان يقبّلها من شفتيها تمانع بحجة انها تنتمي الي الديانة الاسلامية التي لا تتيح فرصة الحب الا بعد الزواج. وحينما تتفاقم الأكاذيب، وتزداد مخاوف صباح من ضياع حبيبها الذي وجدته في وقت متأخر، فهو مُطلَّق، وفي سن مناسب لها، اضافة الي قبوله بفكرة الآخر اذ نراه يستمع لاحقاً الي موسيقي عربية، ويقرأ بعض الكتب عن الاسلام، ولا يتذمر من المظاهر والعادات الاسلامية التي تبديها صباح خلال سلوكها اليومي. حينما تزداد خشيتها علي ستيفن تضطر صباح للكذب علي أهلها، فتخبر أمها بانها وجدت عملاً تطوعياً لمساعدة اللاجئين مع ابنة أختها سهير فادية ندا المتمردة أصلاً علي تقاليد العائلة، فقد وجدت نفسها منذ البدء في جو مختلف لذلك كنا نراها تصطدم بشكل متواصل مع خالها ماجد الذي يريد ان يزوجها علي هواه من شخص كندي يدعي مصطفي. ذات يوم تقرر صباح ان تذهب الي منزل ستيفن، وتقضي معه ليلة حمراء ضاربة بكل القيم عرض الحائط، وحينما تواجه أخاها في صبيحة اليوم الثاني يقرر التخلي عنها تماماً، غير ان الأم سيتا كيششييان تذهب الي ورشة ستيفن، وتقابله هناك، وتري فيه شاباً وسيماً يستحق شرف الانتساب الي هذه العائلة المحافظة، فتقرر دعوته الي المنزل ليطلب يد صباح من شقيقها الأكبر ماجد، كما نشاهد مصطفي الذي سبق وان رفضته سهير زوجاً لها. فيجتمع شمل الأسرة من جديد بعد ان قبلت بفكرة الاندماج مع الآخر، والقبول التام به، مثلما أبدي الآخر رغبته في الاندماج مع القادمين الجدد الي كندا.وقد فسّر بعض النقاد والمشاهدين العرب ان قيم الاسرة العربية والاسلامية قد تداعت وانهارت تماماً بمجرد ان وافقت صباح بملء ارادتها علي قضاء ليلة حمراء في فراش حبيبها ستيفن. ورغم النهاية السعيدة التي انتهت بزواج الأحبة الا ان النقاد المتشددين وجدوا في هذا المخرَج الذي اقترحته ربي ندا حلاً غير مناسب ولا ينسجم مع التقاليد العربية والاسلامية علي وجه التحديد. البعض الآخر قال بان الديانة الاسلامية سمحاء وقد كفلت للمرأة حق اختيار شريك حياتها، ويجب ألا يُفرض هذا الشريك من قبل الأب أو الأخ الأكبر في الأسرة. وهناك نقاد آخرون وجدوا في معالجة المخرجة ربي ندا سوء فهم وخلط بين العرف والشرع فالأول قد يكره الفتاة علي الزواج بمن لا تريد، بينما لا يقر الثاني هذا النوع من الاكراه غير محمود العواقب. وربما تكون النقطة الأكثر حساسية في الفيلم هو ان تتزوج المرأة المسلمة من رجل مسيحي، غير ان هذه الزيجات قد باتت هي الأخري عرفاً متبعاً في الغرب أو بمعني آخر ان الانسان المسلم لا يجد حرجاً في الزواج من مسيحية، كما ان المرأة المسلمة لا تجد حرجاً في الزواج من مسيحي، والعكس صحيح، وهناك عشرات الآلاف من هذه الأمثلة التي كرست هذا العرف الجديد الذي تمَّ اجتراحه في الغرب. فالانسان هو الانسان، ولا تفرِّقه الديانات السماوية الثلاث التي تعترف ببعضها البعض، وتقر بان المنتمين اليها هم من أهل الكتاب .جاذبية الأداءيمكن القول باطمئنان كبير بان الممثلين كلهم، ومن دون استثناء، كانوا جذابين في أدائهم التمثيلي، اذ أدي كل شخص منهم دوره المناط به بدقة متناهية، وباحساس عالٍ. وربما تكون صباح هي الممثلة التي لا يوازيها أحد في تلقائيتها سوي حبيبها ستيفن الذي جسّد كل مواقف الدهشة والانبهار والتعجّب والغرابة بتلقائية كبيرة بحيث أقنعا المُشاهد ان الحُب هو الشيء الوحيد القادر علي جعل التعايش والاندماج والقبول بالآخر ممكناً. فثمة علاقة حميمة، وصادقة، ودافئة كانت تجمع بين الاثنين رغم الأكاذيب البيضاء التي كانت تتداركها صباح، وتعتذر عنها متحججة بالفروق الثقافية والاجتماعية والاخلاقية. ولم يترك ستيفن حبيبته صباح تتحرك لوحدها، فقد بادر هو الآخر لمعرفتها، وتتبع جذورها الثقافية من خلال الاستماع الي الموسيقي العربية، وقراءة بعض الكتب التي تعرّف بالدين الاسلامي. فلم يكن ستيفن سلبياً، أو كائناً متلقياً فقط، بل كان عنصراً عضوياً وفاعلاً هو الآخر، وقد تحمّل تلك الأكاذيب أو الأعذار غير المقبولة من قبل صباح، وتفهمها جيداً حتي بلغ مراده في الزواج منها، وهي التي كانت تتخوف من الرجل المُطلَّق، والمسيحي الذي ينتمي الي ثقافة مغايرة في العديد من جوانبها. كما جسَّد ماجد نفسه دور الشخصية المنفعلة علي الدوام، وقد أجاد هذا الدور وأبدع فيه، مثلما أجادت سهير، ابنة أخته، دورها سواء في تقمص شخصية المرأة المسلمة المتشددة، أو الفتاة المتفتحة التي لا تكف عن الرقص والبحث عن أسباب المتعة. ولا بد من الاشارة الي ان الفنانة أرسينيه خانجيان هي نجمة سينمائية وتلفازية معروفة في كندا علي وجه الخصوص، فلقد سبق لها وان اشتركت في عدد كبير من الأفلام الروائية والمسلسلات التلفازية ذائعة الصيت مثل أرارات، صُنع في كندا، صديق فيرونيكا، تجربة، الليلة الأخيرة، التربية العاطفية، الحاسة السادسة، وغيرها من الأفلام والأعمال التلفازية المهمة . أما الفنان شون دويل فهو نجم لامع أيضاً سينمائياً وتلفازياً ومن بين أبرز أعماله زيارة فقط ، حيثما تكون هناك ارادة، الساعة الحادية عشر، ربات بيوت تعيسات، ارجع اليَّ، القلب الأحمق وغيرها من الأفلام والأعمال الدرامية.أما المخرجة ربي ندا فلقد أصبح رصيدها ثلاثة عشر فيلماً روائياً وقصيراً، اضافة الي فيلمين روائيين طويلين وهما انا التي أجيء اليك دائماً ، و صباح وكلاهما مدته 90 دقيقة. وجدير بالذكر ان أرسينيه خانجيان قد رشحت لنيل جائزة Genie لأفضل أداء لممثلة عن دورها في فيلم صباح ، كما نالت المخرجة ربي جائزة النقاد الشباب في مهرجان فالادولد العالمي . ومن أبرز أفلام ندي التي عرضت في مهرجانات عالمية نذكر قصة امرأة ضائعة، سوق، الريح تهب صوبي خصوصاً، لا تفعل شيئاً، ليلي دمشقية، أيلول الأسود والمتقلّب .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية