فيلم «داهومي» لماتي ديوب… وقضايا الهوية بعد التحرر من الاستعمار

برلين ـ «القدس العربي»: في عام 2021، بعد نحو ستين عاما على حصول جمهورية بنين الواقعة غربي إفريقيا على استقلالها من المستعمر الفرنسي، أعادت فرنسا 26 قطعة أثرية، من بين آلاف القطع الأثرية المنهوبة، إلى بنين، أو كما كان يعرف اسمها تاريخيا بمملكة داهومي.
تتخذ ماتي ديوب، المخرجة الفرنسية من أصول سنغالية، هذه اللحظة التاريخية نقطة انطلاق لفيلمها الوثائقي «داهومي» المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين في دورته الرابعة والسبعين (15 إلى 25 فبراير/شباط الجاري) متسائلة ماذا لو كان لبعض هذه التراث المنهوب صوتا؟ ماذا لو كان في إمكان تماثيل هؤلاء الملوك الأفارقة الحديث عن انتزاعهم عنوة من أرضهم ونقلهم لمتحف في بلد بعيد بارد غريب؟
بصوت متخيل لتمثال أحد ملوك بنين، بينما تتناقله الأيدي ويوضع في صندوق تمهيدا لعودته لوطنه، يبدأ «داهومي» الوثائقي الذي صنع بذكاء كبير وبتركيز شديد. في الوثائقي الذي تبلغ مدته ساعة وسبع دقائق، تناقش ديوب قضايا ذات أهمية بالغة مثل الاستعمار والإرث الاستعماري، حول هوية الدول بعد حصولها على الاستقلال، ومحاولة بناء شخصية مستقلة، بعد أن فرض المستعمر هويته ولغته على البلاد، التي استعمرها، عن العلاقة المعقدة بين الدول الاستعمارية والدول التي استقلت عنها.
يبدأ الفيلم في المهجر القسري لكنوز مملكة داهومي، التي ازدهرت وأخضعت الممالك المجاورة على مدى ثلاثة قرون، حتى أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تسقط في يد المستعمر الفرنسي. يبدأ الفيلم في قبو أحد المتاحف الباريسية، حيث يخضع تمثال الملك غوزو، أحد التماثيل المعادة إلى أرضها، لفحص دقيق، قبل وضعه في صندوق، تمهيدا لشحنه جوا.

بعد عقود من تحديق الوجوه الغريبة فيه في متحف بارد، يعود تمثال الملك غوزو إلى أرضه، ليس نتيجة لانتصار أهل بلاده، لكن كبادرة على حسن النوايا من المستعمر السابق. إذ وافق الرئيس الفرنسي ماكرون على إعادة بضع قطع أثرية إلى أرضها. ونتابع نحن كما يتابع تمثال غوزو، الذي يصحبنا صوته العميق القادم من الماضي البعيد، رحلة العودة تلك. لكننا لا يسعنا إلا أن نشعر ببعض الحزن والإهانة لهذا التمثال الذي يوضع في صندوقه ووجه إلى الأسفل، يواجه أرضية الصندوق، بدلا من أن يواجه بأنظاره العالم.
لم تكن كلمات تمثال الملك غوزو، بصوته الذي ضخمته المؤثرات الصوتية، والتي قالها بلغته الأم وليس بالفرنسية، لغة المستعمر.. لم تكن كلمات كثيرة، لكنها تلقي بثقلها وعمقها وتأثيرها المهيب على الفيلم بأسره.
إثر ترحيب السلطات في بنين بعودة الثروات المنهوبة واحتفالات الجماهير، يأتي ما هو في نظرنا أهم أجزاء الفيلم. إذ تستضيف جامعة بنين مناظرة وندوة بين الطلاب عن عودة هذه التماثيل، وعن هوية البلاد. آراء تثري الحوار حول مستقبل البلاد ما بعد الاستقلال وكيفية التعامل مع الإرث الاستعماري. نهضت إحدى الطالبات متحدثة بالفرنسية، التي يتحدثها الجميع في البلاد، قائلة إن الاستعمار احتل حتى لسانها لتتحدث بلغته، وإن الشعب سيبقى دوما تحت وطأة الاستعمار، لأن الفرنسية أصبحت هي اللغة الأولى في البلاد.
مناقشات نخلص منها إلى أن التعامل مع الإرث الاستعماري والبحث عن هوية البلاد ليس بالأمر اليسير، الذي يمكن أن يتحقق باستعادة بعض الكنوز المسلوبة.
في المناظرة يقول أحد الطلاب إن إعادة التماثيل مجرد محاولة من فرنسا لتحسين صورتها في العالم. بينما تقول طالبة إن كتب المستعمر تشير إليها على أنها ابنة عبيد، لكنها تنحدر من سلالة من المحاربات والمحاربين. هذا الفخر القومي تنظر إليه ديوب أيضا ببعض التشكك، إذ تركز على أحد القطع الأثرية المعادة، وهو عرش الملك غوزو، الذي يرتكز على تماثيل صغيرة لعبيد مقيدين بالأصفاد، في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، حين حققت مملكة داهومي ثراء كبيرا من تجارة العبيد.
نستمع إلى آراء قوية من شباب مفعم بالحماس ويفكر حقا في مستقبل البلاد، لكن ربما ما يثير الشجون في نقاشات هؤلاء الطلاب أنها لا تخرج عن حيز الكلمات. إذ لم يكن القرار لبنين في استعادة كنوزها، بل جاء ذلك كهبة ومنحة من المستعمر السابق.
ربما يرتكز التأثير القوي للفيلم على رؤيته التعددية للهوية القومية وللبلاد ما بعد الاستعمار. ما يقدمه «داهومي» حقا أنه يجعلنا ننظر بوعي للتأثير الواسع للمستعمر على هويتنا ولغتنا وحياتنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية