برلين ـ «القدس العربي»: في زمن يشغل فيه الكثيرون بمقاييس الجمال ومعاييره، وتلاحقنا فيه دعايات عمليات التجميل وإزالة التجاعيد وغيرها، كما تلاحقنا دعايات قبول الاختلاف وعدم الامتثال للصور النمطية للجمال، يأتينا فيلم مختلف يبحث عن الهوية الحقيقية، التي تكمن وراء مظهرنا الخارجي. الفيلم هو «رجل مختلف» للمخرج الأمريكي آرون شيمبرغ، ويعرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي في دورته لهذا العام (15 إلى 25 فبراير/شباط).
ما يميز «رجل مختلف» حقا هو أنه ينأى بنفسه عن الوعظ والخطابة، ويناقش الاختلاف دون أن يملي علينا رأيا، أو يفرض علينا وجهة نظر.
تدور أحداث الفيلم حول إدوارد (سباستيان ستان) وهو أربعيني منطوٍ على ذاته، يعاني من تشوهات في الوجه، نتيجة لإصابته بمرض يؤثر على أعصاب الوجه. يعيش إدوارد في عزلة ووحدة في شقة بعمارة سكنية في نيويورك، الشقة ذاتها تعاني من التداعي كما يتداعى وجه صاحبها. لا يبدو لنا أن لإدوارد وظيفة ثابتة لكنه يحصل على أدوار تمثيل متواضعة في بعض حملات الدعاية، التي تحض المجتمع على عدم التمييز ضد المعاقين/المختلفين. يصبو إدوارد إلى لعب أدوار هامة كما يصبو إلى الحب، لكنه يرى أن وجهه يقف له بالمرصاد ويعوقه عن تحقيق طموحه.
لكن حياة إدوارد الراكدة يدخلها تغيران كبيران في آن واحد. أولهما هو وصول جارة جديدة جميلة لتسكن في الشقة المجاورة، وهي إنغريد (ريناتا رينسيفيه، التي أبهرتنا بأدائها في فيلم «أسوأ شخص في العالم ليواكيم تريير). إنغريد تسعى أن تكون كاتبة مسرحية ذات شأن كبير، وتبدي اهتماما كبيرا بجارها إدوارد. أما الحدث الآخر فهو علاج تجريبي جديد، يعد ليس فقط بوقف تطور مرض إدوارد، بل بالقضاء على كل تشوهات وجهه كما لو كان لم يمرض قط.
يمر الوقت ويشفى إدوارد تماما من مرضه ويصبح صاحب وجه جميل تفتن به النساء، كما يمر الوقت وتحقق إنغريد النجاح، الذي كانت تصبو إليه في عالم المسرح. تصبح مؤلفة ومخرجة مسرحية بصدد إنجاز مسرحية عن إدوارد، جارها السابق.

يشعر إدوارد بغصة في القلب أنه لا يستطيع أن يلعب الدور الرئيسي في مسرحية تدور عن قصة حياته، فشكله الحالي لا يتمشى مع متطلبات الدور. أما الذي يحظى بالدور فهو أزوالد (آدم بيرسون، الذي عرفناه في فيلم «تحت الجلد» لجونيثان غليزر».
أزوالد هو النقيض التام لإدوارد. سمح إدوارد لاختلاف وجهه أن يملي عليه حياته، وتشرب داخليا معايير المجتمع للقبح والجمال ولمن يجب أن يحظى بالحب ومن يحظى بالشفقة، وعاش في عزلة وحسرة نتيجة لذلك.
أما أزوالد فلا يسمح لاختلاف وجهه أن يحجم طموحاته أو أن يؤطر هويته، فهو يعيش الحياة كما يحلو له، يعشق ويتزوج وينجب، ويمثل فيتقن الأداء ويغني فيتمايل المستمعون له طربا.
يطرح الفيلم تساؤلات كثيرة حول مظهر الإنسان ومخبره، عن الدور الذي يلعبه الشكل الخارجي في تحديد هوية الإنسان، عن كيفية تعامل الإنسان مع شكله الخارجي. هو فيلم عن الهوية ومكوناتها، ويطرح الكثير من الأسئلة عن الهوية، لكن دون تقعر أو وعظ أو لهجة خطابية.
يجعلنا الفيلم نتساءل تُرى كيف سيكون تعامل الناس معنا لو حصلنا على وجه جديد له قسمات مختلفة. هل سنصبح أكثر شعبية؟ هل سيزداد إقبال الناس علينا؟ والسؤال الأهم: ماذا عنا من الداخل؟ هل سيتغير جوهرنا لحصولنا على وجه جديد؟ لكن مع جدية القضايا التي يحملها الفيلم، إلا أنه لا يأتينا بهذه الجدية والصرامة، بل نجد الكثير من المواقف الهزلية التي تضحكنا وتعكس حالة إدوارد النفسية. هناك على سبيل المثال سقف منزل إدوارد المثقوب الذي يسرب الماء، أو هناك الآلة الكاتبة العتيقة، التي تنتقل من بيت إدوارد إلى بيت إنغريد، أو غيرة إدوارد الشديدة من أزوولد، وغيرها من المواقف التي تجعلنا نضحك رغم جدية القضايا المطروحة.
في «رجل آخر» يقدم شيمبرغ فيلما يبادرنا بالأفكار والقضايا من كل حدب وصوب، لكن في خفة وسلاسة تجعلنا نقبل على هذه الأفكار دون الشعور بثقل الموقف. الفيلم يقدم دراسة عن «الجمال» و»القبح» عما يجعلنا ننجذب إلى الأشخاص، أو ننفر منهم، عن الهوية الحقة أو المختلقة، أو كيف نخلق هويتنا أو هوياتنا المختلفة.