يمثل النجاح الكبير لفيلم «رفاق جيدون» Goodfellas مثالا للرغبات الخفية للطبيعة البشرية، لاسيما إعجاب الإنسان بالعنف والقسوة، دون أي تعاطف تجاه الضحايا. ويمتاز هذا الفيلم بالتقاء جميع عناصر التشويق فيه، ما جعله أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما العالمية وأفضلها في مجال سينما العصابات على الإطلاق، فبالإضافة إلى تميز الإخراج واللمسة الواقعية وأداء الممثلين، كانت أحداثه مأخوذة من كتاب شهير عن عصابات المافيا الأمريكية، واحتوى على معلومات مأخوذة من عضو سابق فيها. يختلف هذا الفيلم عن فيلم «العراب» الشهير حيث حاول إظهار رجال المافيا على حقيقتهم، بينما حاول فيلم «العراب» اختلاق صورة رومانسية لهم بالغة البعد عن الواقع. وكان مخرج الفيلم مارتن سكورسيزي Martin Scorsese بينما مثل الأدوار الرئيسية روبرت دي نيرو Robert De Niro وري ليوتاRay Liotta وجوبيشي Joe Pesci.
أحداث الفيلم
امتدت أحداث الفيلم من الستينيات وحتى أوائل الثمانينيات عن المراهق «هنري هل» الذي ترعرع في عائلة فقيرة وأعجب برجال العصابات الإيطاليين في منطقته في مدينة نيويورك الأمريكية. وحاول الفتى الاختلاط بهؤلاء الرجال، وقام بعدة عمليات غير قانونية لهم، ثم وجد نفسه مع مرور الوقت يغرق في هذا العالم، وارتقى في طبقات عصابة «لوشيزي» حتى أصبح ضمن الطبقة الوسطى في تنظيم العصابة. وهناك أصبح مقربا من اثنين من أخطر رجال العصابات، وهما «جيمي» (روبرت دي نيرو) و»تومي» (جوبشي) وكان الأول خطيرا لدهائه وطموحه، أما الثاني فكان الأكثر عنفا وحبا للقتل. والتقى «هنري» بفتاة من عائلة متوسطة لا علاقة لها بعالم الإجرام، يسحرها بما يستطيع أن يفعله لكونه رجل عصابات، حيث كان بمقدوره الدخول إلى أرقى المطاعم، دون الوقوف في الصف أمامه انتظارا. وإذا لم تكن هناك منضدة شاغرة، فإن إدارة المطعم توفر له واحدة. ومما زاد من إعجابها به أنه ضرب شابا تحرش بها ضربا مبرحا أمام الجميع وفي وضح النهار.
كانت الحياة الاجتماعية الحقيقية لـ»هنري» مع غيره من رجال العصابات الذين كانوا في منتهى الخطورة حتى في مزاحهم، لاسيما «تومي» الذي كان يستمتع بإهانة من حوله بمزاحه الثقيل وطبيعته العدوانية، حتى إنه قتل عاملا في إحدى الحانات لأنه أزعجه قليلا، وقتل عضوا مهما في عصابة «غامبينو» بسبب مشادة. وساعده «جيمي» و»هنري» في إخفاء الجثة كي لا تكتشف تلك العصابة ما حدث، وإلا فإن رد فعلها سيكون عنيفا.
دخل «هنري» السجن مع بعض زملائه من رجال العصابة، وقضوا فترة السجن وكأنهم في فندق خمسة نجوم. ومارس «هنري» في السجن تجارة المخدرات، حيث كانت زوجته تهرب له المخدرات والأطعمة الفخمة بشكل فاضح. نجح «جيمي» في القيام بسرقة مبلغ هائل كانت شركة «لوفتهانزا» الألمانية قد نقلته إلى مطار جون كيندي في نيويورك، لكنه اكتشف سريعا أن شبهات الشرطة بدأت تلاحقه، فقام بقتل كل من يربطه بتلك العملية. وبالتالي أخذت جثث ضحاياه تظهر في مختلف أنحاء المدينة. لكن نهاية «جيمي» وبقية زعماء العصابة أتت عندما ألقت الشرطة القبض على «هنري» بسبب قضية مخدرات واعترافه بكل شيء للسلطات من أجل تجنب السجن. أما «تومي» فقامت عصابة «لوشيزي» بقتله لأن عنفه كان قد أصبح خارج السيطرة لاسيما أنه قتل ذلك العضو المهم من عصابة «غامبينو».

روبرت دي نيرو(يمين) وجوبشي (يسار) وفرانك فنسنت (على الأرض) يستمعون إلى تعليمات المخرج مارتن سكورسيزي لتمثيل مشهد مقتل عضو عصابة غامبينو
تصوير الفيلم
بدأت فكرة تصوير الفيلم عام 1985 عندما نُشِرَ كتاب «عضو المافيا: الحياة في عصابة المافيا» Wideguy: Life in a Mafia Family الذي ألفه الكاتب نيكولاس بيليغي Nicolas Pileggi معتمدا على معلومات زوده بها «هنري هل». وما أن اطلع المخرج مارتن سكورسيزي على الكتاب، حتى قرر إنتاج الفيلم في أسرع وقت ممكن، واتصل بالكاتب للاتفاق حول التفاصيل، كما اشترك معه في كتابة السيناريو. وكانت المشكلة الأولى في الفيلم اسمه، حيث كان من غير الممكن استعمال اسم الكتاب، أي Wideguy (عضو المافيا) لكون هذه الكلمة اسما لبضعة افلام ومسلسلات سابقة، فقام المخرج باختيار Goodfellas الذي حمل المعنى نفسه. وكانت المشكلة الثانية رفض الشركة المنتجة تمويله، حتى استطاع المخرج إقناع روبرت دي نيرو بالاشتراك فيه، حيث غيرت الشركة رأيها لكونه ممثلا كبيرا يضمن شعبية الفيلم. ولم يكن اختيار ذلك النجم الكبير مفاجأة، حيث عرف المخرج باعتماده على نجوم سبق وأن عمل معهم. وفي الطريقة نفسها اختار بقية الممثلين الرئيسيين في الفيلم مثل جوبشي. وكان الاستثناء الوحيد ري ليوتا، الذي بذل جهدا كبيرا في إقناع المخرج.
حاول المخرج أن يبدو الفيلم واقعيا، ونجح في ذلك نجاحا مذهلا، حيث ظهر الجميع وكأنهم شخصيات حقيقية، لاسيما أن المخرج استعمل طرقا مبتكرة ومختلفة في تصوير المشاهد، فمثلا كان مشهد دخول «هنري» (ري ليوتا) وصديقته المطعم الفخم، قد تم تصويره في لقطة واحدة مستمرة بلغ أمدها حوالي ثلاث دقائق، وأعطت التأثير المناسب على المشاهد. ويناقض هذا طريقة تصوير نهاية المحكمة، حيث قام «هنري» بشرح الموقف للمشاهد. ومما زاد من غرابة طريقة الإخراج المبتكرة أن المخرج لم يستعمل موسيقى تصويرية خاصة بالفيلم، بل استعمل أغاني شهيرة وقديمة لدمج المشاهد مع جو كل مشهد.
حاول روبرت دي نيرو وري ليوتا إتقان دوريهما عن طريق الاتصال بالشخصيتين الحقيقيتين لمعرفة تصرفاتهما وطريقة مشيتهما وكلامهما، وحتى طريقة كيفية تدخينهما السيجارة. لكن الممثل جوبشي لم يكن قادرا على هذا، لأن الشخصية التي مثلها كانت قد قتلت قبل التصوير. ولذلك اعتمد على تجربته الشخصية، حيث سبق أن التقى بأعضاء المافيا. وكانت لخبرة هذا الممثل أثر بليغ في مجريات الفيلم، إذ أن المشهد الشهير الذي أطلق عليه النقاد اسم «كيف تجدني مضحكا» كان من بنات أفكار جوبشي، حيث اقتبسه من حادثة وقعت له مع أحد أعضاء المافيا أثناء عمله نادلا في أحد المطاعم. وإذا ظن البعض أن قصر قامة الممثل جوبشي يجعله غير مؤهل لتمثيل دور القاتل المعتوه في الفيلم، فعليهم ملاحظة أن «أَيب ريليز» أحد أشهر قتلة العصابات في تاريخ الولايات المتحدة، كان أقصر منه. وكان جوبشي النجم الحقيقي في الفيلم بسبب تصويره البارع لشخصية رجل المافيا العدواني والشرس والذي من الممكن أن يرتكب جريمة في أي لحظة.
خلفية قصة الفيلم
كان الكثير من أحداث الفيلم مأخوذ من أحداث حقيقية، فمثلا كانت حادثة سرقة المطار الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة حتى ذلك التاريخ، حيث بلغت قيمة المسروقات خمسة ملايين وثمانمئة وخمسة وسبعين ألف دولار. ولم يحاكم سوى شخص واحد فقط بسبب هذه السرقة، ولم يعثر على المسروقات حتى الآن. والغريب في الأمر أن عصابة «لوشيزي» اضطرت أن تحصل على موافقة عصابة «بانانو» قبل السرقة، نظرا لوقوع المطار ضمن منطقة «بانانو» التي اشترطت وجود ممثل لها أثناء السرقة. وأما عدد المشتركين في السرقة الذين قتلوا بأمر من «جيمي» بسبب علاقتهم بسرقة المطار، فكانوا ثمانية بينما قتل خمسة آخرون لأسباب أخرى دون تدخل منه. وكان «تومي» الحقيقي أكثر وحشية مما قدمه الممثل جوبشي، على الرغم من براعة تمثيله. وكان قد قتل اثنين من أعضاء عصابة «غامبينو» وليس واحدا فقط.

تأثير الفيلم في عالم السينما
أصبح فيلم «رفاق جيدون» مثالا يحتذى به في عالم صناعة الأفلام التي تناولت مواضيع المافيا. واقتُبِسَ منه المسلسل التلفزيوني الشهير «السوبرانيين» The Sopranos ليس بالنسبة للكثير من التفاصيل حسب، بل الممثلين أيضا، إذ مثل في المسلسل سبعة وعشرون ممثلا من الذين مثلوا في الفيلم الأصلي، ومنهم الممثلة لورين براكو التي مثلت دور زوجة «هنري هل» في الفيلم. وعلى الرغم من شهرة هذا المسلسل الذي يُعَدُّ أحد المسلسلات الأكثر نجاحا في تاريخ التلفزيون الأمريكي، فإنه كان أقل واقعية وتشويقا بكثير من الفيلم الأصلي.
امتد تأثير الفيلم إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث قام المخرج نفسه بأخراج فيلم «كازينو» Casino (1995) الذي كان من تمثيل روبرت دي نيرو وجوبشي وأخذت أحداثه من كتاب للمؤلف نفسه. لكن ذلك الفيلم لم يكن سوى إعادة لفيلم «رفاق جيدون» من حيث القصة. ومثّل روبرت دي نيرو الدور الذي مثله ري ليوتا بينما مثل جوبشي الدور نفسه الذي مثله في الفيلم الأصلي. ونجح هذا الفيلم كذلك نجاحا باهرا، إذ انخدع الجميع به، ولم يلاحظ أي من المشاهدين أنه يشاهد فيلما معادا. وليس هذا غريبا على صناعة السينما، فقد كانت سلسلة أفلام «رجال يرتدون الأسود» Men in Black (أربعة أجزاء) في الحقيقة إعادة لسلسلة أفلام «صائدو الأشباح» Ghostbusters (ثلاثة أجزاء). وإنتاج سلسلة أفلام، أي أجزاء متتابعة لفيلم شهير، طريقة مربحة وسهلة لشركات السينما، لأنها تستعمل قصة مشابهة والممثلين أنفسهم، مع ضمان عودة المشاهدين بسبب إعجابهم بالفيلم الأصلي، على الرغم من معرفة المشاهد أنه سيشاهد الفيلم نفسه مرة أخرى. وبالمناسبة فإن أكثر من عشرة أفلام نجاحا عام 2022 كانت أجزاء تالية لأفلام شهيرة سابقة. وتمثل هذه الظاهرة فرص عمل سخية للممثلين، بل إن هذا النوع من الأفلام حوّل بعضهم إلى نجوم سينمائيين مثل شون كونري وروجر مور ودانييل كريغ، بالنسبة لسلسلة أفلام «جيمس بوند» وهاريسن فورد بالنسبة لسلسلة أفلام «أنديانا جونز» ووليم شاتنر بالنسبة إلى مسلسل وسلسلة أفلام «ستار تريك».
التأثير الاجتماعي للفيلم
كان الفيلم عن المافيا الأيطالية، كما كان المخرج وأغلب الممثلين فيه من أصول إيطالية، ما جعل الفيلم يبدو أكثر واقعية. وهو من هذه الناحية يشابه أفلاما كثيرة عن هذه المافيا، ما جعل بعض المخرجين والممثلين الذين من أصول إيطالية نجوما سينمائيين كبارا مثل روبرت دي نيرو وآل باتشينو. لكن هذا أعطى الانطباع أن كل إيطالي عضو في المافيا الإيطالية وأن كل العصابات في الولايات المتحدة الأمريكية إيطالية، وهذا غير صحيح على الإطلاق، ولذلك عندما أرادت الحكومة الإيطالية منح الممثل روبرت دي نيرو الجنسية الإيطالية عام 2004 احتج البعض لأنه أساء إلى سمعة إيطاليا والإيطاليين في الأفلام التي جعلته نجما عالميا.
حاول الفيلم جعل المشاهد يتعاطف مع «هنري هل» ري ليوتا، وكأنه ذلك الملاك الغارق في هذا الوسط الإجرامي، فهو الذي لم يقتل أحدا واعترف على الجميع وكان الأكثر وسامة.
على الرغم من ادعاء المخرج أن الفيلم دعاية مضادة للمافيا، وأن جميع الشخصيات في الفيلم انتهى مصيرها إلى القتل أو السجن، فإن الفيلم في الحقيقة دعاية كبيرة لها وطريقة تصرفات رجالها العدوانية، لاسيما طريقة كلامهم المهينة، التي تكون أحيانا مصحوبة بلمحات مزاح كقناع لإثارة الخوف في قلوب من حوله وفرض السيطرة السطوة عليهم. ويراهم المشاهد محاطين بالجميلات ويتلقون معاملة خاصة أينما ذهبوا، وفي حالة مادية ممتازة. ومما يزيد من تأثير الفيلم رغبة أغلب الناس أن يكونوا مرهوبي الجانب وقادرين على مخالفة القوانين على حساب الآخرين. وإذا كان المشاهد يجد صعوبة في التحول إلى رجل عصابات، فإن الفيلم يشجعه ليتصرف بطريقة عدوانية ومهينة مشابهة لتصرفات رجال العصابات.
حاول الفيلم جعل المشاهد يتعاطف مع «هنري هل» ري ليوتا، وكأنه ذلك الملاك الغارق في هذا الوسط الإجرامي، فهو الذي لم يقتل أحدا واعترف على الجميع وكان الأكثر وسامة. لكن الحقيقة ربما كانت مختلفة لأنه لم يكن مختلفا عنهم، لكنه كان المصدر الوحيد لأحداث الفيلم، ما جعل كل شيء حسب وجهة نظره ورغبته في كيفية إظهار شخصيته. ومما هو جدير بالذكر أن هنري هل كان المستفيد الوحيد في العصابة من كل هذه الأحداث، حيث استلم مبلغ أربعمئة وثمانين ألف دولار لقاء مساهمته في تأليف القصة وظهور شخصيته في الفيلم. وقام بعد ذلك بتأليف كتاب آخر عن المافيا.
ما هو رأي رجال عصابات المافيا عن الفيلم؟ ذكر «مايكل فرانسيزي» الذي كان أحد مشاهير رجال المافيا وظهرت شخصيته في الفيلم، أن الفيلم بشكل عام كان الأقرب إلى تصوير رجال وحياة المافيا الحقيقيين لاسيما «جوبشي» لكنه أضاف كذلك أن الفيلم بالغ في تصويره للحياة المرفهة لزعماء المافيا في السجن وأن «هنري هل» لم يكن بتلك الأهمية بسبب إدمانه على المخدرات، ما قلل من ثقة قيادة المافيا به. ومع ذلك فإن فيلم «رفاق جيدون» يبقى الأفضل في تصوير العالم القذر لمجتمع العصابات وعلامة فارقة في تاريخ الفن السابع.
باحث ومؤرخ من العراق