الزوجة الشابة جَون فونتين والزوج «مكسيم» (لورنس أوليفييه)
يُعَدُّ فيلم «ريبيكا» Rebecca (1940) أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية، على الرغم من أن أحداثه تقع في بريطانيا، والفيلم مأخوذ من رواية نالت نجاحا كبيرا للكاتبة البريطانية دافني دومورير. وكان هذا الفيلم الأول للمخرج الفريد هيتشكوك، بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعمله لدى المنتج دَيفد سيلزنيك. ومثل في الفيلم الممثل البريطاني لورنس أوليفييه مع الوجه الجديد آنذاك جَون فونتَين (شقيقة الممثلة أوليفيا دي هافيلاند). وحصل الفيلم على جائزتين للأوسكار عن أفضل فيلم وعن التصوير السينمائي.
أحداث الفيلم

رئيسة الخدم (جوديث أندرسن) والزوجة الشابة (جَون فونتين)
تبدأ أحداث الفيلم في منطقة الريفييرا الفرنسية، حيث تشاهد شابة بريطانية (جَون فونتين) في مقتبل العشرينيات رجلا (لورنس أوليفييه) في أوائل الأربعينيات، كان يبدو وكأنه على وشك الانتحار، وتصيح به إلا أنه يغضب وينهرها. وكانت الشابة تعمل مرافقة لإحدى الثريات الأمريكيات وتنتقل مع تلك المرأة الثرية إلى أحد الفنادق الفخمة في مونت كارلو، حيث تشاهد الشابة هناك الرجل نفسه، وتتعرف عليه الثرية، فهو أحد الأرستقراطيين البريطانيين الأثرياء ويدعى «مكسيم دي ونتر»، وتتكلم معه، وبذلك تتعرف الشابة عليه وتبدأ بينهما قصة حب تتطور بسرعة بالغة، فبعد ذلك بأيام تتفاجأ المرأة الثرية بخبر رغبتهما بالزواج، وتبدي امتعاضها وتترك الشابة العمل لديها. وينتقل الاثنان إلى بريطانيا للسكن في منزل «مكسيم»، وإذا به قصر كبير يعمل فيه فريق من الخدم من كلا الجنسين، ترأسهم امرأة في أوائل الأربعينيات من عمرها وتتميز بالصرامة البادية على محياها.
تفاجأت الزوجة الشابة من كل هذا، فهي شابة خجولة من عائلة فقيرة، وشعرت بأنها أقل شأنا من الجميع، حتى خدم القصر، ناسية أنها زوجة صاحب القصر، فتحاول مجاملة الجميع وتجنب المواجهة، وتكتشف أن زوجها كان متزوجا من امرأة رائعة الجمال تدعى «ريبيكا». وهي سليلة إحدى العوائل الشهيرة، وعرفت بذكائها وكونها شخصية اجتماعية مهمة في المنطقة. ولكن ذلك الزواج لم يدم طويلا، لأن الزوجة الأولى توفيت غرقا أثناء قيامها برحلة في قارب العائلة قرب الساحل قبل سنة، واكتشفت جثتها على الشاطئ بعد الحادث بفترة، حيث تعرف زوجها على الجثة. واكتشفت كذلك أن رئيسة الخدم كانت قد أتت مع الزوجة الأولى، وسرعان ما تلاحظ تعلقها بها، أي بـ»ريبيكا». وتشعر الشابة بأنها محاصرة بذكرى «ريبيكا» وكأنها شبح يطاردها في جميع أرجاء المنزل، فغرفة الزوجة الأولى هي الأفضل في القصر، وما تزال موجودة دون أي تغيير، وتعرض رئيسة الخدم ملابس الزوجة الأولى بإعجاب كبير، لاسيما ملابسها الداخلية، وتشعر الشابة بأنها على وشك الجنون، فلا تستطيع أن تعادل غريمتها في أي شيء، لاسيما أن رئيسة الخدم تذكرها بذلك دائما. وتستنتج الشابة أن زوجها ما يزال يهيم حبا بـ»ريبيكا»، مما قد يفسر توتره ونوبات الغضب المفاجئة التي تنتابه أحيانا، فماذا عليها أن تفعل؟ تكتشف الشابة أن «ريبيكا» كانت تنظم حفلة ضخمة في القصر كل عام، ولذلك قررت إعادة ذلك التقليد لتبين للجميع أنها تعادل الزوجة الأولى في نشاطها الاجتماعي، وبالتالي على الشابة أن تجد الفستان المناسب لهذه المناسبة المهمة، فتريها رئيسة الخدم لوحة كبيرة في القصر تُظهِر إحدى سيدات عائلة زوجها من جيل ماض مرتدية فستانا فخما، مما يقنع الشابة باستعمال فستان مشابه له. ولذلك تجهز الفستان وتنزل إلى بهو القصر لمفاجأة زوجها والضيوف. وما أن استدار زوجها حتى استشاط غضبا وأمرها بالتخلص منه فورا مسببا صدمة للشابة، التي سرعان ما اكتشفت أن رئيسة الخدم خدعتها، فهذا الفستان كان ما ارتدته «ريبيكا» في آخر حفلة لها. وتنهار الشابة، فتستغل رئيسة الخدم الفرصة بتذكيرها بعدم قابليتها على منافسة «ريبيكا»، وأن أفضل حل لها الانتحار. وتكاد رئيسة الخدم أن تنجح في مسعاها لولا حصول جلبة غريبة في القصر، إذ وصل خبر مفاجئ مفاده العثور على قارب العائلة الذي غرقت به «ريبيكا» كما تم العثور على بقايا جثة فيه. وتتوقف الحفلة فورا، ويغادر المدعوون القصر، كما تلاحظ الشابة ارتباك زوجها مما يثير قلقها. وعندما تنفرد بالحديث معه يعترف لها بأنه لم يكن يحب «ريبيكا»، بل كان يمقتها، ما أثار دهشة زوجته الشابة. ويشرح زوجها ما حدث، فقد ذهب مع «ريبيكا» إلى ذلك الفندق في مونت كارلو لقضاء شهر العسل. ولكنه فوجئ بـ»ريبيكا» بعد أربعة أيام، وفي لحظة رومانسية على الشاطئ، وهي تخبره بأنها تغير عشاقها كما تغير ملابسها، وأنها تنوي الاستمرار في ذلك، على الرغم من زواجها، وأكدت له كذلك أنها ستخفي الأمر بمهارة كي لا يعرف أحد ذلك، فمشاعر زوجها عديمة الأهمية بالنسبة لها. وصعق هذا الكلام «مكسيم» إلا انه وجد نفسه غير قادر على طلاقها، لأن ذلك الطلاق كان كفيلا بإحداث فضيحة في المجتمع البريطاني. وكانت «ريبيكا» صادقة في كلامها، حيث استأجرت شقة في لندن لاستقبال عشاقها بعيدا عن منطقة قصر ومجتمع زوجها. وحقد عليها زوجها، ولكنه لم يعرف كيف يوقفها، على الرغم من استمتاعها بإهانته دائما. واكتشف زوجها في ما بعد أنها أخذت تستخدم منزلا صغيرا على أرض القصر، مواجها للبحر لاستقبال آخر عشاقها، الذي كان ابن عمها «جاك» (جورج ساندرز) الذي يعمل بائعا للسيارات. ويسكن في ذلك المنزل بعد وفاتها رجل مضطرب عقليا كان يشاهدها مع عشاقها، فهددته بإرساله إلى مستشفى للأمراض العقلية إذا أخبر أحدا بما يشاهده. وقص «مكسيم» أحداث آخر يوم من حياة «ريبيكا»، إذ دخل ذلك المنزل الصغير ليجد «ريبيكا» تنتظر عشيقها وبدت مريضة. ولكنها ما أن رأته، حتى نهضت وسارت نحوه ضاحكة وهي تقول، إنها ستحمل طفلا من عشيقها وستربيه في القصر على أساس أنه ابنه، أي ابن «مكسيم»، كي يكبر ويرث كل شيء تملكه عائلته. ويفقد «مكسيم» أعصابه، فتنشب معركة كلامية بين الاثنين وتتعثر «ريبيكا» ويرتطم رأسها بشيء صلب ما يؤدي إلى وفاتها. ويخشى «مكسيم» من اتهامه بقتلها، فيأخذ جثتها ويضعها في قاربه ويبحر إلى منطقة قريبة من الشاطئ، حيث يُغرِق القارب ويعود سباحة. وعندما عثر على جثة امرأة مجهولة على الشاطئ وسألته الشرطة ادعى أنها جثة زوجته لإنهاء الأمر. وعبر «مكسيم» عن تأكده أنه سيتهم بقتلها، فلن يصدق أحد الحقيقة. ولكن زوجته الشابة توسلت إليه أن يتمسك بالأمل، وأنها ستبقى معه إلى النهاية.

بدأ التحقيق وأكد صانع القارب أن «ريبيكا» بارعة في استعماله، كما أن القارب قد أُغرِقَ عن عمد، فإما أنها انتحرت أو قُتِلَت. وأبلغ «جاك»، عشيق وابن عم «ريبيكا»، «مكسيم» أنه يملك رسالة من «ريبيكا» تدل على أنه قتلها وأنه سيعرضها على الشرطة، إلا إذا أعطاه وظيفة مغرية للغاية، لأنه سئم بيع السيارات، إلا أن «مكسيم» تحداه أمام الشرطة التي بينت أن ما يقوم به العشيق ابتزاز. وكانت «ريبيكا» تخبر عشيقها في هذه الرسالة أنها كانت عند الطبيب في ذلك اليوم. وكان استنتاج العشيق أن «ريبيكا» قد حبلت منه وأن زوجها «مكسيم» قد قتلها لهذا السبب. وذهبت الشرطة مع «مكسيم» و»جاك» إلى الطبيب الذي أكد أن «ريبيكا» كانت غير قادرة على الحمل بسبب إصابتها بالسرطان حيث لم يتبق لها من الحياة سوى بضعة أشهر، إلا أن «ريبيكا» قالت له إنها ستموت قبل ذلك. ولهذا السبب كان استنتاج الشرطة أنها انتحرت وأخليت ساحة «مكسيم». وعندما عاد «مكسيم» إلى قصره وجده يحترق حيث حرقته رئيسة الخدم عندما كانت الزوجة الشابة نائمة. ولكن الزوجة استطاعت الفرار وتموت رئيسة الخدم بمفردها في القصر. وتنتهي هنا أحداث الفيلم.
تحليل الفيلم
يحاول الفيلم التعبير عن عدم إمكانية المرء أن يكون مثل شخص من الماضي أو خيالي، وإلا سيتحول ذلك الشخص إلى شبح يطارد المرء إلى الأبد، فـ»ريبيكا» ماتت ولن تستطيع الزوجة الشابة أن تكون مثلها، بل إن اندفاعها في المحاولة جعلها لا تلاحظ أن زوجها يحبها كما هي ويمقت «ريبيكا» وذكراها، ولذلك كان عليها أن تكون على سجيتها وتفرض شخصيتها المختلفة عن شخصية «ريبيكا».
كان إخراج الفريد هتشكوك ممتازا، وحاول الاعتماد على التصوير البارع الذي تميز بتركيز الإضاءة على وجوه الممثلين مع خلفية داكنة لزيادة تأثير تعابير وجه الممثل. وهي طريقة لم يستعملها في أفلامه الملونة لسبب ما. ولكن المخرج أدخل تفاصيل غير واقعية، كان من الممكن التخلي عنها مثل اصطحاب الزوج «مكسيم» والعشيق «جاك» الشرطة عند التحقيق مع طبيب «ريبيكا». أما التفصيل الأهم الذي نجحت المؤلفة والمخرج في جعل المشاهد يتجاهله، فكان رئيسة الخدم، إذ كان من المؤكد أن يفصلها الزوج «مكسيم» ودون تردد، حينما شعر بأنها تزعج زوجته الثانية.
كان سن الممثلين مقارب لسن الشخصيات التي أدوا أدوارها، إذ كانت «جَون فونتين» في أوائل العشرينيات بينما كان «لورنس أوليفييه» في أوائل الأربعينيات. وأدت فونتين دورها بنجاح عكس «أوليفييه» الذي كان باردا وغير قادر على التعبير عن مشاعره بسهولة. ولكن جورج ساندرز تفوق على الجميع في أداء دور عشيق «ريبيكا» المحتال. لم يكشف الفيلم عن أسم الزوجة الشابة ولم تظهر «ريبيكا» في الفيلم. وفي الواقع أن العثور على ممثلة بتلك الصفات الجمالية بالذات وقابلة لتمثيل ذلك الدور كان بالغ الصعوبة، ولم يكن هناك سوى ممثلة واحدة قادرة على ذلك، ألا وهي الممثلة فيفيان لي، عشيقة الممثل لورنس أوليفييه آنذاك وزوجته لاحقا. وكانت فيفيان لي قد حاولت جاهدة أن تؤدي دور الزوجة الشابة ودعمها لورنس أوليفييه في ذلك، إلا أن المخرج هتشكوك كان مصرا على رفضها بحجة أنها لا تستطيع تمثيل دور فتاة ضعيفة، وكان على حق. ولكن هذا ربما لم يكن السبب الوحيد، فالمخرج ألفريد هتشكوك كان معروفا بحبه للشقراوات، وشعر فيفيان لي بني غامق، كما أن «جَون فونتين» كانت أصغر سنا منها وأقرب سنا للشخصية. وفي جميع الأحوال كان هذا الفيلم نقطة انطلاق الممثلة «جَون فونتين» التي نالت جائزة الأوسكار عن فيلمها التالي الذي كان بعنوان «شك» Suspision وأخرجه الفريد هتشكوك كذلك.
إنتاج الفيلم
الفيلم مأخوذ من إحدى أشهر الروايات في الأدب البريطاني في القرن العشرين، حيث نشرت عام 1938 وحققت نجاحا سريعا وما تزال تباع بأعداد كبيرة. وقام المنتج دَيفد سيلزنيك بشراء حقوق الرواية لعرضها في فيلم بمبلغ خمسين ألف دولار، الذي كان مبلغا كبيرا آنذاك، ويعادل ما دفعه مقابل حقوق رواية «ذهب مع الريح». ولعل المال كان سبب قبول المؤلفة لأنها لم تكن سعيدة بما فعله هتشكوك في أول اقتباس له من مؤلفاتها، وكان بعنوان «فندق جامايكا» Jamaica Inn وعرض عام 1939. ولكن المؤلفة كانت راضية عن فيلم «ريبيكا» عندما شاهدته. وقام المخرج هتشكوك باقتباس فيلم ثالث من المؤلفة، ألا وهو فيلم «الطيور» The Birds الذي عرض عام 1963.
حاول هتشكوك أن يغير الكثير في القصة، إلا أن المنتج منعه وأجبره على اتباع القصة. ولكن المنتج رضخ لجهاز الرقابة السينمائية، التي أصرت على تغيير تفصيلين مهمين، الأول أن في الرواية الأصلية يقوم الزوج «مكسيم» بقتل «ريبيكا» بمسدسه عندما تهينه وتدعي أنها كانت حاملا من ابن عمها وتتحداه أن يطلق النار عليها، فاحتجت الرقابة، لأن القاتل يجب أن لا يفلت من العقاب، أما التفصيل الثاني، فكان عن رئيسة الخدم، ففي الرواية الأصلية كانت تلك الشخصية أصغر سنا وعلى علاقة غرامية مع «ريبيكا» ما يفسر حقدها على الزوجة الشابة وسطوة «ريبيكا» عليها. ولكن الفيلم أشار إلى ذلك بشكل واضح، حيث تصف رئيسة الخدم جمال «ريبيكا» لتفاصيل غير عادية وتعرض ملابس القتيلة الداخلية بشكل يوحي بالكثير. ولهذه الأسباب، فإن الرواية أفضل من الفيلم في طريقة عرض الشخصيات وتطور الأحداث. ولكن كمؤلفة الرواية لجأت إلى عدة طرق لجعل المشاهد يكره «ريبيكا» وعشيقها، فهي لا تخون زوجها فحسب، بل توقع كل من تريد السيطرة عليه ومن الجنسين في حبائلها بالجنس حتى خادمتها. وبهذا الشكل، فإنها تسيطر على المنزل، كما أن عشيقها ليس محتالا فحسب، بل ابن عمها، وكان ذلك مستهجنا في تلك الفترة من قبل المجتمع البريطاني. وجعلت المؤلفة العشيق يعمل في بيع السيارات، وكانت هذه المهنة غير محترمة تماما في بريطانيا آنذاك.
الخلفية الواقعية للفيلم
دراسة حياة المؤلفة دافني دي مورير تجعل المهتمين بدراسة احتمال كون أحداث وشخصيات رواية وفيلم «ريبيكا» مقتبسة من الواقع. وكانوا على حق، فقد اكتشفت المؤلفة أن زوجها كان خطيب فتاة في السابق وكانت قد عثرت على مراسلاتهما، لأن الزوج احتفظ بها ويشابه هذا تفاصيل الفيلم، فظنت المؤلفة أنه ما يزال مغرما بها. وكان اسم الخطيبة جانيت ريكاردو، ومن هذا الاسم اقتبس اسم «ريبيكا» كما نرى حرف «ر» باللغة الإنكليزية في الفيلم باستمرار. وأن خطيبة زوجها السابقة تزوجت أرستقراطيا ثريا من أسكتلندا، وأنها انتحرت، حيث ألقت نفسها أمام القطار وكانت في التاسعة والثلاثين من عمرها. إلا أن شخصية «ريبيكا» كانت مقتبسة عن شخصية الممثلة «تالاللا بانكهيد» التي كانت من عائلة أمريكية راقية وأقامت علاقات غرامية مع العديد من الرجال والنساء، كما عرفت بشخصيتها العدائية وإدمانها على الكحول والمخدرات. ومن الجدير بالذكر أن المؤلفة كانت قد قابلت الممثلة تالاللا بانكهيد وأبدت إعجابها المفرط بجمالها في جملة نجدها في الفيلم كذلك. وقد ذكرت بعض المصادر أن المؤلفة أقامت علاقات غرامية مع نساء. وأما كون الشخصيات في الرواية والفيلم من الطبقة الراقية من المجتمع البريطاني، فقد كانت المؤلفة تنتمي إلى تلك الطبقة.
مؤرخ وباحث من العراق