الطفلة كارين بالكين في دور ماري، وخلفها أودري هيبورن (يمين) وشيرلي ماكلين
هل يستطيع طفل خبيث إثارة مشكلة بشكل مقصود تتسبب في تحطيم أو مقتل أناس بالغين؟ نعم، ممكن وأحيانا بسهولة غريبة. وهذا موضوع فيلم «ساعة الأطفال» The Children’s Hour تمثيل شيرلي ماكلين Shirley Maclaine وأودري هيبورن Audrey Hepburn وجيمس غارنر James Garner، إخراج وليام وايلر William Wyler. وقد نال هذا الفيلم الشهير نجاحا كبيرا في أوساط المشاهدين والنقاد السينمائيين على حد سواء، واعتبر من الأفلام النادرة لجرأة الموضوع الذي تناوله ومستواه الرفيع من الناحيتين الفنية والتقنية، كما أثار جدلا عند عرضه عام 1961 لعدة أسباب ستتوضح في هذا المقال.
أحداث الفيلم
تدور أحداث الفيلم في العقد الرابع من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تقوم المدرستان الصديقتان مارثا (شيرلي ماكلين) وكارين (أودري هيبورن) بتأسيس مدرسة داخلية خاصة لفتيات الطبقة الثرية في المنطقة. وتنجح الصديقتان في مشروعهما الذي تطلب تكريس كل وقتهما له، حتى إن كارين أطالت فترة خطوبتها من الطبيب جو (جيمس غارنر) بسبب عملها الدؤوب في المدرسة، ما أثار حنقه، لكنها توافق أخيرا بعد إلحاح منه على تحديد موعد للزواج. واستعانت مارثا بعمتها ليلي، الممثلة المسرحية السابقة، لتدريس الموسيقى والتمثيل في المدرسة، على الرغم من التوتر بين الاثنتين بسبب شكوى ليلي الدائمة.
تشعر الصديقتان بسعادة حقيقية عندما تكتشفان أن مدرستهما الصغيرة ذات العشرين طالبة، حققت بعض الأرباح الصغيرة للمرة الأولى. لكن ما عكر صفو الحياة في المدرسة، ماري وهي طالبة في الثانية عشرة من عمرها، بسبب ميولها الخبيثة وتصرفاتها العدوانية بشكل استثنائي، إذ كانت تضايق الطالبات وتحاول جهدها خرق أنظمة المدرسة، دون أن تحقق العقوبات التي تفرض عليها، أي نتائج حتى أنها حصلت بطريقة ما على رواية إباحية، واستمتعت بقراءتها مع بعض الطالبات. فقدت ماري والديها، وأصبحت تحت وصاية جدتها الثرية، وهي في الوقت نفسه عمة الطبيب جو. وتكتشف الطالبة ماري أن زميلتها روزالي، سرقت حلي إحدى الطالبات، فهددتها بإبلاغ المدرستين عنها وكذلك الشرطة، ما أثار الرعب في قلب روزالي وجعلها تحت سيطرة ماري الكاملة. تؤنب ليلي مارثا لتكريسها كل وقتها للعمل في المدرسة ولصديقتها كارين بشكل غير طبيعي، بدلا من العثور على زوج، وتثير مارثا حفيظة ليلي أكثر عندما تقول إنها تكون غاضبة كلما يأتي الطبيب جو لزيارة خطيبته كارين. ويزداد غضب مارثا إلى درجة انها تطرد ليلي من المدرسة. وتسمع طالبتان كل هذا وتقومان بنقل الحديث إلى زميلتهما الشريرة ماري التي تحاول بدورها مراقبة المدرستين ليلا.
تخالف ماري أنظمة المدرسة بشكل وقح، فتتعرض إلى عقوبة شديدة، حيث يتم إرسالها إلى منزل جدتها، وهذا ما تريده ماري كي تأخذ حريتها في التصرف على هواها في المنزل. لكن الجدة تقرر إعادة الصغيرة إلى المدرسة، ما أثار حفيظتها، فتفكر سريعا بوسيلة لتجنب العودة وتقول لجدتها، إن أمورا مريبة تحدث في المدرسة بسبب تصرفات غير طبيعية للمدرستين. وعندما تبين الجدة أنها لا تفهم ما تعنيه، تهمس ماري في أذن جدتها، ما يثير هلعها، فتأمر ماري بعدم العودة إلى المدرسة وبذلك تحقق ماري هدفها.
قصة الفيلم مأخوذة من مسرحية شهيرة نشرت عام 1934 ومثلت بداية شهرة الكاتبة المسرحية الأمريكية ليليان هيلمان، التي استمرت في إنتاجها الأدبي لتصبح الكاتبة الأشهر في بلادها. كان كل من اشترك في الفيلم في قمة عطائه الفني، وأول من يستحق الثناء كان المخرج وليام وايلر، حيث كان الفيلم في حيوية دائمة، فلم يشعر المشاهد بلحظة واحدة من الملل، وكان تطور أحداث الفيلم ممتعا.
تصل حالة الرعب لدى الجدة إلى درجة أنها تتصل فورا بأولياء أمور بقية الطالبات مخبرة أياهم بما همست به ماري، وإذا بهؤلاء يسحبون بناتهم من المدرسة خلال ساعات قليلة، دون إبداء السبب للمدرستين اللتين كانتا في حيرة تامة. لكن ضغط كارين الملح على أحد الآباء يقع قوله عليها وقع الصاعقة، أذ أبلغها أن جدة ماري أبلغت الجميع بوجود علاقة جنسية بينها وبين مارثا، فخشي أولياء الأمور تأثير ذلك في بناتهم. وسرعان ما تذهب كارين ومارثا إلى منزل جدة الطالبة ماري، حيث يجدان جو، الذي لا يعرف ماذا يجري. وتتهم كارين الجدة باختلاق العلاقة الجنسية المزعومة، وأن هذا ليس سوى كذبة شنيعة، وتستنتج أن المصدر الحقيقي لكل هذا هو ماري، فتطالب بمواجهتها. لكن ماري أكدت بكل وقاحة ما سبق أن قالته، ومع ذلك تنجح مارثا وكارين في دحض أقوالها بسهولة بسبب نقاط ضعف واضحة فيها، ولذلك، تستعين ماري بالطالبة روزالي، الواقعة تحت سيطرتها، والتي تؤكد أقوالها خوفا منها. ونتيجة لذلك تقوم المدرستان برفع قضية على الجدة لإظهار الحقيقة، لكن دون نجاح حيث خسرتا القضية، ما حطم معنوياتهما ومركزهما الاجتماعي. ونتيجة لذلك، انعزلتا في المدرسة الخالية من الطالبات فكلما حاولتا الخروج تعرضتا لسخرية الناس بشكل وقح.

تطلب كارين من خطيبها جو أن يتركها، على الرغم من اعتراضه، وفي نهاية المطاف يستجيب لرغبتها ويغادر، ولا تستطيع مارثا تصديق كل ما يحدث، حيث انهار كل ما حولها وسعت من أجله، فقد انتهى عملها، أما حياتها الاجتماعية، التي اقتصرت على كارين، فقد تعرضت للضرر البالغ خسارة كارين لعملها وسمعتها وخطيبها. ولم ينته الأمر هنا، حيث زيارة غير متوقعة من قبل جدة الطالبة ماري أثارت دهشة المدرستين حيث أبلغتهما باكتشافها الحقيقة وبراءتهما من كل الاتهامات، وأنها أبلغت المحكمة بالحقيقة، وسوف تنشر اعتذارا كاملا وأبدت استعدادها لتقديم أي تعويض، إلا أن المدرستين تطردانها بسبب الآلام النفسية التي عانتا منها. وتصاب مارثا بانهيار عصبي وتبكي بشكل هستيري في حيرة من أمرها غير مصدقة ما يجري حولها. وتقول لكارين إن ما أعتقده الجميع قد يكون صحيحا، وإنها ربما تكن مشاعر من هذا النوع تجاهها دون علمها قبل حدوث هذه الأزمة. وتلاحظ كارين انهيار مارثا وعدم قدرتها على التفكير بوضوح، لكن محاولاتها لتهدئتها تفشل تماما، إذ تنتحر مارثا بشنق نفسها. ويحضر أولياء أمور الطالبات جنازة مارثا، لكن كارين تتجاهلهم كليا وتغادر المقبرة.
تحليل الفيلم
قصة الفيلم مأخوذة من مسرحية شهيرة نشرت عام 1934 ومثلت بداية شهرة الكاتبة المسرحية الأمريكية ليليان هيلمان، التي استمرت في إنتاجها الأدبي لتصبح الكاتبة الأشهر في بلادها. كان كل من اشترك في الفيلم في قمة عطائه الفني، وأول من يستحق الثناء كان المخرج وليام وايلر، حيث كان الفيلم في حيوية دائمة، فلم يشعر المشاهد بلحظة واحدة من الملل، وكان تطور أحداث الفيلم ممتعا. وكان اعتماد المخرج على التركيز على وجوه الممثلين لإظهار التعبير اللازم وسيلة بارعة لزيادة تأثير المشهد، وهذا ما برعت فيه شيرلي ماكلين التي كانت الأفضل في إبراز مشاعرها من خلال تعابير وجهها، وقدمت أفضل دور لها في مسيرتها الطويلة. وكانت مفاجأة الفيلم التمثيل البارع للطفلتين كارين بالكين (في دور ماري) وفيرونيكا كارترايت (في دور روزالي) وقد استمرت الأخيرة في التمثيل لتصبح ممثلة بريطانية شهيرة. أما أودري هيبورن، التي لم تتكلم بلهجة أمريكية في الفيلم، فكانت بارعة في تمثيل المرأة التي لا تعرف كيف تنقذ نفسها من المحنة بشخصيتها الرقيقة التي طالما ميزتها عن بقية الممثلات. وكان جيمس غارنر رائعا في دور الطبيب الخطيب، لاسيما بشخصيته الساخرة والمحبوبة التي جعلته أحد أشهر الممثلين في الولايات المتحدة.
كان لدقة التمثيل والإخراج الفضل الأكبر في إخفاء نقاط الضعف الكثيرة في القصة، ما جعل المشاهد يعتقد أنه يشاهد حبكة متقنة، في الوقت الذي كان الكثير من أحداث الفيلم في الحقيقة غير منطقية وافتقدت إلى التطور الانسيابي، فبداية لا يعرف المشاهد بالضبط ما همست به الطالبة ماريا لجدتها، والذي جعلها متأكدة من وجود علاقة جنسية بين مارثا وكارين، وكان على المؤلفة توضيح ذلك بدلا من جعل المشاهد، يستنتج بطريقته الخاصة. وكان من المفروض في هذه الحالة أن تتأكد الجدة من صحة الأمر، لاسيما أن المصدر الوحيد فتاة صغيرة عرفت بأكاذيبها، ومن الممكن طرح السؤال نفسه على بقية أولياء الأمور، الذين سحبوا بناتهم من المدرسة خلال ساعات قليلة، دون طرح سؤال واحد وهم الذين كانوا جميعا من الطبقة المتعلمة والثرية في المجتمع المحلي. ولماذا لم يبلغ أحد السلطات المختصة للقيام بالتحقيق في الأمر بشكل قانوني ومحترف كي تنكشف الحقيقة بشكل رسمي وعادل؟ وكانت هناك مشاكل أخرى في القصة، فالكاتبة حاولت تجاهل المحكمة التي سريعا ما أصدرت حكما ضد المدرستين، بينما في الواقع تكون المحاكم في هذه الحالة إلى جانبهما لعدم صحة التهمة، وكون المصدر الوحيد طفلة خبيثة وحقودة معروفة. وبالنسبة لكارين، فقد كان إنهاء علاقتها بخطيبها غير معقول، إذ كان الرجل خير داعم لها طوال المحنة، وعرض عليها الزواج فورا ومغادرة المنطقة مع مارثا وتأسيس حياة جديدة لكل منهم.

شيرلي ماكلين (يسار) وأودري هيبورن
كانت عودة الجدة واعتذارها واستعدادها لتقديم أي تعويض لهما، ما يعرضها إلى ضربة لمركزها الاجتماعي ومساءلة قانونية وغرامات مالية جسيمة وتعريض مستقبل حفيدتها إلى الضرر، جديرة بإنهاء المشكلة برمتها واستعادة المدرستين كل ما فقدتاه وأكثر وانتقامهما منها ومن المجتمع المحلي برمته، لكنهما ترفضان حتى الاستماع إليها وتطردانها، وليس هذه تصرفا منطقيا.
ركز جميع المعلقين على المشاعر الجنسية لمارثا تجاه كارين، وأن ذلك كان سبب توطيد صداقتها بها. لكن متابعة أحداث الفيلم بدقة تعطي الانطباع بأن تفسيرا مختلفا قد يكون أكثر واقعية، فإذا تمعنا في شخصية مارثا في الفيلم جيدا، نجدها أقرب إلى الفتاة الفاشلة اجتماعيا التي لا تستطيع التعامل مع من حولها، وتنعزل عن المجتمع ما جعل كارين مهمة جدا بالنسبة لها، لكونها الاتصال الاجتماعي الوحيد لها والضامنة الوحيدة لبقاء عملها. وبالتالي، فإن كارين بالغة الأهمية لمارثا اجتماعيا ومهنيا، وعاملا أساسيا في استقرار حياتها الهشة، ولذلك ربما كان هذا السبب الأرجح لانزعاج مارثا من وجود الخطيب جو، إذ أن ذلك كان من الممكن أن يثير الفوضى في حياتها المهنية والاجتماعية بالغة الضيق. وتقول مارثا في لحظة انهيارها في الفيلم إنها اكتشفت بعد حدوث هذه الأزمة أن مشاعرها تجاه كارين ربما تكون جنسية، أي أنها لم تدرك هذا الأمر قبل ذلك. لكن الصديقتين ليستا مراهقتين، بل هما امرأتان متعلمتان تتمتعان بخبرة كافية في الحياة. ويعطي هذا الانطباع، أن انهيار مارثا النفسي وادعاء الجميع حول مشاعرها ربما جعلها تؤمن بأن مشاعرها قد تكون جنسية كما يدعون، أي أن تفسيرها لمشاعرها ربما كان من وحي خيالها المضطرب في تلك اللحظة نتيجة للضغط الهائل الذي تعرضت له. ويعرف علماء النفس هذه الظاهرة جيدا، فإذا أحاط رجال الشرطة بشخص بريء في غرفة التحقيق وضغطوا عليه بشكل متواصل، سيزيد هذا من احتمال ظن المتهم نفسه أنه مذنب فعلا، على الرغم من كونه غير مذنب. وأخيرا كان انتحار مارثا شنقا بطريقة معقدة نسبيا غير مقنع، لاسيما أنه كان نتيجة فكرة سيطرت عليها فجأة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن انتحارها في المسرحية الأصلية كان بسلاح ناري.
وفي الواقع أن الانتحار شنقا أو بالسلاح الناري، نادر بين النساء حيث أن الوسيلة المفضلة لديهن هي السم أو القفز من مكان مرتفع. وإذا أرادت المؤلفة أن تجعل نهاية مارثا مؤثرة فعلا، كان عليها ان تجعلها تقفز من أعلى مبنى المدرسة وعلى مرأى من أولياء أمور الطالبات والناس كرمز لاحتجاجها ضد هذا المجتمع القاسي الذي حطمها.
الخلفية التاريخية
كانت أحداث المسرحية، التي اقتبست منها أحداث الفيلم، مأخوذة من حادثة حقيقية وقعت في مدينة أدنبرة الأسكتلندية عام 1810 حيث ادعت إحدى الطالبات في مدرسة داخلية، أن مدرستين كانتا تمارسان الجنس أمام الطالبات، ما جعل جدة الطالبة تتهم المدرستين علنا بذلك. وقامت المدرستان برفع قضية على الجدة استغرقت عشر سنوات حتى انتصرتا في نهاية المطاف وحصلتا على تعويض سخي وبراءة كاملة. وكان من الممكن كتابة مسرحية ممتعة جدا عن الحادثة الأصلية، دون الخروج عن الواقع، حيث إن تفاصيل تلك الحادثة كانت مثيرة جدا للاهتمام وأكثر إمتاعا من أحداث الفيلم.
في نهاية المطاف فإننا للأسف لا نستطيع مناقشة أحداث الفيلم مع المؤلفة ليليان هيلمان لأنها توفيت عام 1984 عندما كانت في خضم معركة قضائية شغلت الأوساط الأدبية العالمية آنذاك، حيث رفعت الكاتبة الشهيرة قضية ضد كاتبة أخرى ادعت على شاشة التلفزيون بأن كل ما كتبته ليليان هيلمان في كتبها عن حياتها كان كذبا. وانتهى الأمر عندما قام ورثة الكاتبة بسحب الدعوى بعد وفاتها.
باحث ومؤرخ من العراق

شيرلي ماكلين (يمين) وجيمس غارنر وأودري هيبورن