فيلم سعودي لن يعرض في صالات سينما سعودية: ‘وجدة’ لهيفاء المنصور فتح دفاتر الأسى النسائي

حجم الخط
0

بيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: كعادته تابع مهرجان أيام بيروت السينمائية الذي يعقد كل سنتين الإحتفاء بالسينما العربية. وفي دورته هذه كان المحتفى به مولوداً قادماً من السعودية بعنوان ‘وجدة’. فيلم للمخرجة هيفاء المنصور صورته في الرياض، ومولته شركة روتانا بكلفة بلغت حوالي أربعة ملايين دولار. هو شريط يمتد لمدى 97 دقيقة تمر كومضة عين لشدة الدعابة، وروح المرح الممزوجة بالمرارة، التي تحلت بها شخصية بطلة الفيلم. إنها الطفلة صاحبة ال11 ربيعاً وعد محمد. وعد التي حملت اسم وجدة كانت الشخصية التي أرادت من خلالها المخرجة قول ما تريده من تمرد ناعم على رزمة ممنوعات تحيط بالمرأة السعودية، وعلى رزمة قيود تجعل من حياتها رهينة لإرادة غير إرادتها.في اختصار للسيناريو فمحوره وجدة الطفلة الشقية الذكية التي تطمح لإقتناء ‘سيكل’ دراجة نارية تقول لوالدتها ‘أبغي أسابق عبدالله’. وطبعاً تخبرها الأم إن ‘السيكل’ يفقد البنات شرفهن وتضيف إلى ذلك أنهن يعجزن بعد ذلك من الإنجاب. تستعمل وجدة كل خيالها وذكائها في سبيل الحصول على ثمن ‘السيكل’. وفي السياق هي ترتاد المدرسة وتتفاعل مع مجتمعها الصغير إنما على طريقتها. كذلك تتفاعل مع والدتها التي عجزت من إنجاب سواها. تشارك في مسابقة لتجويد القرآن جائزتها ألف ريال بهدف شراء ‘السيكل’. تفوز وعندما تسألها المديرة ماذا تبغين من المبلغ المالي: أشتري ‘سيكل’. نعم: أشتري ‘سيكل’. كررت. ساد الصمت في القاعة. وأخيراً قالت المديرة أليس من الأفضل التبرع بالمبلغ لفلسطين مثلاً؟ تحطم حلم وجدة ولم تنكسر. وفي ليلة زواج والدها ثانية بهدف إنجاب ولد اشترت لها والدتها ‘السيكل’. تسابقت مع عبد الله وتفوقت عليه وفي شوارع الحي الذي تسكنه. وصلت إلى الشارع الرئيسي ووقفت تنظر السيارات التي تمر مسرعة وهي تحدق في مدى الصحراء الرحب.بكل نعومة ورقة قالت هيفاء المنصور كلمتها. هي المرأة التي يغلفها الخجل في الحياة فتحت بمرارة دفاتر الأسى النسائي وهي كثيرة. كشفت ما تعانيه النساء في حياتهن وعملهن وأفكارهن من قمع وكبت وخضوع لمجتمع محافظ فوق العادة. قالت هيفاء الكثير دون أن تعلن التحدي، ودون أن تشهر سيف الحرب المفتوحة. فهي قالت في تقديمها لفيلمها: لم أرد التحدي في بلد محافظ كما السعودية.. هو فيلم حميم بعيد عن السياسة.. فيلم عن الناس.فعلاً هو ما شاهدناه على الشاشة فيلم لصيق بقوة بحياة الناس، يومياتهم، هواجسهم، قهرهم وأحلامهم. هم في غالبيتهم نساء، وأوسع حضور للرجل كان للطفل عبدالله الذي أبدى تعاطفاً ومساندة كبرى لابنة الحي وجدة. مساندة عبدالله لوجدة وقبوله بأن يسابقها هو إعلان عن الوجه المستقبلي للرجل المطلوب حضوره في حياة المرأة السعودية. هو عبدالله الذي يقف بمواجهة وجدة نداً للند مع قدر قليل جداً من الفوقية الذكورية التي شربها مع الحليب. وفيما ترصد المخرجة ذاك الحزن المقيم داخل المرأة السعودية من خلال وجدة ووالدتها التي تحظى بزيارة زوجها لها كل أسبوعين أو ثلاثة. هما امرأتان محاصرتان كلياً، وبخلاف ذاك التمرد الذي تمارسه وجدة في غفلة من أمها لكانت الحياة رتيبة. حتى تلك الأم المهددة بالضرة على الدوام تخضع لحكم السائق الذي ينقلها ويعيدها من العمل. أما صورة القمع النسائي إن لم نقل الإرهاب فيأتي من جانب المرأة نفسها. وهو متمثل بطاقم المدرسة بدءاً من المديرة وصولاً إلى المدرسات. فمعهن صار صوت المرأة عورة ‘صوت المرأة ما لازم يسمعوا الرجال يا بنات’. هو إرهاب لم يتمكن من اختراق تمرد وجدة على السائد، ولم يمنع من تفقدها ‘للسيكل’ الذي تشتهيه في المتجر في كل مرة تعود فيها من المدرسة. كما لم يمنعها من اقتحام شجرة العائلة التي يظهر فيها اسم والدها مجرداً من الذرية، فزرعت اسم وجد في وسطه.’وجدة’ فيلم مشغول بنبض مرهف جداً، وبتحدي غير معلن. يقول الأشياء مباشرة ودون أن يخدش حياء أو يحطم محرم. ربما هي لغة الناس. لغة الحوار بين شريحة كبيرة من البشر وتحديداً النساء. يمكن وصف الفيلم بالطريف، المعجون بالمواقف الكوميدية المرة التي تصدر غالباً عن وجدة. بالمختصر المفيد هو فيلم يثير الإعجاب، والسبب أنه وصلنا من السعودية. فلن تكون ‘السيكل’ مثلاً طموحاً تسعى إليه طفلة لبنانية. في بلد ليس فيه صالة سينما عامة من الطبيعي الاحتفاء بفيلم جميل ومشغول كما وجدة. فيلم تسيطر عليه روح الانتصار، وتسري في عروقه البهجة بالحياة رغم كل المحيط الكئيب والمحبط. فيلم قال بأن طفلة سعودية هي وعد محمد ستكون مشروع نجمة مستقبلية على صعيد التمثيل لشدة ما تحلت به من تلقائية وانسياب وخفة ظل. من جهة أخرى يطرح وجدة الكثير من الأسئلة في طليعتها إن كان يشكل بداية للتعبير السعودي عن ضيق اجتماعي وعبر الفن السابع؟ فلم يكن متاحاً أن يحصل الفيلم على إجازة قبول السيناريو وبالتالي التصوير في الرياض بدون غطاء من جهة ما. لا شك بأن الفيلم يحظى بدعم ومباركة ليقول ما قاله. وهنا السؤال عن دعم روتانا والوليد بن طلال لهذا الفيلم؟ وجدة لن يعرض في صالة سينما سعودية. هو يجول في العالم وعرض في عدة مهرجانات ونال جوائز. كذلك يعرض في عدة عواصم عالمية منها باريس ويحظى بمشاهدة عالية. وقريباً وبعد أن يأخذ الفيلم مداه النهائي في صالات العرض سيكون طبعاً على شاشة روتانا سينما، وسيشاهده العدد الأكبر من السعوديين ومن السعوديات تحديداً. وجدة الطفلة هي رمز لكل طفلة وامرأة سعودية أو حتى عربية تعيش ذاك التميز المحبط بين ولد وبنت، وتلك القيود التي تسجن المرأة. وجدة سيدخل تاريخ السينما السعودية، بل هو اللبنة الأولى فيها، ومعه ستنطلق المطالبة بالحقوق الطبيعية والبديهية للنساء. فهل سيكون الخرق ممكناً؟ يبدو أن الإجازة لوجدة بأن يحمل اسم السينما السعودية تكمن خلفه رغبات من بعض الذكور المؤثرين تقول للمرأة عليك بالانطلاق. هيفاء المنصور أخرجت ‘وجدة’ وهي في سيارة مقفلة تراقب بالمونيتور، أدارت العملية باللاسيلكي. فهل ستخرج من حصار السيارة في فيلمها المقبل؟qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية