فيلم «طِرْس ـ رحلة العودة إلى المرئي»: للوجه الواحد مساحة لا تتعدى مقدّمة الإصبع

حجم الخط
0

لم أعد أذكر متى جُمعت صور المخطوفين جميعهم في ذلك الملصق. الأرجح أن ما قُصد به آنذاك هو إظهار أنهم كثيرون، وأننا، بسبب هذه الكثرة، ينبغي أن نرفع مأساتهم إلى مصاف أن تكون قضية وطنية جامعة. بدوا في الملصق متجاورين، متكررين في المستطيلات الصغيرة التي تحتلها صورهم المتشابهة، أو التي صارت متشابهة، كأن مصورا واحدا التقطها، وذلك من ضمن الإجراءات السريعة التي سيتلوها اختفاؤهم. ولكي ننظر إلى الملصق من المسافة ذاتها التي يقتضها الوقوف أمام الملصقات في العادة، سيكون من الصعب رؤية وجه واحد يُصطفى من بين تلك الوجوه. ينبغي لذلك أن نقترب أكثر لتصير مرئية الصورة الصغيرة، التي لا يزيد ما أعطي لها عن ثلاثة سنتمترات مربعة. لكننا، مع ذلك، نعرف أن ما يجب النظر إليه هو الجمع، الكثرة، وتشابه المتجاورين واشتراكهم في تقديم لوحة الاختفاء تلك. غسان حلواني يقول، إن الواحد منهم لم يعد نفسه، بات تلك المساحة التي أعطيت له، المساحة الصغيرة التي لا تزيد عن مقدمة إصبع. وإذ جاء المخرج حلواني إلى اصطفاء واحد من تلك الوجوه عمد من طريق اللعب بالمساحات إلى إظهار المفارقة التي قد تتأتى عن عزل الواحد عن الكل. اللقطة التي أخذت من علٍ بيّنت، بعد أن جرى نزعها بالمشرط الدقيق من المطرح الذي كانت فيه، كم هي صغيرة تلك الصورة على الطاولة الواسعة، صغيرة إلى حدّ أن تكون أقرب إلى نكتة أو فكرة ساخرة.
الوجه الذي يبحث عنه المخرج، وجه الشخص الفرد، ضيّعته الوجوه التي اصطفت حوله من كل اتجاه. لن يحظى المخرج باستحضاره كاملا تاما. وهذا، على أي حال، ما لن يتاح له حتى إن رآه، أو رأى شبيهه، سائرا في الطريق. لقد جرّب ذلك مرّة، وذلك حين رأى أن شبيه مَن كان يعرفه فقد الكثير من ملامحه. الذاكرة نفسها تجنح إلى التشويش هنا، أو أن الضياع يقاوِم، حتى هنا، لاعبا بالوجوه ومبدلا سحناتها.


الصور القديمة الملصقة على حيطان المدينة تخفي الوجوه ناقصة هي أيضا. كان ينبغي إيجاد هذه الوجوه أولا، بواسطة المشرط المنغرز بين طبقات الطلاء والعفن والصور الإعلانية المتراكبة بتراكم السنين عليها، بعضها فوق بعض. والمشرط، ومعه الملقط المعدني، ساعدا في الرجوع إلى ذلك الزمن، إلى صور ضحاياه القابعين هناك في الطبقة الأسفل مما غطى الجدران، حتى لكأن اختفاء هؤلاء يجسد أول المدينة أو أول تاريخها.

يدحض ذلك السكونَ الغامض الكلامُ الجاري بين متحاورين عن جريمة حدثت في ذلك المكان الخالي، والنموذجي حسب المتكلميْن، أن تحدث فيه جريمة.

بادئا فيلمه عن الزوال يوقف حلواني مشاهدي فيلمه أمام ذلك المشهد الذي يستمر على الشاشة ثابتا، حتى ليظن هؤلاء أن هناك عطلا ما في حجرة الآلات. يدحض ذلك السكونَ الغامض الكلامُ الجاري بين متحاورين عن جريمة حدثت في ذلك المكان الخالي، والنموذجي حسب المتكلميْن، أن تحدث فيه جريمة. كانت قد مرت سنوات على حصول تلك الجريمة، لكن المكان، رغم خلائه وصمته، لن يبرأ منها. ونحن، الجالسين في مواجهة المشهد الثابت ثبات لوحة بشعة، نحاول أن نخرج بالمكان عن عاديته البائسة. ولن نستطيع ذلك على الأغلب. لن تساعد الكلمات القليلة الباقية على حائط مقابل في تحريك تلك الصورة الثابتة، ونحن سنظل نتساءل ماذا علينا أن نفعل إزاء ما نشاهد.
لكون أبيه واحدا من أولئك الذين جمعهم ذلك الملصق المذكور عنه أعلاه، يلاحق غسان حلواني، منذ طفولته الأولى، أفكار الغياب والاختفاء. في فيلمه لم يكتف بفكرة مبدعة واحدة، مثل تلك التي قرأناها، عن الغياب أيضا، في رواية ميلان كونديرا «كتاب الضحك والنسيان» حيث تبرَع موظفة الملهى الليلي في إقناع الزبائن الرجال بأنها تحسن الإصغاء إليهم فيما هي تنحت، بالتخيّل، الوجه الذي أمامها ليصير وجه زوجها الذي تركته هناك في تشيكوسلوفاكيا. هنا، مع فيلم حلواني، تتتالى الأفكار مقّلبة الغياب من كل وجوه مأساته أو يتصل به. وهو جعلنا نرى ما يبعث على دهشة العقل، إذ أرانا كيف أن الرجل المخفيّ، الغائب المخطوف، متراوح بين الموت المحتمل والخلود الذي تفضي إليه استحالة التحقق من موته. على سجل القيد العائلي بدا عدنان حلواني، والد المخرج، الوحيد الباقي، خالدا في ذلك السطر الذي بقي فيه كما هو، بينما خطوط شاطبة أزالت سطور عائلته عن ذاك السجل.
هي أفكار ظلّ العمر والتساؤل المستمر ينضجها. وكان ينبغي لها أن تقال كما هي، حتى إن كانت مسطّرة بنص مكتوب تتالت فقراته أو جمله على مدار الفيلم.
*عُرض فيلم غسان حلواني «طِرْس- رحلة العودة إلى المرئي» في صالة سينما متروبوليس صوفيل مفتتحا «مهرجان الأفلام حول حقوق الإنسان والهجرة» في 13 يونيو/حزيران الجاري.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية