على الرغم من أن فيلم «غريزة أساسية» Basic Instinct عرض عام 1992، فإن هواة السينما ونقادها ما يزالون يتكلمون عنه كفيلم شكّل نقطة تحول في تاريخ السينما الأمريكية. وكان هذا الفيلم سبب تحول الممثلة شارون ستون إلى ممثلة شهيرة، وكان أحد أبرز أفلام الممثل مايكل دوغلاس. وعلى الرغم من أنه أصبح شهيرا قبل هذا الفيلم، فإن النقاد يتذكرون شارون ستون عندما يكتبون عن هذا الفيلم، لاسيما في مشهد التحقيق معها في مركز الشرطة.
أحداث الفيلم
يبدأ الفيلم بمشهد جنسي بين فتاة شابة ومغن شهير سابق في منزله، إلا أن الأمر لم ينته بخير، إذ تطعنه الشابة بأداة لكسر الثلج أكثر من ثلاثين مرة قبل أن تغادر المكان. وتكتشف الخادمة الجثة المتمزقة في صباح اليوم التالي، فتتصل بالشرطة التي أرسلت فريقا للتحقيق فورا. وتكون فريق الشرطة من عدة ضباط وكان أحدهم «نك كَران» (مايكل دوغلاس) الذي كان قد أخلي لتوه من مسؤولية قتل شخصين. وتشتبه الشرطة بعشيقة القتيل «كاثرين تراميل» (شارون ستون)، فيذهب «كَران» مع زميله للتحقيق معها. ويكتشف الاثنان أن العشيقة المشتبه فيها جميلة وبالغة التعليم وواسعة الثراء، كما أنها على علاقة جنسية بامرأة تشبهها بشكل عام. وتنفي «كاثرين» أي علاقة لها بجريمة القتل إلا أن الشرطة لم تقتنع، فتجلبها إلى مركز الشرطة، وإذا بها تقوم بعمل فاضح هناك أثار ارتباك المحققين، كما أنها تبين معرفة جيدة بالضابط «كَران» وتاريخه، على الرغم من أنهما لم يلتقيا سابقا ما أثار دهشته وفضوله، وتحوم شكوكه حول أحد كبار الضباط، حيث ظن أنه استلم رشوة منها مقابل تزويدها بمعلومات عنه. وتكتشف الشرطة أن العشيقة المتهمة كاتبة، وقد كتبت رواية عن امرأة تقتل مغنيا شهيرا بتفاصيل مشابهة لحادثة القتل. وتعلل العشيقة المشتبه فيها اهتمامها به، بأنها في صدد كتابة رواية عن ضابط شرطة، وأن الشخصية الرئيسية ستكون مأخوذة من شخصيته الحقيقية. وسرعان ما تبدأ علاقة جنسية بين الاثنين. ويزداد الأمر تعقيدا، حيث تحاول عشيقة الكاتبة قتل الضابط، إلا أنها تُقتل أثناء المحاولة. ويكتشف الضابط أن خبيرة الشرطة النفسية، التي استجوبته أثناء التحقيق في قتل الشخصين كانت من زميلات الكاتبة في الجامعة، وعلى علاقة غرامية سابقة بها، ما جعلها أيضا أحد المشتبه فيهم. ويزداد عدد القتلى حيث تُقتَل عشيقة الكاتبة أثناء محاولتها قتل الضابط «نك» كما يُقتل زميله على يد مجهول بأداة لكسر الثلج. ويظن الضابط أن القاتل هو الخبيرة النفسية، ويطلق عليها النار عندما يظن أنها على وشك قيامها بعمل مماثل. وفي نهاية المطاف يلتقي بالكاتبة «كاثرين» في منزله وأثناء وجودهما في الفراش تنظر «كاثرين» نحو أداة كسر الثلج، حيث كانت قد أعدتها لقتل الضابط، إلا أنها لا تفعل ذلك. وينتهي الفيلم بهذا المشهد.
تحليل الفيلم

أول ما يلاحظ في فيلم «غريزة أساسية» براعة المخرج، حيث نجح في جذب اهتمام المشاهد منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية، وكان اعتماده على المشاهد الإباحية والعنف واضحا. أما الممثلون، فقد أجاد الجميع عملهم، لاسيما شارون ستون، التي تقزم أمامها مايكل دوغلاس، حيث لم يبدُ كضابط شرطة واقعي أو كزير نساء بأي شكل كان، بينما نجد الشخصيات النسائية في الفيلم يعجبن به معرضين مستقبلهم المهني للخطر، مثل المختصة بعلم النفس لدى الشرطة. ولكن كونه النجم الشهير في الفيلم ضمن له استلام أربعة عشر مليون دولار لظهوره في الفيلم، بينما أستلمت «شارون ستون» نصف مليون دولار. والغريب في الأمر أن مايكل دوغلاس كان قد سبق، ومثل في فيلم شهير قبل ذلك وتناول فكرة مشابهة نوعا ما، وهو فيلم «الانجذاب القاتل» Fatal Attraction. ولعل هذا كان أحد أسباب اختياره لهذا الفيلم. أما شارون ستون، فيذكر المؤرخون أنها اختيرت بعد أن رفضت كل الممثلات الشهيرات الظهور في هذا الفيلم. ولكن المخرج كان يعرف الممثلة جيدا، لأنه استعان بها في دور ثانوي في الفيلم الشهير «الذاكرة الكاملة» Total Recall، الذي مثل الدور الرئيسي فيه أرنولد شوارزينغر.
كانت أولى مشاكل الفيلم قصته المليئة بالعيوب المنطقية، فمثلا لا تحاول الشرطة العثور على بصمات أو أثر للحمض النووي (DNA) لاسيما ان الفتاة القاتلة لا شك قد تركت الكثير من ذلك في مسرح الجريمة، وأن «كاثرين» (شارون ستون) كانت قد أرتبطت بعدة حوادث قتل شنيعة دون أن تدان. وأما الإشارات الواضحة التي وضعها المخرج في الفيلم لخداع المشاهد، فكانت واضحة للعيان، بل إن محاولة التركيز على عشيقة «كاثرين» كانت خدعة واضحة وإنها ليست القاتلة. ولكن هذا لا يهم صانعي الفيلم لأنهم يعلمون جيدا أن المشاهد يدخل في عالم الفيلم بكل معايره ناسيا الواقع، ما يجعله يتقبل كل ما يعرضه الفيلم.

استعمل المخرج المشاهد الإباحية كوسيلة مهمة لجذب المشاهد وجعله لا يلاحظ عيوب القصة. وأثبتت هذه الوسيلة فعاليتها بالنجاح التجاري الكبير للفيلم. ويعد المشهد الأكثر شهرة في الفيلم ذلك الذي ظهرت في «كاثرين» وهي تتعرض للتحقيق على يد المحققين والمدعي العام، حيث تقوم بعمل إباحي أثار ضجة في أوساط النقاد والمشاهدين على حد سواء. وبعد أن عزز هذا المشهد شهرة شارون ستون، حاولت التبرؤ منه، مقدمة تعليلا غير معقول متهمة المخرج بخداعها أثناء تصوير ذلك المشهد. ولكن هناك ما يعطي الانطباع بأن ادعاءها ربما لم يكن صحيحا، لأن العقد المبرم بين شركة السينما والممثل أو الممثلة، ينص بتفصيل دقيق كل ما على الممثل عمله. ومن الأشياء الغريبة بالنسبة لفيلم «غريزة أساسية» أن منظمات حماية حقوق المثليين احتجت على كون المثليات جنسيا العنصر الإجرامي في الفيلم، وقد اشترك في هذه الأحتجاجات مؤلف قصة الفيلم نفسه، الذي كان قد باع القصة لشركة السينما بثلاثة ملايين دولار، ما زاد من الدعاية للفيلم. ولكن هذا الجانب كان أكثر عمقا من ذلك، حيث استعمل المخرج المشاهد المثلية للشخصيات النسائية كعامل جنسي لجذب المشاهدين.
أطلق مؤلف قصة الفيلم اسم «الغريزة الأساسية» على الفيلم، مشيرا إلى أن الإنسان يتصرف على أساس رغباته الأساسية لاسيما الجنس والعنف وأعطانا الشخصيتين الرئيسيتين كمثال. ولكن ضابط الشرطة «نك» والمتهمة «كاثرين» كانا أقرب إلى المضطربين عقليا بشكل مرضي، منهما إلى شخصين عاديين تحت سيطرة غرائزهما الأساسية، فالإنسان في الواقع وبشكل عام ليس بهذا الضعف.
يمثل الجنس والعنف عاملان تستعملهما السينما لجذب المشاهد، إذ أنه يستمتع بالمشاهدة، لاسيما أنه لن يتعرض لأي مخاطرة، حيث إنه ليس الرجل الذي تقتله الشخصية النسائية شارون ستون، ولن يتحمل تبعات علاقة جنسية مع قاتلة جميلة. وكذلك بالنسبة للعنف، فالمشاهد لن يعاني من عواقب العنف الذي يشاهده في الفيلم، ونزالات الملاكمة خير مثال على ذلك، بل حتى مباريات كرة القدم وغيرها من أنواع الرياضة العنيفة. وقد اعتمد بعض المخرجين بشكل رئيسي على العنف وأصبح منهم من أشهر مخرجي السينما العالمية مثل المخرج الشهير كونتن تارانتينو، الذي تتميز أفلامه بوحشية غير عادية يعتبرها البعض نوعا من الفن السينمائي.
مؤرخ وباحث من العراق