ليس هناك ما ينافس القصص التي نسردها عبر الفيلم السينمائي في إيصال ما نريده من أفكار للمتلقين بطريقة تخلو من التلقين والمباشرة كما هو الحال في الخطب والمقالات والندوات. فالسرد القصصي في البناء الفيلمي له من الخصائص الفنية ما يجعله يتمتع بقدرة كبيرة على إحداث التأثير المطلوب في المتلقي، بما يتوفر عليه من تقنيات خاصة بالفن السينمائي، لن تتحقق في بقية الفنون الأخرى التي تستند أيضا على ممكنات السرد مثل الرواية والقصة على سبيل المثال. والفيلم القصير على الرغم من أنه لا يحتل مساحة كبيرة جماهيرية مقارنة بالفيلم الروائي الطويل، إلا أنه ربما ينافسه ويزاحمه في إصراره على ان يوصل خطابه بلغة تعتمد التكثيف في جميع العناصر، كما يضع المبدع الذي يقف خلف الكاميرا أمام امتحان بغاية الصعوبة لتأكيد خصوصيته الإبداعية التي تتجسد بمقولة “خير الكلام ما قل ودل”.
سينما واعدة
فيلم “قيد الكتمان” إنتاج 2020 بدعم من راديو الغد في الموصل، كتب قصته أحمد النجم، وهو العمل الثالث للمخرج هيثم صالح، بعد فيلمين آخرين سبق ان قدمهما خلال العام الماضي، الأول بعنوان “عزل صحي” والثاني بعنوان “تطرف” وفيلمه الأخير يحمل الكثير من الإشارات التي تنبئ عن وجود موهبة سينمائية واعدة، يمكن ان يكون لها شأن في المستقبل، وقد توفرت في هذا الشريط مجمل العناصر الفنية التي ينبغي ان تكون حاضرة في صناعة الفيلم الروائي القصير، والتي يمكن اختصارها في توفر متن حكائي قائم على مشكلة محددة الملامح لعدد محدود جدا من الشخصيات ضمن وحدة زمان ومكان معينين، والأهم من ذلك القدرة على الإيجاز والتكثيف في إيصال خطاب الفيلم عبر الصورة.
خطاب الفيلم
الموضوعة الرئيسية لهذا الشريط القصير الذي لا يتجاوز الست دقائق، تتناول اشكالية العنف المسكوت عنه ضد المرأة في المجتمع العراقي، بالشكل الذي تحولت محنتها الإنسانية إلى قربان يقدم على دكّة مذبح العادات والتقاليد والأعراف تواطئا وتخاذلا وتخادما معها، حتى لا يسمح للمرأة ان تعبر عن رأيها بخياراتها، ولا تعلن صوتها الرافض إذا ما تعرضت لأي شكل من أشكال القهر في حياتها الزوجية، على اعتبار ان دورها المرسوم لها من قبل الأعراف الاجتماعية يفرض عليها ان تخضع لسلطة الزوج مهما تمادى في قسوته عليها، طالما هو الرجل وهي المرأة، فالعلاقة هنا مشروطة بإطار ثابت ومقنن أقرب إلى التقديس، ولا يجوز لها أن تتخاطاه مهما كانت ترزح تحت نمط من العلاقة التي تهين كرامتها وآدميتها.
من هنا ينطلق المتن الحكائي لفيلم “قيد الكتمان” حيث تتعرض الزوجة الشابة إلى تعنيف شديد من قبل الزوج بسبب أخطاء بسيطة ترتكبها أثناء إدارتها للمنزل لا تستوجب أي رد فعل عنيف تتعرض له من قبل الزوج. على سبيل المثال يرى شعرة في الطعام وهذا ما يدفعه إلى أن يقذف زوجته بالأكل، وفي مشهد آخر تسهو قليلا فيتضرر القميص أثناء ما كانت تكويه فيلجأ الزوج لحرق يدها عقابا على ما ارتكبته من خطأ، وعندما تستنجد بوالدها لن تجد منه موقفا داعما لها بقدر ما تسمع منه وصايا بضرورة طاعة الزوج إلى ان تفقد ما لديها من قدرة على الصبر فتقرر الانتحار.
تنوع تقنيات السرد
الفيلم من حيث الحبكة طرح فكرته ببساطة شديدة بدون تعقيد واستعراض فني وتقني مفتعل، وسرد حكايته بطريقة مكثفة بما ينسجم مع تقنيات الفيلم القصير من حيث اللجوء إلى الإيجاز في السرد، واعتماد الصورة باعتبارها وحدة أساسية في البناء الدرامي .
هناك عنصر آخر اعتمده المخرج في نسج بنية الفيلم وتماسكها تمثل بالحفاظ على نمو الايقاع وتصاعده بشكل سلس، وقد تظافرت عوامل مختلفة في ذلك منها حركة الكاميرا، التقطيع السريع، التنويع في زوايا التصوير داخل المشهد الواحد، إضافة إلى الخلفية الموسيقية التي كانت عنصرا مهما في نقل الاحساس بتوتر العلاقة بين الزوجين .
ولابد أيضا من الإشارة إلى الاهتمام بالخروج من حيز المشهد الداخلي الرئيس الذي كان يدور داخل البيت والانطلاق إلى فضاء الشارع العام، حيث مشهد الأب وهو يتولى تصليح العطل في سيارته المتوقفة على جانب طريق سريع لمرور السيارات والشاحنات الكبيرة، وهذا المشهد منح المتلقي الاحساس بالتقاطع الحاد ما بين بطء حركة الحياة داخل البيت، وبين تدفقها في الخارج، وبذلك تحقق التناقض ما بين هاتين الصورتين بما تحملانه من اختلاف في الدلالات والمحتوى والايقاع، ووظيفة هذا المشهد لم تأت فقط في مسار تقديم منظومة البيئة الاجتماعية التي تخذل الزوجة وتتسبب في استمرار معاناتها انما جاء ليكشف حقيقة هذه العلاقة ويعريها أمامنا، وليقول لنا بانها قد وصلت إلى مرحلة من العطب والعطالة مثما هي السيارة، وتحتاج إلى إعادة تقييم وتصليح وإلا لن يكون بامكانها ان تتحرك مثلما هي تبدو الحركة في الشارع سريعة ومتدفقة.
أما مشهد الختام في المقبرة فقد كان بغاية الذكاء، عندما انتهى بلقطة عامة حيث يقف الأب المنهار في منتصف الصورة، وفي العمق تمتد المقبرة لتملأ الفضاء كله، وهي إشارة إلى أن هناك الكثير من الضحايا يرقدون تحت التراب ومعهم دفنت حكاياتهم كما هي حكاية الزوجة التي تسبب العنف الزوجي في انتحارها.
فقط لدي ملاحظة تتعلق ببداية الفيلم وتحديدا بعد جملة التنويه التي وردت في تايتل البداية، إذ كان من الممكن تأخير اللقطة التي يمسك بها الأب بخصلات شعر ابنته ويقبلها وهو يبكي، إلى ما بعد ان تقص الزوجة شعرها في الحمام، والاكتفاء فقط في بداية الفيلم بالتركيز على الرسالة، حتى يبقى المتلقي مشدودا أكثر للأحداث ولا تنكشف النهاية بوقت مبكر جدا، فمن المهم ان يبقى المشاهد من حيث الحبكة مأسورا بدائرة من الغموض إلى اللقطات الأخيرة، وكما هو واضح فإن مفردة الشعر كانت أساسية في الموضوع إلى جانب الرسالة باعتبارها العنصر الأول في البناء السردي للأحداث.
الممثلون
أما عن الأداء، فأظن بان العناصر الثلاثة الأساسية المشاركة قدمت ما لديها بشكل جيد، فالتكامل بينهم كان واضحا، رغم فارق التجربة بين الممثل محمد العمر “مثل دور الأب” بما يملكه من رصيد كبير في الأداء وبين الممثلة الشابة مروة “الزوجة” والممثل الشاب سيف الدين العميري “الزوج”.
دون شك كان اختيار الممثلين من حيث الشكل موفقا جدا، وهذا يحسب للمخرج، وبشكل عام فإن ثلاثتهم كان لهم حضور مؤثر وفعال في تقديم دواخل الشخصيات، وابتعدوا في ادائهم عن المبالغة والافراط في التعبير الجسدي التي هي من أبرز الأخطاء الشائعة التي عادة ما يتسم بها الممثل العراقي.
الحرب التي عاشتها مدينة الموصل وما خلفته من تداعيات خطيرة منها ما يتعلق بدمار هائل شمل الموروث الحضاري إضافة إلى الخسائر البشرية، كان لها من الجانب الآخر دور في ظهور جيل جديد يملك أدوات تقنية جديدة في مخاطبة العالم، والملاحظ ان هناك اهتماما كبيرا من قبلهم في الفن السينمائي، ورغبة في التفاعل معه وتوظيفه في التعبير عن آمال وأوجاع مجتمعهم .
دون شك، هذا العمل يكشف عن موهبة شابة في الإخراج السينمائي، تعرف جيدا كيف تصنع فيلما روائيا قصيرا.