فيلم كينغ كونغ هل ألهم أسامة بن لادن؟

حجم الخط
0

فيلم كينغ كونغ هل ألهم أسامة بن لادن؟ محمد بنعزيز حين عرضتْ تلفزيونات العالم الطائرة تحوم حول البرج في نيويورك ثم تصطدم به… تذكرت أني رأيت هذا المشهد سابقا… وفيه طائرات تحوم حول أبراج نيويورك… تتحطم الطائرة ويبقى البرج… كان ذلك في واحد من أحب الأفلام التي شاهدتها في حياتي. كنت في السادسة عشرة حين شاهدته. طبع خيالي بلمسة فطرية لا يزال سحرها يمنحني النشوة… يبدو أن هذا التأثير مس مخططي تنظيم القاعدة فقلدوه. أكيد أن أسامة بن لادن شاهد فيلم King kong الصادر سنة 1976. كان سن بن لادن حينها 19 سنة. وهذا ما جعل غزوة نيويورك في فاتح سبتمبر 2001 إرهابا بلمسة هوليودية.

فيلم عرفني ما هو الحب والجمال. حتى القبح يحب الجمال. دل ذلك أن الحب طاقة تنبع من القلب وتتجاوز لون القشرة الخارجية… يبدأ الفيلم الذي أخرجه جون غويلرمان Guillermin برحلة بحرية للبحث عن البترول، وقد تسلل إلى السفينة باحث أنترولوجي له هدف سري… في المسار ينقذ فريق السفينة شابة على زورق تائه… تتابع السفينة رحلتها نحو جزيرة تعد بالثروة، تقع الشابة دوان في حب جاك… في الجزيرة تتعرض دوان للاختطاف من طرف قبيلة بدائية وتقدم قربانا لوحش أسطوري له هيئة غوريلا… ينظم حفل بطقوس دينية لتقديم القربان للوحش الأسطوري. يترافق ذلك مع فرح بدائي بتقديم القربان، فرح يذكرني بالهيجان الذي يرافق إدخال العريس والعروس إلى غرفة في الأعراس الشعبية بالبوادي المغربية حتى تسعينيات القرن الماضي وقد حضرت المشهد مرارا. يرقص الحاضرون في الباب في انتظار خروج السروال الملطخ بقطرة دم دليل العفة… بينما القبيلة ترقص تتألم دوان وهي تواجه الوحش الخارج من الغابة… أحببت دائما حضور لمسة أنتروبولوجية في الأفلام. هنا رحلة ذهاب وإياب بين البدائية والحضارة… كان المصريون يقدمون أجمل بناتهم قربانا للنيل كل عام ليفيض بالطمي فتخصب الأرض ويكثر الزرع… تجري التضحية بواحد لمصلحة الجماعة. التضحية بالنساء الجميلات… تقدم البنت مقيدة من يديها لعمود أفقي في استباق دال لصورة الصليب. كان القربان صلة وصل بين الإنسان والميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) في الحضارات الوثنية. وبقي كذلك في الديانات التوحيدية، كان الكنعانيون يضحون بالإبن البكر، وقد استعد إبراهيم ليضحي بابنه إسماعيل… كما في فيلم جون هستون ‘The bible’ حيث يشعل أبراهام النار في الخشب ليذبح فوقه ابنه إسحاق قربانا لله… ثم ظهر الكبش وصار القربان حيوانا… في المغرب الإسلامي صار القربان يقدم لأضرحة الأولياء الصالحين ليتوسطوا بين الله ومقدم القربان. حصل الغوريلا على القربان الجميل… وهنا يرتفع إيقاع الفيلم، نتتبع المفارقة المطلقة بين المتناهي الكبر والمتناهي الصغر. الوحش العملاق والبنت الجميلة. لكن للجمال قوته… حتى الديناصورات تريده… لذا تريد انتزاع دان من الغوريلا… بينما يحاول جاك استرجاع حبيبته… في المطاردة، نرى الديناصور والإنسان يجريان… وفي المنعطف على الحافة لا يتمكن الديناصور المندفع من الاستدارة لذا يقع في الأخدود الصخري العميق فيموت… بينما يتمكن الإنسان من الاستدارة بسهولة فينجو… وهذه واحدة من الصفات التي حمت الإنسان من الانقراض… يستطيع في اللحظة الحاسمة أن يغير الاتجاه، بفضل الغريزة أو التحليل… من لا يغير الاتجاه في اللحظة المناسبة ينقرض. في المواجهة بين الديناصور والغوريلا انحازت دوان للثاني.. لم يؤذها… بل حماها… وبذلك وحدهما الخطر المشترك… انتصر الغوريلا على الديناصور… وانتصر الإنسان على الوحش فوضعه في قفص… في سجن السفينة، أثناء رحلة العودة للحضارة، وقعت قطعة ثوب الشابة دوان على الوحش المسجون فهاج شوقه… سقطت الجميلة في يده فهدأ… وهكذا يجري التواصل في الفيلم بالحواس بشكل رائع… في نيويرك حيث تجمع الناس للتفرج على الغوريلا، تمكن من الإفلات… كان الغوريلا يسحق الهاربين تحت قوائمه… وكنت من المتفرجين الذين يحزنون لموت الممثلين… لكن لتلك الجريمة معنى… فهي دليل على قدرة البطل على حماية حبيبته… طبعا المعنى مهم في الأفلام… وهذا ما تكثفه الموسيقى الملحمية، وقد سبقت نغمة فيلم تيتانيك، موسيقى تعمق الأحاسيس وتدفع الدموع للأحداق… فيلم تتحدث فيه الصور بشكل يشد الأنفاس… يذكر ببدائية الإنسان وحنينه لها… وليس صدفة أن الغوريلا، ما أن عثر على حبيبته في نيويورك حتى صعد أعلى برج، ظنا منه أنه الجبل العالي في الجزيرة التي جاء منها… وجلس يتأمل الغروب ولون الأفق يتبدل… وفي ذلك المكان العالي صار هدفا سهلا للطائرات. حتى اللحظة لم يفقد هذا الفيلم أثره علي. تصيبني قشعريرة حين أشاهده. أقدر في الوحش الشجاعة والحب. حين يتغير موقف البطلة منه، حين يحملها في يده ويعرضها للشلال تستحم وتتلذذ… حينها يظهر كم تحتاج المرأة رجلا قويا يمنحها الأمان والثقة في لحظات الشك التي تجتاحها. ظهرت عشرات الأفلام التي تستلهم أسطورة الحسناء والوحش. لكن حسب علمي ظهر فيلم King kong للمرة الأولى في 1933، في مراهقتي شاهدت صيغة 1976، ثم أعيد إخراج القصة في 2005. بنفس النجاح. أثناء كتابة هذا المقال شاهدت فيلم 1933 متقطعا على الإنترنيت. في نسختي 1933 و2005 يقود مشروع فيلم إلى تقديم البطلة قربانا، في صيغة 1976 وهي الأفضل بالنسبة لي، يشكل البحث عن النفط دافعا لانطلاق المغامرة. جعل المخرج الدافع هو البترول، وهكذا أدخل اللحظة التاريخية في السيناريو. بعد حرب أكتوبر 1973 ووقف دول الخليج لتصدير النفط. هذه الطبعة من الفيلم هي التي شاهدتها أول مرة. وهي التي ركزت عليها في المقال. ينتهي King kong صيغة 2005 بمشهد أسطوري، حين يصل الحبيبان قمة العمارة، تحوم الطائرات حول العمارة الشاهقة… وهو مشهد يتكرر في صيغ الفيلم الثلاث. ثم يقتل الوحش المحبوب، يبقى معلقا على حافة سقف العمارة بذقنه، ثم يتزحزح ويسقط. صيغة 2005 أكثر وفاء للصيغة الأولى. الثابت هو أن ما صدقه المتفرجون في 1933 صدقوه في 2005 كذلك… وهذا يقودنا لسؤال يشغل كل سينمائي معني برواج عمله: هل يتطور ذوق الجمهور؟ ليس كثيرا، يمكن فقط تغيير العلبة التي تقدم فيها القصة، أي أسلوب وذوق التقديم. بينما وصفة القصة الشعبية تمتح من النسق الأسطوري نفسه وهي وصفة صامدة لقرون… للأسطورة منطقها الخاص، لكنها مفهومة لأنها بنت الخيال الإنساني. تشتغل على اللاوعي أكثر مما تخاطب العقل. وهنا يمكن لأبحاث كلود ليفي ستراوس أن تساعد كتاب السيناريوهات على فهم جمهورهم. ما الذي ذكرني بهذا الفيلم؟ سببان:

الأول ضرورة الانتقال بين أنواع فيلمية مختلفة في المشاهدة والكتابة. لتأمل الفروق بين الأنواع الفيلمية. وهكذا اكتشفت لاحقا أن فيلم King kong لا يصل إلى تعقيد أفلام أعظم مخرجيْن بالنسبة لي وهما هتشكوك وكوبريك… لكن هذا لم يبطل حبي للفيلم الذي يحمل إعجابي به لمسة سذاجة وبراءة الطفولة الراسخة في قلبي رغم تقلبات الزمن. لذا أعود له من باب الحنين، ومن باب فحص الأنواع الفيلمية التي تأثرت بها. الثاني هو القيام بنقد ذاتي تجاه ذوق فني تشكل في مرحلة عمرية سابقة. الآن حين آخذ مسافة مع موقف الدهشة الأولى المرتبطة بالمراهقة وأتساءل عن اللغة السينمائية في الفيلم، أجد أن فيه وصفة خالدة قوية تلمس العواطف… ليس صحيحا أن إعجابي بالفيلم يعود للمرحلة العمرية التي شاهدته فيها فقط. وليس صحيحا أن الناس في 1933، كانوا مستعدين لتقبل العجائبي أكثر من 2012… في كثير من الأفلام العجائبية يبذل المخرج جهدا كبيرا لابتكار صورة الوحش. في كينغ كونغ أخذت الصورة من الطبيعة. فالغوريلا معروف للجميع. وهذا ما سهل تقبل المتفرجين له. وغرام جنون الذي أضيف هو حجم الغوريلا الاستثنائي. لذا فإنه رغم المزج بين شخصيات إنسانية وحيوانية بقي الحدث اللامعقول مسليا ولم يدخل العبث واللامعنى. المزج يجعل البعد العجائبي مفهوما ومقبولا للمتفرج. يتجلى البعد العجائبي في الفيلم في حجم الغوريلا وقوته، في تعاصر – تزامن قربان الأنثى والحضارة المساواتية، في جمال البنت وقبح الوحش، في حبه وإخلاصه لأنثى وحيدة يتشمم الطريق إليها. تناقضات على مستوى الحجم والشكل واللون لم تكن عائقا أمام الحب المتبادل، حب تترتب عنه أجواء عاطفية تقلل بل تلغي وزن فوارق الجسمين، هذا ما يفتقده الناس في حياتهم اليومية وتوفره لهم السينما حين تحترم قواعد التعاطف الإنسانية. لذالك يجب على السيناريست أن يعرف ليس فقط ما يسرده، بل لمن يسرد أيضا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية