فيلم ‘لبنان’ رسالة سياسية اسرائيلية تتخفى بطابع انساني

حجم الخط
0

أحمد يوسفبينما كان الشعب العربي، من المحيط إلى الخليج، مشغولا من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، في متابعة المسلسلات الرمضانية وبرامج حوار ‘ العوالم’، لا يكاد أن يلتقط أنفاسه منها إلا وتطارده الصحف الفنية بأخبار عنها، بينما كان ذلك كله يحدث، كان الكيان الصهيوني ‘ الصغير’ المزروع كالخنجر في قلب الوطن العربي يعرض في دور العرض السينمائية الجماهيرية في أمريكا فيلما يحمل اسم ‘ لبنان’، وهو الفيلم الذي يذكر موقع ‘ ميتاكريتيك’ المتخصص في جمع مقالات أشهر النقاد الأمريكيين أنه حصل على سبعة وثمانين في المئة من استحسان النقاد، وهي درجة لا يصل إليها إلا القليل من الأفلام في العالم كله.

ما يعنينا هنا هو حالة الغياب عن العالم ـ وعن الوعي أيضا ـ التي نعيش فيها منذ زمن طويل يزيد الآن عن ثلاثة عقود، غياب أشبه بالمؤامرة أو قل أنه مؤامرة بالفعل، أن تغيب مصر عن القيام بدور مؤثر في صناعة أقدارها، لينفرط العقد من بعدها وتصبح بقية الدول العربية دون تأثير فعال، وإن ظهر لك من بين أبواق السلطة من يقول لك أن مصر حاضرة، بدليل استدعائها بين الحين والآخر لتقوم بمهام توكل إليها، فأرجو أن تذكّره بنوعية هذه المهام، التي تشبه دور الوسيط أو السمسار، وكله بثمنه… ولتقارن هذا الغياب من جانبنا بالحضور القوي للكيان الصهيوني، الذي يفرض شروطه، بل إن ‘ إسرائيل’ ما تزال حتى اليوم ترفض ذلك الشيء الذي لم يحدث من قبل في التاريخ، ويحمل اسم ‘ المبادرة العربية’، التي تعلن الاستعداد للتطبيع الكامل مع العدو من جانب الدول العربية، لكن ماذا يمكن لك أن تتوقع وإسرائيل لا تخشى شيئا على الإطلاق من حكام هذه الدول، فما حاجتها إلى أن تجلس معها وتتفاوض؟ من يريد التفاوض ويملك زمامه لا بد من أن يملك قوة ما تجعل موقفه التفاوضي قويا، أما وقد ضيع حكام الدول العربية كل مقومات القوة المادية والمعنوية فعلى أي أساس سوف يتفاوضون؟ في المقابل تعمل ‘إسرائيل’ في كل لحظة على بناء قوتها على كل المستويات، والسينما أحد أركان هذه القوة. إنها تنتج كل عام حوالى عشرة أفلام فقط، لا تزيد ميزانية الواحد منها عن مليون دولار ( أرجو من صناع أفلامنا أن يحسبوا الفرق بين ميزانيات أفلامنا وأفلامهم، ثم يقارنوا الفرق بينها من ناحية التأثير الفني والسياسي)، بل إن هذه المليون دولار لكل فيلم يتم جمعها من جهات عالمية عديدة، من بينها صندوق دعم السينما الإسرائيلية، ومن هذه الأفلام العشرة، قليلة التكاليف، يبرز فيلمان أو ثلاثة، تطوف العالم وتحصد الجوائز أو الترشيحات، في الوقت الذي تقدم فيه بالطبع للعالم الرؤية الصهيونية وتكرسها، وأرجو أن تتأمل كيف أن فيلم ‘ لبنان’ الذي سوف نتحدث عنه الآن قد تنافس بشدة ( داخل الأوساط السينمائية الإسرائيلية) مع الفيلم الإسرائيلي ‘ عجمي’ على الوصول إلى مسابقة الأوسكار في العام الماضي، وكان القرار أن يعطوا الفرصة لفيلم ‘ عجمي’ ( الذي وصل بالفعل إلى قائمة الأفلام الخمسة التي تتسابق على جائزة أفضل فيلم أجنبي)، والسبب هو أن فيلم ‘ لبنان’ قد حصل بالفعل على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي، فلماذا لا تعطي ‘ إسرائيل’ الفرصة لفيلم ثانٍ لكي يقوم بمهمة الدعاية لها؟

أصبح فيلم ‘ لبنان’ متاحا على شبكة الإنترنت، وبترجمة باللغة العربية أيضا، فماذا ننتظر لكي نرى السبب في أنهم يحققون كل هذا النجاح وبأقل التكاليف المادية؟ أكرر أننا غائبون عن الوعي، وعن الفعل، وحتى بعيدا عن السينما الإسرائيلية التي يقول البعض منا أن رؤية أفلامها قد تحمل اتهاما بالتطبيع، فهل بدا من جانبنا أي اهتمام كافٍ بالأفلام من بلدان العالم المختلفة التي تفوز بجوائز عالمية؟ هل عرفنا لماذا تفوز؟ هناك يا قارئي العزيز هوة شاسعة بين السينما المصرية المعاصرة والسينما في العالم كله، ولست أتحدث فقط عن أفلامنا التجارية التي تنتمي إلى تاريخ ما قبل اختراع السينما ( بالكثير إنها تشبه صندوق الدنيا)، بل أشير أيضا إلى الأفلام ‘المثقفة’ التي ما تزال تقف عند أنطونيوني وفيسكونتي وأفلامهما منذ نصف قرن… إننا لم نتوقف فقط عن صناعة الأفلام المعاصرة بحق، لكننا توقفنا أيضا عن مشاهدة الأفلام المعاصرة.

أرجو أن تتاح لك فرصة أن ترى فيلم ‘ لبنان’ لتعرف كيف تُصنع الأفلام، بقدر كبير من الفن، وقدر قليل من التكاليف، والأهم هو تضمين ‘ الرسالة’، وهي هنا رسالة سياسية بالقطع، تتخفى تحت نسيج ‘ إنساني’ دفع بعض النقاد الأمريكيين إلى أن يصفوا الفيلم بأنه ‘مناهض للحرب’، رغم كونه من ناحية الشكل ينتمي على نحو صريح لنمط ‘ الأفلام الحربية’. منذ نزول العناوين يُدخلك الفيلم إلى عالمه الكابوسي: شاشة سوداء تنزل عليها التيترات، وموسيقى تصدر صوتا يشبه الأزيز المتصل، ثم تأتي لقطة البداية، حقل من حقول عباد الشمس، إنه خال تماما بلا حركة، غير أن ريحا تهب من عمق الكادر وتتجه إلى مقدمته لتهتز أعواد الزهور في موجة متصلة حتى أن المتفرج يشعر أنها سوف تجتاحه أيضا.

تلك اللقطة واحدة من بين لقطات ‘ خارجية’ ثلاث فقط طوال الفيلم، أما الفيلم كله فيبدو كأنه مؤلف من لقطات ‘ داخلية’، حيث نجد أنفسنا مع أربعة جنود إسرائيليين شبان داخل دبابة وهم في مهمتهم لمصاحبة فرقة من المشاة في حرب لبنان الأولى، نعرف ذلك من العنوان: ‘ 6 حزيران ( يونيو) 1982 الساعة 3 صباحا، اليوم الأول من حرب لبنان’. تأمل اللقطة الأولى لهم ـ ولنا ـ داخل الدبابة، هناك ماء في قاعها ( ياعيني إنهم يحاربون بأسلحة قديمة!!)، ونرى فيها صورة منعكسة ومقلوبة لوجه جندي، عندما يضع قدميه على أرضها يهتز الماء فتتشوش الصورة. هذا العالم الكابوسي يقطنه أربعة من الجنود، يقدمهم لنا الفيلم في لمسات خاطفة لكنها كافية تماما لنعرف عنهم الكثير، فأغلبهم تم استدعاؤه للخدمة العسكرية الاحتياطية على عجل، وبعضهم ينتظر انتهاء خدمته بعد أيام، وبعض ثالث يذهب إلى تلك الحرب في مهمته الحقيقية الأولى.

هناك قائد المجموعة عاصي ( عيتاي تيران)، والمدفعجي شموليك الذي يقول كاتب الفيلم ومخرجه صامويل موعاز أنه يجسد شخصيته وتجربته الحقيقية خلال الخدمة العسكرية ( يقوم بالدور يوعاف دونات)، ثم المسؤول عن شحن المدفع هيرتزيل ( أوشري كوهين)، وأخيرا سائق الدبابة إيجال ( مايكل موشونوف). سوف تلاحظ على الفور أن وجوه الممثلين الشبان ـ البارعين بالفعل ـ تنضح بالبراءة، والخوف، والحيرة، إنهم لا يعرفون لماذا هم هنا، في جنوب لبنان، داخل دبابة عتيقة الطراز، مكتوب على جدارها الداخلي عبارة تحمل مزيجا من السخرية المريرة واليقين معا: ‘ الرجل مصنوع من الفولاذ، أما الدبابة فهي ليست إلا قطعة من الحديد’. تأتي المفارقة الساخرة في العبارة في البداية من التناقض مع ما يبدو من هشاشة الجنود، لكنها تصبح حقيقة عندما يعيشون أهوال ساعات قليلة من الحرب فلا يجدون مناصا من أن يصبحوا كالفولاذ بالفعل، لكنه فولاذ صهيوني بطبيعة الحال!

أنت طوال الفيلم داخل هذه الدبابة، لتعيش حالة توحد كامل مع الشخصيات ( أرجو أن تقارن هنا أيضا مع أوهام صناع أفلامنا عن أن الفيلم ‘ الحربي’ لا بد من أن يحتوي على مشاهد ‘ملحمية’!!)، وإذا أتيحت لك رؤية العالم خارج الدبابة فمن خلال منظارها ( بالطبع يتم تصوير مثل هذه اللقطات خارجيا لكن توضع على فتحة الكاميرا شبكة تمثل أداة تحديد الهدف، فيستمر شعورك بأنك داخل الدبابة). والصلة بين ‘ الأبطال’ والعالم الخارجي هي جميل ( زوهار شتراوس)، قائد فرقة المشاة التي تحميها الدبابة، فهو يدخل أحيانا إليهم ليوجه إليهم التعليمات أو اللوم، ويقودهم إلى قرية لبنانية يفترض أن الطائرات قد ‘ مسحتها من على الخريطة’ كما جاء في نص الحوار، لكن المهمة لا يمكن أن تكون بهذه السهولة وإلا لم يكن هناك داعٍ بالطبع لصنع أي فيلم!! سوف أتوقف معك عند بعض اللحظات الفاصلة في الفيلم لأتركك تشاهده بعدها بنفسك: هناك أوامر بإطلاق النيران على أي هدف يقترب ولا يستجيب للتحذير بالوقوف، وتظهر سيارة مدنية تنطلق نحو فرقة المشاة والدبابة، ويتردد المدفعجي شموليك في إطلاق القذيفة عليها، إنه يرتعش فتلك هي المرة الأولى التي يصوب فيها إلى هدف حي بعد انتهاء تدريبه على التصويب على براميل، لكن تردده يسفر عن كارثة، فالسيارة تحمل انتحاريين ويؤدي انفجارها إلى موت أحد الجنود، ويتوقف الفيلم ليعرض مشاهد مرعبة لمحاولة إنقاذ الجندي دون جدوى، وتكون النتيجة إدخال جثة الجندي إلى الدبابة لحين قدوم الطائرة المروحية التي سوف تحملها، فيزداد الشعور الكابوسي عمقا. إن هذا التردد من جانب الجندي الإسرائيلي سوف يكون ذريعة لأن يطلق دون تردد قذيفته التالية مباشرة على شاحنة صغيرة يكتشف أنها تحمل دجاجا، وبينما يصرخ سائقها العربي من الألم بعد انفصال ذراعه عن جسده، فإن جميل ـ قائد الفرقة ـ يطلق عليه رصاصة ‘ الرحمة’ لينقذه من آلامه!! عندما تصل الفرقة والدبابة إلى القرية يقدم لك الفيلم أطراف الصراع، لتكتشف أن الجيش الإسرائيلي ليس طرفا أصيلا فيه!! تأمل المشهد التالي: يصيح جميل بأن إرهابيين اختطفوا رهائن في شقة بالدور العلوي لبناية لم يبق منها إلا أطلال، يتوجه منظار الدبابة إلى الشقة، ونرى على الحائط لوحة مائلة متدلية للعذراء مريم والطفل يسوع المسيح. إذن فالرهائن عائلة مسيحية، ويلقي الزوج بنفسه من أعلى هربا لتبقى الزوجة وطفلة صغيرة، وبالضرورة فإن الإرهابيين مسلمون، يهدد الإرهابيون بقتل الرهائن، وتطلق الدبابة قذيفة في اتجاه الشقة فتدمرها، وتخرج المرأة مذهولة وقد فقدت طفلتها… إنه مشهد يدمي القلوب بالفعل، الأم الملتاعة ( ريموند أم سالم) تهذي وتريد عودة ابنتها، بينما يحاول جميل تهدئتها، وهي في هذيانها تسير بين النيران فيندلع اللهب في قميص نومها، ينزعه عنها جميل بقوة فتصبح عارية تماما، لكنه ‘ يسترها’ على الفور بملاءة، لتختفي بعد ذلك من الفيلم، لكن بعد أن ترك في المتفرج أثرا لا يمحي بأن الجيش الإسرائيلي جاء إلى لبنان لـ ‘ ينقذه’، حتى لو كان ذلك يتكلف التضحية!! هل تتصور أن تلك الرسالة هي التي تصل إلى المتفرج في العالم كله؟!!! إن ذلك سوف يتأكد عندما يتم أسر جندي سوري ( دودو تاسا) ووضعه في الدبابة أيضا، ليظهر أحد أفراد ميلشيات الكتائب ( أشرف برهوم) ليطالب بتسليم الأسير له، وفي حوار بينهما بالعربية ( لا يدرك الجنود الإسرائيليين محتواه) يصدر الكتائبي فحيحا وهو يتهدد السوري بأقصى درجات العذاب. وإذا كان الكتائبي يوحي للفرقة الإسرائيلية بأنه سوف يدلها على الخروج من المتاهة التي وصلت إليها في القرية اللبنانية، فإنه لا يفي بوعده بعد أن يحصل على الأسير، ويترك الفرقة والدبابة في مكان مجهول، لتبقى في حالة انتظار أن ترسل لها القيادة من ينقذها. ( كأن ذلك ينفي بشكل ضمني تعاون الإسرائيليين والكتائبيين في جريمة صبرا وشاتيلا!!). أخيرا تأتي لقطة خارجية: شموليك يفتح غطاء الدبابة وينظر إلى الحقول، ثم اللقطة الأخيرة، نفس حقل عباد الشمس كما في بداية الفيلم، ولكن تقف الدبابة في عمق الكادر ساكنة وحيدة في هذا الفضاء الشاسع.

هذا هو الفيلم الإسرائيلي الثالث في السنوات الأخيرة عن حرب لبنان الأولى، بعد ‘ بوفورت’ ( قلعة الشقيف)، و’ فالس مع بشير’، تتنوع فيها التجارب الفنية، لكنها تعيد نفس اللحن الذي بدأته السينما الإسرائيلية منذ نهاية الثمانينيات، حين عرفت الصهيونية أن عليها ـ إلى جانب الأفلام الدعائية المباشرة مثل أفلام ميناجم جولان وجلوباس ـ أن تقدم أفلاما تختفي فيها الدعاية وراء مزيج من التجريب الفني المبتكر، ونزعة وجودية تجعل البطل أو الأبطال في حالة تساؤل أو قلق أو ألم، لكنها في جوهرها ما تزال تحافظ على الجوهر الصهيوني: اليهود في ‘ إسرائيل’ في حالة خوف دائم، لأنهم يعيشون في جزيرة داخل بحر من ‘ الإرهاب’ العربي، سواء كان موجها لإسرائيل أو متبادلا بين العرب أنفسهم، والبطل الإسرائيلي وحده هو الذي يعرف القلق، إنه وحده ‘ الإنسان’، لذلك فإن قدره أن يصبح مثل الفولاذ!! من ناحية الشكل السينمائي، فإنه يؤكد على تجربة الحصار ( الحصار هنا ليس حصار العدو الإسرائيلي للبنانيين، وإنما معاناة الإسرائليين أنفسهم من الحصار في لبنان، لكن الفيلم يتجاهل أن يقول لنا لماذا هم هناك أصلا!!)، فالزمن الفيلمي يقترب كثيرا من الساعات القليلة للزمن الواقعي، والحس التسجيلي الحاد هو أسلوب الفيلم، واللقطات داخل الدبابة قريبة أو متوسطة ( أرجو ألا يتصور القارئ أن ذلك يحكمه ‘التصوير داخل دبابة’، فالتصوير الفعلي يتم بالطبع داخل ديكور يحاكي الدبابة)، وشريط الصوت مؤلف من مؤثرات طبيعية، مثل الصوت المعدني لحركة الدبابة أو منظارها، وصوت الانفجارات، وحين تظهر الموسيقى ففي شكل أزيز يعمق من الإحساس الكابوسي. ذلك هو ما يصنعه العدو الإسرائيلي من أفلام، فرغم القوة المادية والسياسية التي يتمتع بها في ظل الضعف والهوان العربيين، فإنه ما يزال يضع مشروعه نصب عينيه، ولا يتخلى عنه لحظة واحدة، ويستخدم كل ما لديه من وسائل لتحقيقه، بما في ذلك صنع أفلام تبهر العالم بفنها الذي لا يمكن أن تتجاهله. قل لي إذن: ما هو مشروعنا القومي الآن؟ وما هي أولوياتنا؟ وما الذي نساهم به في العالم، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي؟ لكن الحقيقة أننا غائبون عن العالم وعن الوعي، والله وحده يعلم متى نفيق، وإن كانت مسؤوليتنا الإنسانية أن نعرف ‘ كيف’ نفيق، على الأقل لنسترد إنسانيتنا المهدورة، في الوطن وخارجه على السواء. ‘ ناقد سينمائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية