غالباً ما تحتمل الأفلام التي تأتي من خارج سياق هوليوود قيمة مضاعفة، كونها تسعى لأن تكتسب قيمتها أو أهميتها، في ضوء المكوّن الفكري لقطاعات تبدو متوارية عن الوهج الإعلامي، أو الاحتفاء بالطابع التجاري لآلة الصّناعة السينمائية، التي تحتكرها السينما الأمريكية، ولهذا فإنّ العناصر الأيديولوجية والجمالية تبدو ذات قيمة مُضاعفة، مع حرص على أن يضيف الفيلم قيمة تاريخية، خاصة للقطاعات التي تبدو مهمّشة في دوائر الاستقطاب الإعلامي.
ويأتي الفيلم الأوراغوياني A Twelve-Year Night أو «ذكريات زنزانة» لكاتبة ومخرجه ألفرو بريشنر من إنتاج 2018، على قدر كبير من الأهمية، على الرغم من أنه للوهلة الأولى يبدو فيلماً لا يدعي ضجيجاً أو صخباً في تكوينه أو مقولته، لكونه يعتمد في المقام الأول على الرغبة بتوثيق التاريخ بصورة شعريّة، كي يكون أقرب إلى شهادة، مما يفسر الكثير من مشاهده المكثفة في حدود المشهدية الصامتة، التي لا ترغب في عكس وافر من البنى الحوارية، أو المشاهد الحركية، فالفيلم يتأمل عميقاً في عوالم شخصياته الداخلية، التي تأتي من مرجعية واقعية في حقبة زمنية معينة من تاريخ هذا البلد، مع الإشارة إلى أن الفيلم رشح لعدة جوائز، وحصل على عدد منها.
السيطرة والعقاب
يقع الفيلم في إحداثية زمنية تتصل بتاريخ الأورغواي سنة 1973، أثناء الحكم الديكتاتوري العسكري والمواجهة مع الحركة اليسارية المسلحة، التي تعرف باسم «توباماروس». يفتتح الفيلم عبر مشهد يشي بمركزية العقاب، حيث نلج سجناً يقع في وسطه مركز السيطرة أو الرؤية، وحوله تقع الزنازين، ما يشي بنمط من أنماط المراقبة الكامل من زاوية واحدة، كما يتضح من حركة الكاميرا في نطاق 360 درجة، وهذا يأتي على خلفية أصوات ضرب وتعذيب واعتقال، ومن ثم ينطلق الفيلم ليحكي قصة لحظة اعتقال ثلاثة رجال ينتمون إلى مجموعة من الثوار في ليلة خريفية، إذ يقادون إلى المعتقل في ظروف قاسية، ولعل محورية الفيلم تنهض على أن هؤلاء الرجال ليسوا سجناء، إنما هم رهائن، بحيث لا يسمح لأحد بالتحدث إليهم، بمن في ذلك حراس السجن، في حين يوضع الرجال في معتقلات تفتقر إلى أي مرافق أساسية، وفي كل عملية نقل تتم تغطية وجوههم ورؤوسهم. وهنا يلاحظ أن فعل الانتقال من معتقل إلى معتقل يعد ثيمة محورية في الفيلم، فالسلطات تقوم بالبحث عن أسوأ المعتقلات، بما في ذلك وضعهم في صوامع عميقة، أو في سجون ضيقة جداً، أو في سراديب تحت الأرض، لا يوجد فيها أي ضوء أو شعاع من الشمس.
ينطوي كثير من مشاهد الفيلم على لحظات توهج عميقة عبر البحث عن كينونة الأمل، بالتضافر مع محاولة فتح ممرات عميقة لكينونة الحياة، ببساطتها وتشكيلها، على الرغم من قسوة القمع
لا ريب في أن مخرج الفيلم كان ينطلق من توثيق حقيقي لهذا الاعتقال الممنهج، الذي ينهض على نموذج سلطوي تجاه الثوار في تلك الفترة، وهنا تبدو ثيمة السجن بوصفها نمطاً للعقاب، ففي أحد المشاهد يرسل السجناء إلى أحد الزنازين التي تبدو واسعة إلى حد ما، غير أن سلطة السجن تقوم برسم خطوط على أرض في الزنزانة، ويطلبون من السجين عدم تجاوزها، وإلا سوف يتعرض للعقاب، وهنا تتبدى محاولة قهر المعتقلين بهدف استجوابهم، في حين تكاد تكون زيارة عائلاتهم في أضيق الحدود بعد ضغط من مؤسسات دولية وشعبية.

يبدو العزل آلية ممنهجة بغية كسر الأرواح التي تتآكل شيئاً فشيئاً نتيجة الوحدة. وهذا ما يتضح من العتبة التي نقرأها في بداية الفيلم، ولاسيما الحوار المقتبس من رواية «مستوطنة العقاب» لكافكا بين شخصيتي المحكوم والضابط، حيث جاء: «نظر الرجل المحكوم إلى الضابط، وسأله هل يعرف السجين عقوبته؟ قال الضابط لا، ولكنه سوف يختبرها بنفسه». كل شخص من الثوار له قصة، أو له واقع آخر كان يعيشه قبل السجن، بما في ذلك عائلاتهم وأفكارهم ونضالهم. ولعل المقولة الأساسية – في الفيلم – تنهض على تحليل عقلية (الديكتاتورية)، التي تنطلق من مقولة إذا كنا لا نستطيع أن نقتلهم فعلينا أن نقودهم إلى الجنون، وهكذا تبدو صيغة هذا الدفع نحو حافة الجنون آلية قهر، ما يفسر التنقل بين السجون للبحث عن أسوأ سجن، ففي السجن الأول كانت هنالك نافذة يمكن للسجناء تأمل ضوء النهار من خلالها، غير أن السلطات سرعان ما تقوم بإغلاقها بشكل نهائي، ومن ثم تضاعف العملية عبر وضع السجناء في سراديب رطبة مظلمة، بدون وجود أي مرافق صحية، حيث يأكل السجناء، وينامون، ويقضون حاجتهم في المكان عينه، ولا مجال لأي شيء آخر سوى الانتظار والتحدث مع النفس لسنوات تمضي بلا شيء، سوى عتمة مظلمة مع عزل كلي، في حين أن أجساد السجناء، ووجوههم تعكس تقوضها أمام هذه العزلة.
العتمة وظلال التوهج
ينطوي كثير من مشاهد الفيلم على لحظات توهج عميقة عبر البحث عن كينونة الأمل، بالتضافر مع محاولة فتح ممرات عميقة لكينونة الحياة، ببساطتها وتشكيلها، على الرغم من قسوة القمع، ومن ذلك أحد مشاهد الفيلم، حيث يستمع أحد السجناء ـ وهو كاتب – إلى حوار بين حارسين حول سعي أحدهم للتقرب من فتاة، فيتدخل المعتقل ليسدي له نصيحة، كما يقترح أن يكتب رسالة موقعة باسم الحارس للحبيبة، وهنا تتجلى قدرة الكلمات وشعريتها، على أن تصبح جزءاً من انشغال السجين في التعبير عن ذاته تجاه زوجته، ولو عبر وكيل، فهذا السجين الذي كان كاتباً لم يتمكن من معرفة أي شيء عن العالم، أو يتصل به لسنوات طويلة، وهنا يتخفف أحد الحراس من نزعته السلطوية ليتيح بعض المتع الصغيرة للمعتقلين، حيث يحضر لهم خبزاً ساخناً، كما يتيح لهم أن يخرجوا للتنزه في الساحة الخارجية، ويرون بعضهم بعضا لدقائق معدودة فقط، غير أن هذا سرعان ما يكتشف ليعود العقاب أو العزل بصورة مضاعفة.
ومن المشاهد المضيئة في الفيلم صرخة السجين «موهيكا» إبان احتفال قوة السجن العسكرية بنصرهم، مطالباً شراب «الماتي» أو «المتة» الخاص به، بالإضافة إلى المقعدة البلاستيكية التي يقضي فيها حاجته، وهما الغرضان اللذان أحضرتهما له أمه بعد عناء طويل، لا شك في أن هذا المشهد يحمل نوعاً من أنواع السخرية من النظام العسكري، وقيمه الوهمية التي تخشى أبسط الأشياء. ومن أكثر المشاهد التي تشي بالمفارقة تجاه محدودية أفق الديكتاتوريات والعقلية المحكومة بالنهج الفاقد للمنطقية، حين نرى أحد السجناء وهو يطلب أن يقضي حاجته في أحد الحمامات نتيجة مرضه، غير أن يديه المكبلتين في عارضة حديدية تحولان دون ذلك، بيد أن تحرير قيوده للوصول إلى (المرحاض) يتطلب إذناً عسكرياً من المسؤول، وبذلك يتحول الأمر إلى مفارقة ساخرة، فكل مسؤول يطلب الإذن ممن هو أعلى منه، ليصل الأمر إلى أعلى رتبة عسكرية عليا، فيجتمع القادة والحراس في الحمام لاتخاذ القرار، مما يعني بصورة وبأخرى غياب قيم العقلانية، ومحدودية أفق الديكتاتوريات العسكرية.
بعد مضي اثنتي عشرة سنة بلياليها الطويلة، يخرج الرجال من السجن ليعودوا إلى عوالمهم، حيث ينتهي كل منهم في جزء من نضاله، كي يتبوأ مركزا سياسيا أو ثقافياً بعد تلاشي الديكتاتورية
ومن مشاهد بعث الأمل ذلك الحوار الذي كان بينا «موهيكا» والطبيبة النفسية، فبعد سنوات طويلة من الوحدة يشعر «موهيكا» بأن ثمة صوتاً داخلياً في عقله لا يتوقف، ويكاد يقوده إلى الجنون، وقد نتج ذلك بداعي الاستجواب العسكري الذي تعرض له، فيقول للطبيبة بأنه لم يقرأ شيئاً منذ سبع سنوات، وهنا تشير الطبيبة ـ المتعاطفة- بأننا أحيانا لا نملك سوى أن نمضي بما نحن فيه، وعلينا أن نتشبث بأي شيء، فهناك أمل بأن ينتهي كل شيء في يوم ما، وذلك من منطلق أن محورية العقاب تعني، أن من يقود هذه العملية يرغب في أن يقتل الأمل في داخل الإنسان، وهنا تبدو الإضافات الصغيرة في حياتنا اليومية شكلاً من أشكال مقاومة اليأس، ومن ذلك التوقيع على محضر الجلسة، إذ يتحول إمساك القلم إلى أمرٍ خارج ٍعن المألوف اليومي لسنوات طويلة، وهي في ذاتها محاولة بسيطة لخلق الأمل من قبل الطبيبة تجاه السجين الذي قرأ عبارة على حائط إحدى الزنزانات عند دخوله تقول: «يا من دخلت إلى هنا إفقد الأمل».
يتأسس الفيلم على توليفة موفقة من المشاهد التي تنتقل بين حيوات السجناء الثلاثة ـ بما في ذلك ماضيهم وأسرهم وعائلاتهم، وبعض الملابسات التي تتعلق بأسلوب اعتقالهم، وهي تبدو في معظم الأحيان قائمة ضمن مشاهد تسكنها الظلال والعتمة، متبوعة بمشاهد مُشرقة تحضر فيها الشمس بقوة. هي ثنائية واضحة في لغة الفيلم، التي توازن بين عتمة الزنزانة، وفضاء الحرية، كما فعل الانتظار، في حين أن الصّمت والتّقشف على مستوى الحوار كان مقصوداً ليشي بإيقاع السجن، وغياب اللغة، والعيش في المخيلة، والذكرى، والصمت، والخواء؛ بصحبة موسيقى تصويرية تشي بشيء من الحزن، والقنوط والأمل.
وختاماً، بعد مضي اثنتي عشرة سنة بلياليها الطويلة، يخرج الرجال من السجن ليعودوا إلى عوالمهم، حيث ينتهي كل منهم في جزء من نضاله، كي يتبوأ مركزا سياسيا أو ثقافياً بعد تلاشي الديكتاتورية، ولعل أشهرهم رئيس الأورغواي اليساري، الذي ذكرت التقارير الصحافية بأنه أفقر رئيس دولة في العالم، حيث كان يتبرع بمعظم راتبة للفقراء، ويعيش في مزرعة متواضعة، ونعني الرئيس خوسيا ألبرتو موهيكا، الذي انتخب عام 2010، وجاء هذا الفيلم ليحكي قصة حقبة من حقب الديكتاتوريات، التي كانت قدر دول العالم الثالث، الذي ما زال غير قادر على تبني نموذج ديمقراطي عادل وإنساني.
٭ كاتب أردني فلسطيني