القاهرة ـ «القدس العربي»: في سياق مختلف عن السينما الفلسطينية السائدة والمهمة التي تدور حول مقاومة الاحتلال الصهيوني، يأتي فيلم «شكرًا لأنك تحلم معنا» ليناقش قضيةً أخرى مهمةً أيضًا، وهي مقاومة التقاليد داخل المجتمع الفلسطيني، الذي يعيش تحت ضغط مزدوج؛ بين الاحتلال الصهيوني، والتقاليد والعادات والتناقضات الداخلية في نسيجه الاجتماعي والأسري.
ليلى عباس، في أول أفلامها الروائية الطويلة، تتميز بجرأة شديدة، حيث تناقش قضية شائكة، وهي قضية الميراث في الإسلام، فتنتفض من خلال فيلمها ضد حكم شرعي متفق عليه، وهو تقسيم الميراث بين الأبناء بحيث يصبح للذكر مثل حظ الأنثيين، وهي تبرر ذلك بأن هذه القاعدة الشرعية مرتبطة بولاية الرجل على الأنثى، فإذا لم يتحقق هذا الشرط، لا يجب التوريث وفقًا لهذه القاعدة.
حبكة بسيطة ونقد مركب
الفيلم الذي تدور أحداثه في رام الله، يبدأ بموت الأب، الذي لديه ولد وبنتان، الولد مسافر إلى الخارج ولم يتحمل مسؤولية شقيقاتيه أو والده أثناء مرضه، بينما تولت إحداهما رعاية الأب. وبعد الوفاة، تتحد الشقيقتان، مريم (كلارا خوري) ونورا (ياسمين المصري)، في سباق مع الزمن من أجل سحب أموال والدهما من البنك بعد تقليد توقيعه، قبل أن يعلم شقيقهما بخبر الوفاة، حتى لا يطالب بنصيبه في الميراث وهو ضعف نصيبهما، وهو ما تعتبره الأختان ظلمًا لهما لصالح الذكر الذي لم يقم بأي من واجباته تجاه العائلة، ولن يكون وليًّا عليهما أو يتحمل مسؤوليتهما بعد وفاة الأب، خاصةً أن علاقته بهما متوترة، حتى أن إحداهن أزالته من قائمة الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
الفيلم يبدو أنه ينتمي إلى نوعية أفلام التشويق والسرقة، لكنه في العمق، يدور حول البحث عن العدالة والكرامة في عالم قاسٍ وظالم ومحبط للأحلام. تدور الأحداث خلال 24 ساعة فقط، لكنها كاشفة عن كثير من سلبيات المجتمع، فالبطلتان في الفيلم محاصرتان بالاحتلال الذي لا يغيب عن خلفية الأحداث، والسلطة الغاشمة، والفساد المستشري في المجتمع، والنظام الأبوي الظالم، والتقاليد البالية والذكورية المسيطرة، التي تتضح معالمها مع كل محاولة فاشلة للحصول على الميراث. هذا الحصار تعبر عنه المخرجة بصريًّا من خلال التصوير الليلي في فضاءات رام الله المظلمة والمغلقة.
الاحتلال ليس مبررا للقمع
ترفض المخرجة من خلال الفيلم أن يكون التركيز فقط على مقاومة الاحتلال الصهيوني، وتأجيل كافة القضايا والمشاكل إلى ما بعد التحرير، وهو ما أكدته من خلال صرخة مريم: «هل يجب أن أنتظر حتى تتحرر فلسطين لأحصل على الطلاق؟»، فهي لا تجد في الاحتلال سببًا لتبرير القمع الشخصي والفساد الحكومي.
الحوار في الفيلم متماسك وذكي ومكثف، والأداء التمثيلي بين كلارا خوري وياسمين المصري متناغم، وقد نجحتا في تجسيد علاقة أخوية معقدة، مليئة بالتوترات القديمة نتيجة تربية في أجواء غير صحية، إلا أنهما تتضامنان في وقت الأزمة.
كوميديا سوداء
تكشف تناقضات المجتمع
ورغم أن الفيلم يناقش قضايا مهمة ومؤثرة، إلا أن المخرجة نجحت في إضفاء لمسة من الكوميديا، فالمشاحنات المستمرة بين الأختين لا تخلو من فكاهة، عن طريق السخرية المريرة، والحوارات اللاذعة والمواقف الطريفة، التي خففت من وطأة الفيلم، وجعلته أقرب للكوميديا السوداء؛ حيث يتم استخدام الفكاهة لتشريح طبقات التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الفلسطيني نفسه في ظل واقع سياسي خانق.
شكل مختلف للمقاومة
ليلى عباس تحاول من خلال فيلمها إعادة صياغة قضايا النسوية ضمن سياق الاحتلال والاستعمار الداخلي، دون تبني خطاب المقاومة التقليدية أو المظلومية فقط. وهنا لا يمكن فهم الفيلم بمعزل عن السياق المتنوع للسينما النسائية الفلسطينية، فعند وضعه إلى جوار أعمال مخرجات بارزات مثل آن ماري جاسر ومي المصري، تتضح لنا خريطة أوضح للمرأة الفلسطينية، التي تواجه أنظمة متعددة من القمع، داخلية وخارجية، مما يستوجب أيضًا أشكالًا مختلفة من المقاومة.
فالبطلة في «ملح هذا البحر»، لآن ماري جاسر، فلسطينية أمريكية، تعود إلى أرض أجدادها لتسترد حقها المادي والمعنوي، وتحاول الحصول على حساب جدها المصرفي المجمد ومنزل عائلتها. المقاومة هنا هي مقاومة الشتات ضد النسيان، وإصرار على «حق العودة».
وتقدم مي المصري في فيلم «3000 ليلة»، نوعًا آخر من المقاومة، فالبطلة مدرسة تُسجن في سجن إسرائيلي وتلد طفلها خلف القضبان، وتناضل من أجل البقاء والحفاظ على الأمل والإنسانية في وجه قمع مادي مباشر، وتتمثل المقاومة في الاضراب عن الطعام، والتضامن بين السجينات، وفي فعل الأمومة ذاته كإصرار على الحياة.
أما في «شكرًا لأنك تحلم معنا»، فيتغير ميدان المعركة بشكل جذري؛ العدو المباشر ليس الجندي الإسرائيلي، بل الظلم الداخلي، وما يميز البطلتين أنهما امرأتان عاديتان، لهما نقاط ضعفهما وخلافاتهما، لكن بطولتهما تكمن في قرارهما بعدم القبول بالظلم. فالفيلم يوسع مفهوم البطولة ليشمل التمرد على المألوف والتحايل على القوانين الجائرة، وينجح الفيلم في تجاوز الصورة النمطية للمرأة الفلسطينية كأم صابرة أو مناضلة تقليدية، ويقدم نماذج أكثر واقعية وتعقيدًا:
نورا هي شابة مستقلة، اختارت عدم الزواج، وتعمل كخبيرة تجميل. نلمس من خلال تدخينها، وملابسها العصرية، وصراحتها اللاذعة، أنها شخصية متمردة على القوالب النسائية التي يفرضها المجتمع، نجحت في أن تقوم برعاية والدها، وهي تحافظ على مساحتها الخاصة، وتنجح في عملها، وعندما يأتي وقت الميراث، فإنها تتحايل للحصول عليه، لايمانها الكامل بأنه حقها.
على النقيض، تبدو «مريم» أكثر تقليدية كزوجة وأم، لكن الفيلم يكشف عن هشاشة حياتها الزوجية وشعورها بالقيود، ويظهر أن نضالها ليس فقط من أجل المال، بل أيضًا من أجل تحقيق مساحة من الاستقلالية والذاتية داخل منظومة الزواج.
مقاومة الشقيقتين مريم ونورا هي مقاومة مدنية، ذكية وماكرة، ضد بنية اجتماعية وقانونية ظالمة. يقول الفيلم بجرأة إن هناك احتلالاً آخر، هو احتلال التقاليد الذكورية لعقول النساء وحقوقهن.
ليلى عباس لا تلغي أهمية مقاومة الاحتلال، بل تضيف إليها بعدًا آخر، لأن الحلم بالوطن لا ينفصل عن الحلم بمجتمع أكثر عدلًا لجميع أبنائه وبناته، فالتحرير الحقيقي هو مشروع متكامل لا يقبل التجزئة.