قد تكون، لبعض المشاهدين، أفلامُ الفرنسي إيريك رومير غاية في الملل، البعض يسميها ثرثرة. وهذه «الثرثرة» ليست عابرة في فيلم أو اثنين، بل ممتدة وفي عموم منجَز رومير السينمائي، ما جعلها أسلوباً له مميزاً لأعماله. لكن، إحالاتها إلى الأدب، وتحولها مرات إلى حوارات أدبية، يمكن أن تُقرأ (كما يمكن أن تُشاهد في فيلم) خلع عنها سمة الثرثرة، فليست الحوارات الطويلة والكثيرة في الفيلم ثرثرة، وليس الفيلم، على كل حال، تصويراً لأحداث وحسب، بل هو عمل فني/سينمائي مبني على كلمات تماماً كما هو على صور.
الكلمات تصنع الخيال
يُحضِر هذا الكلام إلى الذهن، أحدَ أهم الأفلام في تاريخ السينما، وهو «بيرسونا» للسويدي إنغمار بيرغمان، المعتمد على حوارات في عمومه، فقصته تجري، في معظمها، في مكان واحد، في بيت واحد، بشخصيتين، امرأتين، تتحادثان، ما يشبه تماماً فيلم«مالكولم وماري» (Malcolm & Marie) المعروض أخيراً على نتفليكس. ومن فيلم بيرغمان، أخص مشهداً تحكي فيه إحدى الامرأتين تجربةً جنسية على الشاطئ. هو مشهد طويل نسبياً، الكاميرا على هذه المتحدثة وتلك المنصتة، والكلمات تصنع الخيال، أو القصة الفرعية التي نسمعها. ما جعل الفيلسوف السلوفيني سلاڤوي جيجيك يصف في واحد من تحليلاته (في برنامجه The pervert’s guide to cinema) المشهد بأنه واحد من الأكثر أيروتيكية في تاريخ السينما، وتحديداً لأن بيرغمان قاوم الرغبة في تصوير فلاش باك لهذه المشاهد، واعتمد كلياً على الكلمات.
في الفيلم الجديد إخراج سام ليفنسون، لا أحداث راهنة ولا فلاش باك لأحداث سابقة. فقط كلمات.. لا ممثلون، لا أمكنة. فقط مالكولم وماري، في بيتهما، يتحادثان، يتجادلان، يتحابان، فكان التنويع في الكلمات، في ما يقولانه وكيف يقولانه، وكان على المشاهد التقاط أشكال الحوارات هذه، كلمة كلمة، يدركها ويتخيلها ويحسها، ضمن صعود وهبوط في النبرات والمشاعر المرافقة لهذه الكلمات. ليست هذه سينما تقليدية، حيث لا بد من تغيير في الصورة، كي لا يمل المشاهد، حيث لا بد من استراحات من الحوارات، لتأملٍ صامت لحركة داخل الإطار، أو لضجيجٍ أو موسيقى مرفقة. نحن هنا أمام فيلم في زمنه الواقعي، بموسيقاه الواقعية، كأن الكاميرا حلّت على هذا البيت، صدفةً، وصورت ما دار من حوارات بين مالكولم وماري، وخرجت فانتهى الفيلم.
مَن تجذبه الحوارات، الحالات النفسية، وكذلك السينماتوغرافيا الجميلة بالأبيض والأسود، فكما أن لا شخصيات تشوش على الشخصيتين
الرئيسيتين والوحيدتين، لا ألوان تشوش على لونَي الصورة، لن يجد، الباحث عن الحوارات، في هذه ثرثرةً كما لم يجد في أفلام رومير، وإن كان الأخير، وكذلك بيرغمان في «بيرسونا» قد عوض غياب الأحداث والتصويرات الداخلية المنزلية، حيث تدور الحوارات، في استراحات من الحيطان الأربعة بجعلها مقابلة للبحر، لأفق واسع يريح المُشاهد بين حوار طويل وآخر. ورومير تحديداً، حيث كانت قصص بعض أفلامه تجري خلال الإجازات الصيفية، عند البحر أو الريف. وهذا ما لم نجده في الفيلم الجديد، الذي لم يمنح لمشاهده تلك الفرصة لالتقاط الأنفاس، وكيف فعل ذلك؟ بحدة الحوارات، وعنفها في لحظات منها، ضمن موضوعها.
الموضوع هو ما قدمه الفيلم في الربع ساعة الأول: مُخرجٌ وصديقته يعودان من العرض الأول لفيلمه الأول، كان سعيداً لردود الأفعال، وكانت منزعجة لأنه لم يشكرها في كلمته وقد شكر الكثيرين، خاصة أن الفيلم يدور حول قصتها، وقد شفيَت من الإدمان. هذا ما أدخلنا إلى عالم الشخصيتين، إلى ليلتهما، وكل ما تلا ذلك كان استتباعاً له، كان مبنياً عليه.
«قصة زواج»
ذكر الفيلم في مجمله، في مشهد لفيلم جيد آخر أنتجته نتفليكس (على ندرة أفلامها الجيدة) هو «قصة زواج» حيث ينهش كل من الزوجين الآخر بنبشٍ لمشاعر وذكريات أليمة، يبدو أنها تعفنت في داخل كل منهما، فخرجت من فميهما لتؤذي وحسب. هذا ما نسمعه (ونشاهده كذلك) على طول الفيلم/الليلة على لسانَي مالكولم وماري، في محاولة كل منهما استعادة أزمنة سابقة بينهما، أو سبقت علاقتهما، لإيذاء الآخر وحسب، في تصاعد استغرق وقتَه اللازم لذلك، فلا مَشاهد أخرى في الفيلم على كل حال.
كان إذن الموضوع مولداً لأحاديث من كل الجوانب: تعليقه على مقالة نقدية للفيلم، انزعاجه من النقد، رغم إيجابيته، تعليقها الساخر على ذلك. حديث مستطال عن السينما والسياسة والعنصرية، استدراك لسؤال لمَ لمْ يجعلها هي تقوم بتمثيل الدور، استنتاجات سيكولوجية من كل منهما لهذه التفاصيل ولغيرها، وجدالات وصراخ، و«سلبية عدوانية» قد تكون حاضرة على طول الفيلم، الذي بنى كل مضمونه على حوارات، على كلمات لم تكن، لمن لم يبحث عن الأحداث، أكثر من اللازم. لم تكن ثرثارة.
كاتب فلسطيني