فيلم مذكرات غيشا : عاطفية رخيصة وحب بالصدفة.. وصور قاتمة تبحث عن اصالة الثقافة اليابانية وتبحر في عالم آخر
ابراهيم درويشفيلم مذكرات غيشا : عاطفية رخيصة وحب بالصدفة.. وصور قاتمة تبحث عن اصالة الثقافة اليابانية وتبحر في عالم آخريبدأ فيلم مذكرات غيشا من اخراج بوب مارشال بلقطات سريعة، رمادية سوداْء، لقطات بالابيض والاسود، اجواء عاصفة، مطر اضواء خافتة، رجل عجوز يوافق علي شيء، ام مريضة وبنت بعيون مترقبة، بعدها يتم ما يشبه العقد، فتاتان في عربة مع سيدة علامات الحزن بادية عليها، تتحرك بعنف وهي تأكل الطريق باتجاه ما يفترض انه المدينة. المزاج هذا لم يتغير في اللقطات الاولي من الفيلم والتي تختصر ما يزيد عن خمسين 150 صفحة في الرواية الاصلية، التي كتبها ارثر غولدين تصل العربة الي المدينة حيث يتم البيع، وتنقل بعدها البنتان الي عربة القطار في اتجاه نتبين انه بيت الغيشا وحينما تعاين سيدة البيت البنتين وتجد احداهما بعيون زرقاء ووجه مقبول تقبل ان تدخلها في البيت، اما الاخري فترفض مما يعني انها تنتهي في بيوت اللذة او الدعارة. حتي عندما تدخل البنت واسمها تشيو (تلعب دورها سوزوكو اهوغو) الي صاحبة البيت (كاووري موميو)، وعمتها (تشاي تشين) في البداية لا نتبين وجه صاحبته الا من خلال حمرة سيجارتها التي تنفثها عبر غليون طويل. نعرف ان البنت التي تحاول المقاومة ورفض ما يدبر لها انها الان في بيت الغيشا الذي يعرف باسم نيتا اوكياو حيث تقوم بمساعدتها بنت في نفس العمر بامبكين (زوي ويزانباوم)، ونتبين حس المدينة الكبيرة وبوضوح في اللقطة الطويلة من سقف بيت الغيشا ـ حيث تنداح المدينة عن مدي واسع ولكنها لا تعطي حسا باننا نشاهد مدينة يابانية في بدايات القرن العشرين، قد تكون اي مدينة في اوروبا، لندن تحضر في الذهن في هذه الحالة. المشاهد يحتاج لوقت طويل ليتبين ماهية الشخصيات وطبيعة ادوارها، وفي النهاية يعثر المشاهد الذي لم يقرأ العمل الاصلي علي ميلودراما بطيئة الحركة فيها درجة عالية من السنتمنتالية، قصة حب بنهاية سعيدة بعد متاعب ليست بالمتاعب، فالقسوة التي نشاهدها في الفيلم تنم عن مشاكل آنية وتافهة وتنجم عن تنافس بين فتاة الغيشا الجديدة وسيدة فتيات الغيشا في البيت هاتسومومو (غونغ لي).السيدة التي تنظر بحسد الي تشيو وتود تدميرها، فهاتسومومو لا تني تذكر الفتاة القادمة باصلها الريفي ورائحتها العفنة التي تنبعث منها روائح السمك، حيث كانت مع عائلتها. وبعد محاولات للعثور علي اختها في بيوت اللذة وتنتهي بسقوطها من علي سطح البيت، ينتهي قدر الفتاة في بيت الغيشا، وهو العمل الذي رفضت الانخراط فيه في البداية. تشيو عندما بيعت كرقيق لبيت الغيشا كانت تبلغ من العمر تسعة اعوام، تشعر بالحسرة ان اختها اخذت الي بيوت اللذة الرخيصة، وخططها لانقاذها وانقاذ نفسها. وفي لحظة من اللحظات وهي تراقب حركة الحياة في المدينة من علي جسر صغير للمشاة يتقدم اليها رجل وسيم، ويلتفت الي عيون الطفلة الجميلة المليئة بالدموع، ويطلب منها الابتسام له ويشتري لها حلوي ويعطيها نقودا ويمضي في طريقه مع سيدتين من سيدات الغيشا الي المسرح، هذا اللقاء هو المنعطف الذي غير حياة الفتاة حيث تقرر الانخراط في عالم الغيشا. هذا هو المفصل الرئيسي الذي اقام عليه مارشال فيلمه، فتاة معذبة ينقذها رجل نبيل (يعرف بالرئيس، ويقوم بدوره كين واناتابي الذي عرفناه في فيلم الملكة وانا مع جودي فوستر)، وتقرر تحدي الصعاب لتصبح اجمل سيدة في المجتمع الراقي.لماذا قرر الرجل النبيل التوقف امام الفتاة ولماذا اخفي حبه كل هذه المدة سنوات طويلة تمضي قبل ان يعبر عن حبه لها وتكشف عن حبه لها في اللقطة الاخيرة من الفيلم؟ هذا السر لا يكشف عنه الفيلم. روب مارشال اراد ان يقدم فيلما اصيلا عن اليابان فترة ما بين الحربين العالميتين حيث حاول ان يغلف اللغة التي يستخدمها الممثلون بنبرة يابانية مع ان معظم الممثلين اما صينيون او ماليزيون من اصل صيني وعدد قليل هم من اليابانيين، والنتيجة حوار مثير للضحك في بعض الاحيان، فان كان الفيلم بالانكليزية فلماذا التعب وتحميل الممثلين عبء نطقها كما يفعل اليابانيون. وهنا فالاصالة اذا كانت هدفا لا تعني شيئا للمشاهد وللحقيقة التي تحاول الرواية تجلياتها، فواضح منذ البداية ان مؤلفها غولدين كان يرغب في اكتشاف الحياة الحقيقية لفتاة الغيشا، الطقوس، والشروط والرموز المختلفة كطريقة للكشف عن السياق الاجتماعي، ومن هنا كان غولدين معنيا برسم ملامح الحياة الاجتماعية في تفاصيلها التي يعبر عنها هذا القطاع من الناس. مارشال اكتفي باللقطات الهادئة ورسم الاجواء الداخلية التي يتحرك فيها الابطال، حتي الرموز التي ترتبط بالغيشا مثل ثوب الكيمونو وطريقة تصفيف الشعر ووضع المكياج لم تكن اصيلة في اقترابها من تقاليد هذا العالم. وفي اللحظة التي بدت فيها الغيشا علي مقربة من الحصول علي اعجاب الجميع في رقصة جميلة، تسقط منفوشة الشعر، بعيدة كل البعد عن الجمال. ويبدو العالم الذي يصوره لنا مارشال عالما ينشغل فيه الابطال بمشاكلهم، لا مجال فيه للحب او العطف او الحنان. روب مارشال فنان بني رصيده علي ترشيحه في الفيلم الموسيقي المعروف شيكاغو ، ولكن الموسيقية او الشعرية في هذا الفيلم ليس واضحة، لا اغاني او مؤثرات موسيقية قوية. يتابع المشاهد تطور او نمو الشخصية الرئيسية (تلعب دورها في مرحلة الشباب الممثلة تزي زانغ)، فيها، مشاعرها نحو الرئيس الذي انقذ حياتها بنبله، تتابعه مع مرشدتها الجديدة ويتابعها بخفر وحياء، نعرف ان الغيشا يجب ان لا تعبر عن مشاعرها او تقع في حب من الراعين لها او الذين يقدمون لها الحماية، ولكن غيشا غولدين تقول في واحدة من مفكراتها ان الغيشا يمكن لها الرقص، والغناء والترفيه عن الزبون.. اما بالنسبة للامور الاخري ممارسة الحب فستظل اسرارا وظلالا. وفي حالة بطلتنا، هل مارست الحب مع زبائنها، والجواب يظهر نعم، ربما مارسته مجبرة، كما في حالة رجل الاعمال الكبير الذي دعاها الي مزرعته او لمساعدة الرئيس الذي حماها في صغرها او كبيرة. ولكن المؤكد اكثر ان عذريتها وضعت في المزاد لمن يقدم اكثر، وفي وقتها بيعت عذريتها بعشرة الاف ين، وعندما ترجع الي بيت الغيشا تقول صاحبة البيت لقد اصبحت غيشا حقيقية ، وهذه اللحظة احدثت تحولا في حركة الفيلم لم تطل، فيما ظل مارشال يدور في محاولات رسم صور عن قصة حب رومانسية بظلال تاريخية. وبعد هذا تصبح تشيو في عهد سيدة مجربة في المجال هي ماهيما (تلعب دورها ميشيل يو)، تقدمها الي عالم رجال الاعمال والاغنياء وتصبح اشهر غيشا في المدينة، وفي هذه المرحلة يصبح اسمها سايوري . وحتي عند هذه النقطة يتساءل المشاهد كيف دخلت ماهيما الي الفيلم، نعرف ان سيدة البيت لم تكن مرتاحة لرؤية ماهيما ولكنها بعد ذلك وافقت علي شروطها، والسؤال الذي يطرح هي ما هو مبرر ظهورها، المخرج لا يجيب علي السؤال، فماهيما تصبح منذ هذه اللحظة شخصية محورية في الفيلم، فهي التي تقود خطوات ترويج وتسويق سايوري الي جمهور مختلف، وتنجح في جعلها غيشا يرغب بصحبتها كل الرجال الاغنياء في المدينة.التحول الاخر، في السرد وحركة الفيلم يحدث باندلاع الحرب العالمية الثانية، وقدوم الامريكيين، حيث تتغير صور الحياة، بالنسبة لسايوري فانها تنقل من المدينة الي قرية بعيدة، تعمل في صبغ الملابس، ويصبح عالم الغيشا بالنسبة اليها ماضيا لا يعود. اما من بقي من ظلال الغيشا، فاؤلئك النسوة اللاتي اخذن يرفهن عن الجنود الامريكيين، ولكن علي اصوات فرانك سيناترا، والموسيقي الامريكية الراقصة. الامريكيون يظهرون في خلفية المشاهد اكثر من اليابانيين، ولكنهم حائرون ولا علاقة لهم بالمكان. بالنسبة للمعلمة ماهيما تغلق منزلها اوكياوا وتحوله الي نزل. في هذه اللحظة يحضر رجل الاعمال الذي يحب مراقبة مصارعة السومو اليابانية، ليطلب من سايوري طلبا واحدا وهو الترفيه عن جنرال امريكي يحاول استخدامه لكي يعيد بعضا مما ضاع منه من مركز ومال. تبرير رجل الاعمال الياباني ساذج، وعاطفي حيث قال محاولا اقناع سايوري نريد ان نظهر للامريكيين كيف يكون الياباني كريما ، والكرم بالنسبة لرجل الاعمال يتعدي مهمة الترفيه والامتاع في الجاكوزي بل يدفعها الي ان تمنح جسدها للامريكي الغريب. وفي النهاية يكشف المحب المعذب الرئيس في هذه الحالة عن سايوري مع الجنرال في الفراش، وفي اللحظة التي تتخلص فيها سايوري من ذكريات الحبيب الذي عاش معها، في مراحل نموها، في مشهد عاطفي مليودرامي، حيث ترمي فوطة حملتها معها منذ اللحظة التي التقاها فيه عند الجسر، يظهر الرجل النبيل لينقذها في مشهد ايضا مليودرامي اخر. الفوطة التي حملتها سايوري معها منذ تلك الحادثة عند الجسر، كانت سببا في حريق اندلع في بيت الغيشا عندما حاولت هاتسومومو ابتزازها بشأنها في معركتها لتدمير الغيشا التي نحتها عن عرش السيطرة في البيت.مارشال اراد تقديم حكاية حب جميلة عن غيشا دورها يقع في منطقة رمادية بين العهر الحقيقي/ بيع اللذة و نبل المهنة ، ويذكر بفيلم امرأة جميلة لجوليا روبرتس وريتشارد غير. اما البقية، فالحكاية لا تخرج عن عاديتها، عن فتاة صغيرة تقع في حب شخص غريب وتلتقي به، وهذا لا يحدث الا في الافلام او الروايات العاطفية القديمة. واذا كانت غيشا، غولدين قد تعرضت للانتقاد لانها لم تصور العالم الحقيقي الذي تعمل فيه الفتيات في هذه المهنة القديمة، فان غيشا روب مارشال تطرح اسئلة حول اصالتها، مع ان الاصالة او البحث عنها كانت في مركز الفيلم. والمشاهد يخرج بمشاعر متناقضة، عن طبيعة الفيلم وماهيته، ويتساءل عن القصة فيه، وهل المشاهد الجميلة، والصور، والملابس الزاهية، والزهور ولون البحر، وغموض المدينة كاف لصناعة قصة او فيلم جميل؟ هل شاهدنا في الفيلم صورة عن اليابان في الثلاثينات والاربعينات التي غنت فيها ورقصت الغيشا؟ الجواب يظل ايضا غامضا، فبين الصور القاتمة في البداية والصور الجميلة للحدائق والبيوت والرجال بالملابس الغربية، لم نفهم شيئا عن سر اليابان التي كانت في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية في وضع قوي ومتقدم. مذكرات غيشا واحد من افلام موسم عام 2006 السينمائي الذي بدأ في لندن، بعرض عدد من افلام هوليوود ـ بلاكباسترـ سام مينديز جار هيد ، وروب، وميونيخ ستيفن سبيلبريغ… وهناك في جعبة هوليوود هذا العام عدد من الافلام التي قامت علي روايات شعبية، فتوم هانكس سيلعب دورا في فيلم شيفرة دافنشي الذي يعتبر من اشهر الكتب التي قامت علي نظرية للمؤامرة تتعلق بولادة السيد المسيح عليه السلام، ومن اكثر الكتب شعبية في الاعوام الماضية. غيشا باللغة اليابانية، لا تعني فتاة لذة بل تعني الفنانة الماهرة ، وعليه تتلقي الفتاة التي تعمل في هذه الحرفة تدريبا مركزا، علي الحوار، الرقص والغناء، والاتيكيت الاجتماعي، ووسائل لمواجهة حيل الاخريات في المهنة. ولان الرجل في التقاليد اليابانية القديمة لا يخرج الي المناسبات العامة بمعية زوجته فبامكانه استئجار فتاة من الغيشا لمرافقته في هذه المناسبة او تلك.وقد اعادت رواية غولدين (1999) الاهتمام بهذه الحرفة. وبدأ اهتمام غولدين بالغيشا عندما التقي في طوكيو، بعد انهائه الدراسة في جامعة هارفارد، بفتاة قالت انها تنحدر من سلالة الغيشا. وقد ادي هذا اللقاء بغولدين للبحث ولمدة عشرة اعوام في تفاصيل ثقافة الغيشا التي كانت جزءا من السياق الاجتماعي الياباني، واعتمد في رواياته علي الحكايات التي روتها له مينكو اواساكي ، وجاءت الرواية كما اظهر الفيلم صورة عن حب بالصدفة.تقول سايوري ولدت وكبرت لكي اصبح غيشا في كيوتو، انا ابنة صياد من بلدة صغيرة اسمها يوريودو علي بحر اليابان . ويلاحق القاريء حكاية تشيو/ سايوري من ولادتها في قرية صيد يابانية الي بيعها مرة اخري في المزاد العلني بمبلغ كبير مقابل عذريتها (يعرف هذا باسم ميزويغ)، الي تقاعدها من المهنة، وذكرياتها عن الرجال الاغنياء الذين رفهت عنهم، ويلاحق غولدين خطوات الغيشا هذه في بيوت الشاي، والمطاعم، وكفاحها من اجل البقاء في عالم يتم فيه تدمير حياة الفتاة عبر النميمة والغيبة. وقد اورث غولدين مخرج الفيلم مارشال ضعفا في السياق الروائي، خاصة حب المصادفة، فحبها للرجل النبيل هو حب رمزي وغير حقيقي، اي غير ممكن في الحياة العادية. وقاريء رواية غولدين يجد انه في الجزء الاول من الرواية قادر علي جدل الحكايات وسردها بطريقة جيدة اما في الجزء الثاني فالسرد يبدأ بالتداعي ويظهر التعب علي الكاتب والقاريء والذي يقود الي الملل.ناقد من اسرة القدس العربي 0