فيلم ‘مشية العار’ لستيفن بريل: محاولة سيئة التنفيذ لرسم وجه مختلف للمجتمع الأمريكي

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من يارا بدر: تعرض ثلاث صالات سينما في بيروت منها ‘آمبير’ و’غراند سينما’ الفيلم الكوميدي ‘مشية العار- Walk Of Shame’ من بطولة ‘اليزابيث بانكس’ بدور مذيعة الأخبار ‘ميغان’ و’جيمس مارسدن’ بدور الشاب الذي تقضي معه ليلتها العابرة.
وإن كان تصنيف الفيلم في إطار الكوميديا الرومانسية، فهو يُخيّب آمال متابعيه، حيث يبدو حضور ‘ماردسن’ واهياً جداً على المستوى الدرامي. مُجرّد عذر أو حاجة درامية لبناء سياق يسمح لمخرج الفيلم وكاتب السيناريو ‘ستيفن بريل’ بقول ما يُريد من خلال مشية مذيعة نشرة الأخبار ‘ميغان مايلز’ في أحياء وشوارع مدينة ‘لوس أنجلس’، وحتى في أزقتها.
تستيقظ ميغان في منتصف الليل لتجد نفسها في سرير شاب غريب التقته مصادفةً بعد أن استسلمت لنصيحة صديقتيها المتهورة بالخروج والتسلية، علّها تمسح ذكرى يومها السيء، وقد خسرت ترقيتها الموعودة لصالح مذيعة أخرى، في ذات الوقت الذي تخلّى فيه خطيبها عنها.
ميغان التي يُقدّمها الفيلم في لقطاته الأولى، مذيعة جيدة تجيد ما تقوم به، على علاقة طيبة بأصدقائها، تنتمي لعائلة محافظة، قادرة على ضبط أعصابها والتركيز في عملها رغم الضغوط، جادة، وذكية. الذكاء بخاصة هو أكثر ما سنفتقده مع دقائق الفيلم المئة اللاحقة. إذ تكتشف ميغان حين تستيقظ ليلاً ولا تزال تحت تأثير الكثير من المشروب، أنّه لم يزل لديها فرصة للحصول على ترقيتها الموعودة، فتقرّر الذهاب إلى منزلها والاستعداد ليوم عملها الجديد، لكنها تخرج دون حقيبتها التي تركتها في سيارتها، لتجد أنّ السيارة تسحب بعيداً لأنها وضعت في مكان مخالف، ودون هاتفها بسبب قطة أخافتها في منزل الشاب، ودون مال. لتنطلق سلسلة من المغامرات التي تعتمد بشكل أساسي الحظ وسذاجة غير مُبرّرة وغير منسجمة مع شخصية ميغان كما قدمها المخرج في بداية العمل، وهي تُبرّر فقط بوصفها ذريعة درامية لتتابع كرونولوجيا السرد، ولإفساح المجال أمام المخرج لقول ما يريد عن ذلك المجتمع.

‘مشية العار’: عن أي مجتمع نتحدّث؟!

يُقدم بريل المجتمع الأمريكي بوصفه مجتمعاً شكلانياً، يحكم على الشخصيات من منظرها الذي توحي به، من لباسها، ومنظرها، وأي علامات خارجية ولو كانت رائحة الكحول التي يهاجم شرطيان ميغان بسببها وبسبب تواجدها في شارع للدعارة، فيقرّران أنها تعمل في هذا المجال ويرفضان الإصغاء لطلبها المساعدة. الشرطيان، كما كل من يعبر بسيارته ويتوقف لينظر إلى ميغان في ثوبها الأصفر الضيّق، السيدات في حافلة النقل وسائقة الحافلة، المُهاجر سائق التاكسي والرجل صاحب المحل، الصبي المراهق وحتى رجل الدين كلٌّ يبحث عن الأنثوي الذي يشتهيه في المرأة التي يراها أمامه حتى وإن كان صوتها، حيث نرى رجل الدين يطلب منها الغناء لينتشي بمتعة صوتها المُحرّم عليه بحكم التعاليم التي يتبعها.
وحدهم تجار المخدرات ينظرون إلى ميغان بشكلٍ مُختلف، ويحاولون مساعدتها. ميغان التي عوضاً عن أن تطلب تكسي أجرة حين امتلكت هاتفاً تقرّر الاتصال بخطيبها السابق!! ميغان التي تقضي ليلتها ويومها تجوب الشوارع المختلفة لم تفكر أنّه ربما حتى حقيبتها قد سُرِقَت، ولم تفكر حتى بأن تأخذ سيارة أجرة ثانية إلى مكان عملها، والتي ترفض الاتصال بأهلها رغم كل ما تعانيه، علماً أنّ عزلة الشخصية وانفصالها عن أهلها لا يتناسب مع ما قدمه بريل في بداية الفيلم، حين تعلّق والدتها على ملابسها ويكون رد ميغان بالشكر والاهتمام بترتيب ملابسها قبل ظهورها في نشرة الأخبار.
وفق النموذج الذي يعرضه بريل، فإنّ الشاب ساقي الحانة، الغريب تماماً والذي لا نعرف حتى نحن المشاهدين عنه شيئاً سوى أنّه يكتب في الحقل الروائي صباحاً، وهو كما يقول مهتم بـ ‘الدراما الرومانسية المُعاصرة’، ليس خطيراً الذهاب معه، وهو لا يشبه صور التحذيرات التي قدمتها أفلام أمريكية عديدة من الذهاب مع غريب دون علم أحد، وأنه لن يقوم بسرقة ميغان أو سرقة سيارتها وحتى منزلها، بل على العكس نجده مهتماً بمساعدتها، رغم أنّه حين يستيقظ صباحاً يجد صعوبة في تذكر اسمها!!
أزمات كثيرة تقع في فيلم بريل، هي أكثر عمقاً من مجوعة الأسئلة حول منطقيّة الأحداث وبناء الشخصيات وواقعيتها، لعلّ أوّلها اختياره للإطار الكوميدي أثناء محاولته تقديم نقد جاد لقضايا ربما، يعيشها المجتمع الأمريكي، خاصة وأنّ النقد الذي يعرضه بريل من خلال الصورة التي يرسمها لهذا المجتمع، هي صورة جديدة إن صحّ القول. إذ عبر محاولات عديدة فنية وأدبية وحتى دراسات نقدية وبحثيّة تمّ الحديث عن الفردية التي يعشيها الإنسان في المجتمع الأمريكي، وانتقاد ضعف حضور الأسرة في حياة الفرد.
وحتى النظام الفرداني الذي يقوم عليه الكثير من العمل المؤسساتي لا يغيب عن بريل انتقادها في آخر الفيلم حين يُعرض عمل جيد على ميغان ولكن يُطلب إلى مُنتجها الذي عمل معها طويلاً كمذيعة أخبار الابتعاد عن المشروع القادم.
إلاّ أنّ بريل يقول اليوم بشكلانيّة المجتمع الأمريكي، وبضعف حضور حس المساعدة الإنساني تجاه الآخر، لأنّ هذا الآخر- كما تقول احدى السيدات في حافلة النقل- غير محترم في ملبسه وعمله الذي تفترض أنّه الدعارة، فهل هذا هو المجتمع الأمريكي!! أليس الحلم الأمريكي بأنّ كل شخص يستطيع أن يحقق ما يحلم به لا يهم شكله أو أصله العرقي او الديني أو وضعه الاجتماعي أو المالي طالما هو جاد وقادر على العمل ؟!! وهل بتنا نتحدّث اليوم عن معايير أخلاقية مُعينة يُطالب الفرد في المجتمع الأمريكي التقيّد بها؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية