فيلم «ملح الدموع» للفرنسي فيليب غاريل: الحب كمسألة تفصيلية!

حجم الخط
0

■ ينقل الفرنسي فيليب غاريل في أفلامه الأخيرة حكايات تبدو متسلسلة، شكلاً ومضموناً، فهي مصورة بالأبيض والأسود، بأسلوب مايزال مخلصاً فيه غاريل «للموجة الجديدة» الفرنسية، بتصوير واقعي، في الشوارع ومع الناس، وباريس حاضرة دائماً، بميزانية صغيرة وممثلين غير نجوم. هذا شكلاً، أما موضوعاً، فهي قصص، أو مجتزآت من قصص حب، علاقات تنتهي وتبدأ، تتداخل وتتعدد، والتعدد هذا حاضر في أفلامه الأخيرة في أكثر من قصة/فيلم.
هنا، في فيلمه الأخير (شارك في مهرجان برلين السينمائي الأخير في فبراير/شباط، ونزل أخيراً إلى الصالات الفرنسية)، يواصل غاريل أسلوبه تصويراً وكتابة، بعد أفلامه «عاشق اليوم الواحد»، 2017، و«ظل النساء»، 2015، و«الغيرة»، 2013، وبعض الأفلام السابقة لها، في مسيرته الفيلمية، فينقل قصة حب أو قصص حب، أو هو ليس حباً تماماً كما يصرح الراوي الذي نسمع صوته في «ملح الدموع»، فتكون مقاربة غاريل الأخيرة سؤالاً عن الحب، عن طبيعته، عن متى يبدأ ومتى ينتهي؟ متى يكون رغبة ومتى يكون نزوة» ومتى يكون مسؤولية ومتى يكون فعلاً حباً خالصاً؟ وتكون المقاربة كذلك، في فيلمنا هنا، سؤالاً عن التعدد، عن الخيانة، عن الإخلاص، عن الجنس وعلاقته بالحب، عن استقلالية الجنس عن الحب، وكذلك استقلالية الحب عن الجنس.. هذه كلها مقاربات نقلها غاريل بدون تعمق، لكن بدون تسطيح. أتت في فيلمه كما أتت أسئلته الأخرى المجاورة لهذه، في باقي أفلامه الأخيرة. أتت هشة ومرهفة، كما هو الحب فيها وكما هي شخصيات هذه الأفلام، شباب وصبايا في عشرينياتهم، مايزالون يتلمسون الحب بمعانيه المعقدة في المجتمع الباريسي الراهن.


لوك، القادم إلى باريس من الريف، يلتقي بجميلة، في محطة الباصات، يتحادثان. تنشأ بينهما علاقة لم يتخللها الجنس. هي ترفض ذلك، لكنها تتعلق به، وهو كذلك كما بدا، لكنه يصر على الجنس. كان قدومه إلى باريس من أجل مسابقة في كلية مهنية ستخرج نتائجها خلال أشهر. يبتعد إذن عن جميلة ويعود إلى قريته، حيث يسكن مع أبيه وينتظر النتائج.
هناك، يلتقي بزميلة سابقة هي جانفييف، يقيم علاقة جنسية معها، سريعاً، بشكل أتى نقيضاً لعلاقته بجميلة. تخرج النتائج ويخبر جانفييف أنه فاز، وأنه سيذهب إلى باريس للدراسة، تخبره أنها حامل منه، يرفض الاعتراف بذلك، يتركها ويذهب إلى المدينة التي سيقيم فيها علاقة مع ثالثة، ممرضة يتعرف إليها عرضاً، صديقه يسأل فتاة التقاها في مقهى إن كانت تقبل الخروج معه، ثم يسألها (ولم يكن مازحاً) إن كان لديها صديقة يمكن أن ترافقهم فصديقه سيكون معه. وهنا يبني لوك علاقته مع بيتسي.
هذه العلاقة الأخيرة، مع بيتسي، تقلب على لوك منطق العلاقات الذكوري الطائش الذي كان يتبعه في علاقاته مع الأخريات، مع جميلة وجانفييف مثلاً. كأنها انتقمت لهن منه.
زامنت بيتسي علاقتها المتكاملة مع لوك (جنس وحب) بعلاقة جنسية بين وقت وآخر مع زميل لها في العمل، دعته لينام لأيام في بيتها وبرفقة لوك. واجهته صراحة بذلك كأنها ترد له إهانته لكل من جميلة وجانفييف، كأنها تلقنه درساً في الألم، ألم العشاق. واضطر للقبول إن أراد البقاء معها.
يبدو الفيلم، في قسميه الأول والثاني، أي العلاقة مع كل من جميلة وجانفييف، ممهداً ومؤدياً لقسمه الثالث، العلاقة مع بيتسي، كأن العلاقتين أتتا لتفهما لوك، في الدرس الذي تلقاه من بيتسي – وبيتسي هذه تحبه ولم تقصد إيذاءه، بل عاشت حياتها وشخصيتها كما تريد- تفهماه أن الحب لا يكون بالإيذاء المتعمد، كما فعل مع الفتاتين، الأولى هجرها لأنها رفضت ممارسة الجنس معه، والثانية هجرها لأن ممارسة الجنس معها أدت إلى جنين. بيتسي لم تؤذه، لم تتقصد ما تقصده هو مع غيرها – وهي لم تعرف بها بالمناسبة – بل واصلت حياتها بتلقائية، بما يعتبره هو إيذاءً، بما اضطر للتعايش معه لرغبته كانتهازي في البقاء معها. هذه الرغبة هي التي كانت لدى كل من جميلة وجانفييف، وقد تأذتا منه، من أنانيته. كأن «الكارما» أتت له ببيتسي التي أرته بدون أن تقصد، أن العلاقات المتعددة إن كانت، فلتكن له ولغيره كذلك.
لم يدخل الفيلم (Le Sel des larmes) عميقاً في معنى الحب، وتعدد العلاقات وإقامة علاقات على أخرى، وهو أسلوب غاريل على كل حال، إذ ينقل قصص الحب برهافة إنما قادرة على حمل مسائل متشابكة كهذه، فكانت العلاقات المتتالية والمتشابكة في هذا الفيلم، أقرب لتفاصيل يومية تأتي وتمر وتبتعد، كأنها لم تكن.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية