فيلم «منتجع البحر الأحمر للغوص»: اللاجئون الفلاشا… ومفارقة سينمائية متهافتة

حين تقع السينما في مغالطة أو مفارقة بُغية خلق مقولة زائفة، فإنها بلا شك تخرج عن رسالتها التي تقوم على تكريس العالم، بوصفه نموذجا إنسانياً، فالإنسانية لا يمكن أن تُجزأ أو أن يُنظر لها من خلال وجهة نظر مبتورة، أو موجهة تبعاً لسياق أيديولوجي معين. ولعل هذا ما يمكن أن نعثر عليه في الفيلم الذي عرض مؤخراً في صالات السّينما بعنوان «منتجع البحر الأحمر للغوص»
( The Red Sea Diving Resort) من إنتاج مشترك: كندي أمريكي، وتوزيع شبكة نتيفلكس، في حين قام بإخراج الفيلم وكتابته المخرج الإسرائيلي جدعون راف، وتولى البطولة كريس إيفانز – (كابتن أمريكا) – أحد أهم أبطال سلسلة أفلام «المنتقمون» الذي تنتجه شركة مارفل.
يزعم صانعو الفيلم أنه مقتبس من أحداث حقيقية، حيث تقوم الحبكة على مجموعة من رجال (الموساد) الذين يقومون بعملية استخباراتية تتخذ من منتجع للغطس على ساحل البحر الأحمر في السودان مكاناً لتغطية محاولة تهريب مجموعات كبيرة تقدر بالآلاف من اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى (الكيان الصهيوني) عن طريق البحر الأحمر على شواطئ السودان، حيث تنقلهم قوارب إسرائيلية، بينما يقوم رجل – من الفلاشا- بالتنسيق مع (الموساد) لتهريب هذه المجموعات من إثيوبيا إلى السودان.
ينفتح الفيلم على مشهد عملية صغرى لتهريب بعض العائلات من يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى السودان بقيادة عميل الموساد «آري» وصديقه الطبيب، ولكن العملية تتعرض لهجوم مجموعة عسكرية من الجيش الإثيوبي، وهنا يضطر «آري» للتضحية بنفسه كي يعيد طفلاً تائها إلى أمه، غير أن هذه العملية لا تكتمل، حيث تداهم الشرطة معسكر التجمع، ويتم القبض على «آري» وصديقه، ولكن يُفرج عنهما من خلال تدخل أحد رجال السفارة الأمريكية. يعود «آري» إلى إسرائيل، ويُفاجأ بأن ابنته الصغيرة لم تعد ترى والدها الغائب جزءاً من العائلة لانشغاله الدائم، حيث تخلو الصورة التي رسمتها من الأب، ولكن الفتاة تعيد رسم الأب بعد أن ينجح في مهمته في نهاية الفيلم، وهكذا يظهر «آري» بوصفه الأب والبطل والعنيد الذي لن يتخلى عن اللاجئين، فيسعى إلى إقناع الموساد والحكومة بإعادته مع فريق- يختاره بعناية- ليقوم بمهمة تهريب أكبر عدد من اللاجئين من إثيوبيا إلى السودان، وهو هنا ينطلق من مقولته التي جاءت في المشهد الافتتاحي، ولاسيما عند إنقاذ الطفل الصغير (بأننا لن نترك أحداً خلفنا).

يلجأ الفيلم إلى تصوير الفساد الحكومي في السودان ممثلاً بالرشى التي يتقبلها المسؤولون عند قيام المجموعة الاستخباراتية الإسرائيلية باستئجار المنتجع، أو السعي إلى بيان الانفصام القيمي والفساد الذي ينخر الدولة.

لا شك في أن ثمة عدداً من العناصر التي سعى الفيلم إلى العمل عليها، ومنها تعميق عوامل أنسنة الموضوع، وجعله أشبه بقضية عادلة، ومنها أن (آري) ينتمي إلى عائلة مهاجرة عانت من اللجوء، والاضطهاد، يضاف إلى ما سبق جموح «آري» وإيمانه بأن لا شيء مستحيل، فهو متهور وجريء ومخاطر، فالعلمية المقترحة تعدّ أمراً شبه مستحيل، لكن نبالة الفعل، وإنسانيته دفعت المؤمنين بها لتحقيق نوع من المعجزة، وهذا ما جعل من مقترح «آري» ضرباً من الجنون، ومع ذلك، فقد وافق وزير دفاع العدو على هذا العملية، وهنا يمتزج الفعل البطولي بالقيم الإنسانية لخلق نوع من الأسطرة لقيم الدولة المحتلة، بالتضافر مع تصوير أحوال اللاجئين اليهود السيئة، وحلمهم بالوصول إلى أرض الميعاد (القدس) بوصفها خلاصاً لهم.. وهنا تبدو الصيغ اللغوية غارقة في فضاء ثقافي يسعى إلى تكريس نموذج من الحقيقة، بأن فلسطين ما هي إلا أرض تخلو من السكان، أو أنها بلا شعب، حيث يخلو الفيلم من أي إشارة للفلسطينيين الذين يبدون لا مرئيين على مستوى الصورة والخطاب، حيث لا نجد لهم أي حضور، سواء في المشاهد التي صورت في فلسطين، أو حتى في الألفاظ اللغوية على لسان الشخصيات، بل لا يوجد أي إشارة إلى تمثيلهم بوصفهم لاجئين، وكأن الكيان الصهيوني وجود أصيل لا يعاني من مقاومة تاريخية وعملية، تقوم على رفض وجودهم الكولونيالي. ولعل هذا التمثيل السلبي لتجاهل الآخر، ربما يتوافق مع نهج الفيلم الذي يقع جزء كبير من أحداثه في السودان- إبان حكم الرئيس النميري – ومن ثم الانقلاب السياسي، والتحولات التي زامنت تلك العملية الاستخباراتية.
يلجأ الفيلم إلى تصوير الفساد الحكومي في السودان ممثلاً بالرشى التي يتقبلها المسؤولون عند قيام المجموعة الاستخباراتية الإسرائيلية باستئجار المنتجع، أو السعي إلى بيان الانفصام القيمي والفساد الذي ينخر الدولة، حيث يتناول المسؤولون الخمر المخبأ في مكاتبهم، أو عبر تصوير رغبة بعض قادة الجيش بالقتل والتنكيل باللاجئين الإثيوبيين، وغير ذلك. وهنا نرى أن نمط التمثيلات تبدو في مجملها سلبية، حيث يبدو السودان بلداً فاسداً، يخلو من أي قيم، منفلتاً، أو شبه منهار. فالسودان هنا كيان لا يمكنه أن يتحدث أو يعبر عن نفسه، بل إن هذا البلد يبدو مسرحاً يخلو من أي حضور لمفهوم الدولة، حيث تتمكن المجموعة الاستخباراتية الإسرائيلية من خداع الجميع، وخلق نوع من المفارقة الساخرة عبر إرسال مجموعات سياحية حقيقية للاستمتاع بالغطس، والقيام برحلات ونزهات بحرية في المنتجع، ما يعني التصرف بحرية تامة؛ ليشكل هذا المسلك نوعا من التغطية الذكية، غير أن تحولاً يطرأ بعد أن يخترق «آري» بشاحنة التهريب حاجزاً عسكرياُ في إحدى العمليات، ليبدأ بعد ذلك الاشتباه بما يجري في المنتجع. تصور القوى العسكرية المحلية التي تقوم بالدوريات على أنها ساذجة، حيث تفتقر للخبرة، ويسهل خداعها، حتى أنها تشتبك في العملية قبل الأخيرة، ولا تتمكن من إصابة سوى رجل واحد من أفراد القوات البحرية الإسرائيلية، التي تتسلل إلى شواطئ البحر الأحمر. بعد انكشاف عملية التغطية، يضطر الفريق الاستخباراتي اللجوء إلى التهريب عبر طائرة من مطار مهجور، وهي العملية الأخيرة، التي ينبغي من خلالها تهريب أكبر عدد من اللاجئين، بالإضافة إلى الفريق الاستخباراتي الإسرائيلي.

توقيت هذا الفيلم وإصداره يتزامنان مع حدث معاصر حيث تعرض المهاجرون الفلاشا مؤخراً إلى تمييز عنصري في دولة الكيان الصهيوني؛ ما أحدث الكثير من الاضطرابات التي تهدد المقولات الزائفة لمعنى الوحدة الدينية والعضوية للكيان الصهيوني

في هذا السياق يلاحظ ذلك التعاون بين آري وصديقه الدبلوماسي الأمريكي، الذي يتردد بداية في مساعدة «آري» ، غير أنه سرعان ما يتمكن لاحقاً من توفير طائرة للتهريب، بعد أن يحصل على تصريح من القيادة العليا في الولايات المتحدة، تتيح استخدام طائرة عسكرية أمريكية، وهنا نقع على نموذج من نماذج تصوير العلاقة البنيوية – يهدف الفيلم إلى تكوينها – بين الولايات المتحدة وإسرائيل، غير أن الفيلم لا يلجأ إلى هذا النسق بوصفه فعلاً سياسياً أو عسكرياً لوجستياً وحسب، إنما يسعى إلى ربطه ببعد إنساني يتمثل بإيمان الولايات المتحدة بالفعل، الذي تقوم به إسرائيل، وهنا تكمن مفارقة أخرى، حيث إن مقصد الفيلم الرئيس ينهض بشكل محوري على محاربة ويلات اللجوء في العالم، كما يتضح من التعليق الذي يوضع في نهاية الفيلم حول أعداد اللاجئين في العالم، غير أن صانعي الفيلم يتناسون أن الكيان الصهيوني – بمساعدة الغرب- قد أحدث أكبر جريمة لجوء في العالم، حيث هُجر شعب بأكمله من وطنه، فضلاً عن ما عاناه من قتل وتدمير، وهكذا تتحقق المفارقة، فالحقائق التاريخية يتجاهلها الفيلم بغباء، فحقيقة مشكلة اللجوء تعدّ أكثر وجاهة في التعبير عن مضمونها، عندما تحكي قصة شعب هجر من وطنه التاريخي بهدف توطين شعوب أخرى لا تمتلك حق الاستيطان في هذه الأرض، وهنا ننتقل إلى مفارقة أخرى، ففعل تهريب الفلاشا لا ينهض على نموذج إنساني زائف وحسب، إنما ثمة أيضاً نموذج خطابي لغوي ديني يستقي من مقولة (أرض الميعاد) ذخيرة تعبيرية، فحلم العودة وعبارات العودة إلى القدس تنتشر في الحوار بصورة واضحة على لسان الفلاشا اليهود، وهنا يسعى «آري» إلى عدم خذل أحلام هؤلاء المهاجرين المساكين، ولكن على حساب اقتلاع أصحاب الأرض الأصليين.
إن منهج التفكير الأمريكي يتطابق مع خلفية تاريخية تقوم على انتزاع الأرض من أصحابها، ومن ثم تحميل هذا السلوك نزعة الرغبة بمساعدة اللاجئين، إنها من أشد المفارقات إثارة للضحك والسخرية، غير أن هذا العالم المتحضر يكاد يغضّ الطرف عنها تبعا لتشوهات تاريخية، ومصالح إمبريالية، كما يحصل الآن في سوريا واليمن، حيث تدفع الشعوب ضريبة تقاطعات القوى الإمبريالية مع القوى الديكتاتورية. إن معاناة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية لم يكن الشعب الفلسطيني مسؤولاً عنها، إنها أخطاء وممارسات الغرب، وغالباً ما تستغل هذه الحادثة التاريخية لدعم الكيان الصهيوني على حساب الوجود الفلسطيني الذي بات وجوده نتوءاً تاريخياً، ينبغي محوه وتصفيته كي يستعيد هذا العالم توازنه، ولكن هذا لن يكون منطقياً أو غير قابل للتحقق كونه سوف ينشئ اختلالاً آخر.
توقيت هذا الفيلم وإصداره يتزامنان مع حدث معاصر حيث تعرض المهاجرون الفلاشا مؤخراً إلى تمييز عنصري في دولة الكيان الصهيوني؛ ما أحدث الكثير من الاضطرابات التي تهدد المقولات الزائفة لمعنى الوحدة الدينية والعضوية للكيان الصهيوني، وقيمه الديمقراطية؛ ولهذا سرعان ما تنادت الآلة الإعلامية في العلم لخلق هذا التوازن، والسعي لتلميع وجه هذا الكيان، ولا شيء أكثر تأثيراً من الفنون والإبداع لتكريس المقولات الأكثر إنسانية، غير أن هذه المقولة ولدت ميتة، كونها تناست القيم الأخلاقية الخاصة بحق الشعب الفلسطيني.
لعل هذا الارتباك في صنع الفيلم جعله متهافتاً في مقولته، وصيغته الفنية، حيث بدا فيها بطل الفيلم فاقداً لواقعية التكوين، ومحملاً بمقولات معلبة لم يتمكن المشاهد من تقبلها، فكافة طاقات الفيلم سعت إلى تصوير نموذج أقرب للتشكيل الدعائي السّاذج، في حين أن التصوير والإخراج كانا باهتين، أو موجهين بصورة فجة نحو متعالية خطابية مباشرة تسعى إلى أسطرة القوة الصهيونية، في حين أن باقي العناصر من تقنيات الإخراج بدت على قدر كبير من التّسرع في الإعداد، كون الفيلم يتطلع إلى نقل رسالة ما بإيقاع سريع، بغية تحقيق خطاب من النفاق لمجموعات (الفلاشا) التي أدركت أنها تعاني من عنصرية مقيتة. لا شك في أن العناصر السابقة جعلت الفيلم متهاوياً تجارياً ونقدياً، حيث حصل على تصنيف منخفض، ووجهت له الكثير من الانتقادات من قبل النقاد، الذين وصفوه بأنه عمل مخزٍ، وينطوي على الكثير من الهفوات والمبالغات، فضلاً عن افتقاره للحرفية والمهنية، والأهم فشله في تحقيق رسالة إنسانية بدت مجهضة كونها تقوم في الأصل على خرق القيم الإنسانية.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية