منذ ظهور ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي وانتشاره قبل أشهر على صعيد واسع، بدا أن العالم يتهيأ لمنعطف، أو تحولات جديدة قد تبدو للمراقب، الأكثر جدلية في التاريخ البشري، من منطلق أن التقدم البشري يبدو متسارعاً على نحو غير مسبوق، فخلال مئتي سنة بدا أن البشرية تتقدم نحو شيء لا مُدرك، أو ربما غير مُتعيّن، فهل يمكن أن يقود هذا التسارع إلى السيطرة الكاملة والشمولية على كل شيء، وتجاوز محدوديات تتصل بالمرض والموت والمناخ والفقر.. نحو تحقيق مزيد من القوة والاستمرارية؟ أم ربما يقود إلى فناء الإنسان!
ولعل السينما من أهم الوسائل التي تسعى لأن تعبر عن قيم هذه التحولات، ومن ضمنها فيلم «مهمة مستحيلة» الجزء السابع الذي يقدم مقاربة مغايرة ضمن تشكيل يمكن وصفه بأنه جديد قديم على نحو واضح. إذ يتجلى التشكيل الجديد في الفيلم من خلال استثمار مفهوم الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية جديدة، وهي الصيغة التي بدأت تعيها صناعة السينما في أكثر من فيلم، حيث طفقت تقدم لها قبل سنوات على نحو يتصل بوجه خاص بمفهوم الإنسان الآلي أو الروبوت، كما التعاطي مع قيم الذكاء الاصطناعي، وأدواته المختلفة، وأثرها في الإنسان، ولكن هذا لم يكن سوى نوع من أنواع التكهنات، ولكن الأمر الآن اختلف، إذ بات الذكاء الاصطناعي جزءاً من وجودنا اليومي، بل أصبح يشكل عوالمنا، ويثير الكثير من الجدل.
الإضافة الجديدة
تنهض مقولة الفيلم على جزئية الذكاء الاصطناعي، حيث يسعى صانعو الفيلم إلى بيان المخاطر التي تتهدد العالم نتيجة هذا الوجود، من هنا تبرز قيمة الصراع على من يمتلك هذه الأداة التي تتيح له أن يتحكم أو يسيطر على العالم بأكمله؛ ما يعني مركزية السيطرة القائمة على المعرفة، ولهذا سنجد أن ثمة أطرافاً عدة تسعى إلى امتلاك المفاتيح التي تقود إلى الذكاء الاصطناعي، فتبرز رمزية واضحة تتصل بامتلاك مفتاحي الذكاء الاصطناعي كناية عن وجهين: الخير والشر، في حين أن الفيلم ينتهي إلى تحقيق الهدف المنشود في امتلاك الجزأين أو المفتاحين، ولكن الفيلم يبقى مفتوحاً على المستقبل، ولاسيما ما يمكن أن يحققه الذكاء الاصطناعي من مخاطر أو فوائد تبعاً لتعاملنا معه.
ولعل صيغة الذكاء الاصطناعي التي عبر عنها الفيلم جاءت ضمن مفردة تحتمل شيئاً من الغموض، ونعني «الكيان» الذي يكمن تحت الماء لا يمكن الوصول إليه إلا عبر هذين المفتاحين، فبدا محط تنازع بين جهات مختلفة تتصل بالمؤسسة الاستخباراتية الأمريكية، كما جهات عدة لتأسيس مقولة الفيلم المتصلة لا بمركزية السيطرة على مفتاح الكيان، لما يشكله من خطورة، إنما ما ينتج عن التحكم بهذا الكيان في حال وقع تحت سيطرة جهات غير مسؤولة. وهكذا تؤطر دلالات واضحة بمدى الجدل الذي يمكن أن يحيط بمخاطر الذكاء الاصطناعي ما يعني إحالات لمستقبل غامض في كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد.
دلالات مستمرة
تتصل قيم المشاهدة والأحداث التي تدار في صراع متعدد الأقطاب، وهو ما يتجلى بفلسفة الفيلم التي نشأ عليها منذ الجزء الأول، وهي ثيمات وأساليب قارة في تكوين سلسلة هذا الفيلم، حيث تتمحور حول قيم الجاسوسية، ومخاطر تتهدد العالم، مع المحافظة على أسلوبية مستقرة، ومن ذلك قيم تبديل الشخصيات والتضليل، علاوة على اختراق بعض الأماكن المحصنة، كما المشاهد الجريئة التي يؤديها توم كروز على الواقع، مع إحالات لوقائع تتعلق بأجزاء سابقة من الفيلم، حيث يكمن الماضي على نوازع شخصية البطل، وذاكرته، مع محاولة تضمين بعض القيم الإنسانية كما العاطفية في ما يتعلق بهذه الذات.
غير أنّ بين ثنايا هذه الثيمات المتكررة ثمة مدلولات أخرى عميقة، أو غالباً ما تكون ثابتة، ترتبط برؤية الوحدة التي أنشأها قطاع من جهاز المخابرات الأمريكية. فهذه الفرقة أو المجموعة تؤمن بموقعها أو منطلقها الفلسفي الوظيفي، من حيث الحرص على القيم الإنسانية، ومحاربة أي تهديد للأمن العالمي، أو الإنساني برمته، فعلى الرغم من أنها ترتبط بالمؤسسة، غير أن النمط أو النسق غالباً ما يظهر حين يحصل تقاطع أو مفارقة بين تحقيق مصلحة الوطن أو إرادة المؤسسة أو جزء منها – ربما يكون فاسداً- على حساب القيم الإنسانية، ومن هنا تتحد البوصلة الأخلاقية للبطل «إيثان هانت» ذلك أن قرارته في معظم الأحيان تتسبب في مواجهة مع القيادة أو المسؤولين المباشرين عنه، في سياق لحظة اختيار أو اختبار أخلاقي، فهو غالباً ما يواجه تحدياً أو ملاحقة لا من الأعداء فحسب، إنما من المؤسسة التي ينتمي إليها، بل قد يؤطر هذا البطل دائما ضمن مقولة الخائن إلى أن تثبت براءته، وهذا يجعله ملاحقاً من أطراف متعددة.
حمل الجزء السابع عنوان «مهمة مستحيلة: تقدير الموقع» أو «الوجهة الأخيرة» وعلى ما يبدو تتصل بعض خيوطه بالجزء الذي صدر عام 2018 بعنوان «مهمة مستحيلة: سقوط» غير أن الجزء الأخير بقي غير مكتمل، حيث اقتصر الصراع على الحصول على مفتاح الذكاء الاصطناعي، في حين يتوقع أن يشهد القسم الثاني من الجزء السابع ظهورا أكبر لقدرات هذا الذكاء، ومحاولات السيطرة عليه. يشار إلى أن الجزء الأخير جاء من إخراج ماك كويري الذي أخرج بعض الأجزاء السابقة، مع حضور مجموعة من أبطال الأجزاء السابقة، في حين اتسم الفيلم بارتفاع كلفة إنتاجه، وبلغت أكثر من 291 مليون دولار، وبناء عليه فإنه يعدّ الأعلى تكلفة في هذه السلسلة، غير أنه حقق أيضاً إيرادات عالية، في حين كان تصوير الفيلم في بلدان منها النرويج، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، والإمارات العربية المتحدة.
خصوصية التلقي
على مستوى التلقي فقد واجه هذا الفيلم منافسة شديدة نتيجة تزامن صدروه مع عرض فيلم المخرج كريستوفر نولان، ونعني فيلم «أوبنهايمر» الذي امتصّ شيئا من زخم تلقي فيلم «مهمة مستحيلة» إذ صدر الفيلمان تقريباً في توقيت واحد، وعلى الرغم من ذلك فإن فيلم «مهمة مستحيلة» لديه جمهوره العريض الذي دائما ما كان يترقب عرض الجزء الجديد.
يمكن القول إن من عوامل نجاح الفيلم، بالإضافة إلى ما ذكرناه، ابتكار الثيمة الجديدة التي تتصل بالكيان أو الذكاء الاصطناعي، والحرص على الإطار التاريخي ضمن الوفاء لقيم الكلاسيكية التي حافظ عليها صانعو الفيلم، ومن ذلك الموسيقى والنسق، كما الشخصيات، فحضور الممثل توم كروز يبدو جزءاً من معادلة النجاح، فهذا البطل الذي اشتهر في الثمانينيات مع فيلم «كوكتيل» ومن ثم «توب غن» ومن ثم استطاع أن يتجاوز عقدة وسامته ليقدم أداء لا ينسى في فيلم «مولود في الرابع من يوليو» عن حرب فيتنام، الذي رشح فيه لجائزة الاوسكار سنة 1989، ومن ثم أتبع ذلك عددا من الأفلام الدرامية كي يتحول بعد ذلك إلى التركيز على أفلام المغامرات والإثارة، فتتوالى بعد ذلك نجاحاته ضمن رؤية ومنهجية واضحة أو يمكن القول بأنها مدروسة بعناية.
عند العودة إلى الجزء الأخير من الفيلم تبدو دائما المسارات السردية، أو الأحداث في حالة تقاطع نتيجة التضارب في المصالح، حيث الكل يعاني من فقدان الثقة، غير أن تركيز صانعي المسلسل لم يغفل تضمين بعض القيم الإنسانية التي تبدو جزءاً من محاولة بناء إنساني لشخصية هذا العميل، وهي شخصية تفارق السائد أو المعروف، كما نعهدها في شخصية العميل البريطاني «جيمس بوند» الذي يعتمد مقاربة أخرى، أو بوصفه من مخلفات حقبة الحرب الباردة، فهي أقرب إلى شخصية شجاعة أنيقة، كما أنه يعدّ زير نساء، غير أنه غير متعيّن إنسانياً، حيث تتجدد الشخصية بطابعها الوظيفي لا الإنساني؛ لذلك تستمر الشخصيات عبر ممثلين مختلفين، كما أن هذا العميل مسكون بالولاء للنظام الاستخباراتي البريطاني، في حين أن بطل مهمة مستحيلة «هانت» يبدو أقرب للبطل المتهور والجريء، غير أنّ هذه الشخصية – حسب ظني – ستنتهي بانتهاء وجود «هانت» الذي يتميز بوعي إنساني حساس ينهض على قيمة التضحية بالنفس، للمحافظة على العالم، كما المحافظة على حياة أصدقائه، ومن يحب، ولاسيما النساء اللواتي ارتبط معهن في أجزاء مختلفة، ومن ذلك فقدان زوجته في جزء من الأجزاء السابقة، ولهذا نرى أن حساسية الشخصية تكمن بأن كل من يقترب منها سوف يتعرض إلى الموت؛ ما يشكل نوعاً من العقدة لدى هذه الشخصية التي على ما يبدو أنها قررت أن تنقطع عن كل شيء، سوى أن تقوم بواجبها للمحافظة على أمن العالم وسلامته، وهو ما يقع ضمن مقولة الجندي المجهول، وهو مبدأ يحكم الفرقة التي تحرص كل الحرص على حماية بعضهم بعضا.
تكمن معضلة الفيلم في خلق العدو، فحيناً يصور العدو منشقاً ضمن سلسلة بلدان الاتحاد السوفييتي المنحل، وحيناً آخر يكون تنظيماً سياسياً، أو رجل أعمال يبحث عن السيطرة والهيمنة نتيجة عقدة ما، بيد أن صانعي الفيلم غالباً ما يسعون إلى التطوير من طبيعة العدو الذي يهدد القيم، فيكون العالم مسرحاً للمطاردات، والأهم القدرة على الوصول إلى المعلومة، ضمن شروط تبدو مستحيلة، ومن ذلك عدم كشف قائمة عملاء، أو سرقة تقنية عسكرية، أو منع تفجير إرهابي، أو تخليص عميل من الأسر، أو درء هجوم إلكتروني أو نووي، ومؤخراً ظهر الذكاء الاصطناعي كي يأتي دلالة على القدرة على تفعيل عوامل التطور للإبقاء على السلسلة التي تعدّ الأكثر نجاحاً ضمن سلاسل الأفلام.
هذه الرؤية التي حكمت الفيلم ليست سوى جزء من محاولات تطوير النموذج السردي أو الحكائي لهذه السلسلة الشعبية التي باتت تحمل توقيعاً خاصاً بها، إذ بات المشاهدون ينتظرون دوماً ما هو مبهر، وجديد، إذ يحرص صانعو الفيلم على تحقيق الإثارة ضمن أقصى تجلياتها، ولكن دون التضحية ببعض الرسائل والقيم الأيديولوجية في الفيلم الذي تتملكه جرأة واضحة على صعيد تصميم المشاهد، والبحث عن وقائع غير مسبوقة من أجل الإبقاء على وهج هذه السلسلة.
كاتب أردني فلسطيني