فيلم «نابليون» لريدلي سكوت: معادلة التاريخ والشخصية

غالباً ما يُنظر إلى التاريخ على أنّه مصدر من مصادر تخليق الوعي، نتيجة ما يكمن فيه من أحداث صاغت المستقبل؛ بما في ذلك الأخطاء والخيبات، ومع ذلك فهو يبقى جزءاً من سردية الإنسان الذي يعيد النظر فيه استجابة لمحاكمة الشخصيات التاريخية، التي نختلف في قراءة تأويل تكوينها، وأثرها، وتداعيات أفعالها.
في فيلم للمخرج ريدلي سكوت بعنوان «نابليون» 2023 نقع على مقاربة سينمائية تاريخية تطال شخصية القائد الفرنسي نابليون بونابرت، حيث يسعى المخرج إلى إضافة طبقة من التأويل على مفاصل بعض الأحداث التي اتصلت بهذه الشخصية، شأنه في ذلك شأن عدد من الأفلام التي تناولت شخصية القائد الفرنسي نابليون بونابرت، بيد أن هذا العمل يختلف، كونه حمل الأثر أو اللمسة لمخرج عُرف عنه شغفه بالتاريخ في أفلامه؛ أهمها «مملكة السماء» الذي اختبر حقبة الحروب الصليبية، بالإضافة إلى فيلم «المصارع»، وغيرهما.
نلاحظ على مستوى الإخراج أن ريدلي سكوت ينتمي إلى مدرسة إخراجية تعتني بالتفاصيل، مع محاولة تحقق أكبر قدر من المطابقة بين السياقات التاريخية على مستوى الحدث، بالتوازي مع تمكين فضاءات المكان، وإدارة الحشود، كما الإكسسوارات، فضلاً عن التفاصيل الخاصة بتلك الحقبة الزمنية، ليبدو العمل أقرب إلى التكامل من حيث الإحالة إلى ذلك الزمن بغية تثبيت الإيهام بالواقعية.

أسئلة التاريخ

يُفتتح الفيلم على رصد نتائج وتداعيات الثورة الفرنسية، وما أحدثته من صيغ مضطربة، واستغلال للثورة التي قامت من أجل البحث عن شيء من العدالة، ولكنها سرعان ما انحرفت عن المبادئ التي نهضت عليها حالها حال باقي الثورات التي تتنكر لأهدافها الحقيقية، وتضحيات أبنائها بعد أن يختطفها الفاسدون، وهنا نرى أن ريدلي سكوت اختار أن يتخذ من هذا الحدث مدخلاً كي يرسم وقائع صعود شخصية نابليون إلى لحظة سقوطه، ما يبرر هذا الاندفاع للحدث من أجل اختزال وقائع الشخصية، وسماتها.
هكذا نرى أنّ التفسيرات أو التأويلات التي تتصل بهذه الشخصية تمر عبر تقديم الحدث عينه، أو أنها تُعنى بالحدث على حساب الشخصية، ونقصد التاريخ، بما ينطوي عليه ذلك من صراع واضطراب، ولكن ذلك لم يمنع الاقتراب من تجسيد سمات الشخصية، ومنها شجاعة نابليون في مواجهة الإنكليز، ففي مشهد استهلالي بدا اختزالاً لجموح نابليون من ناحية الذهاب بعيداً في تحقيق ما يريد، ففي هذا المشهد نرى القائد الفرنسي يمتطي فرسه مندفعاً في مواجهة المدافع الإنكليزية، فتصيب طلقة مدفع صدر الحصان، فيقع نابليون عن صهوته مضرجاً بالدماء، ولا نعلم إن كان هذا الحدث قد وقع حقيقة، أم أنه من نسج خيال المخرج أو المؤلف، غير أن هذا يعدّ من أكثر المشاهد تمكيناً لتقديم هذه الشخصية التي ترى أن وجودها الكلي يرتهن بوسواس تحقيق النصر وصولاً للمجد، بغض النظر عن التداعيات والأثمان، ولعل هذا ما يختزله الفيلم عبر تتبع المعارك والحروب التي خاضها نابليون، وأهمها غزو روسيا. يرغب سكوت في بيان أثر أفعال بونابرت، وتداعياتها، حيث ينتهي الفيلم بإحصائية تسرد قتلى الحروب التي خاضها الإمبراطور الفرنسي، وقد بلغ تعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، وهذا كان فقط بين عامي 1803-1815 يكشف العدد المهول من القتلى عن الثمن الباهظ الذي دفعته البشرية من أجل تحقيق استيهامات رجل واحد يدعى نابليون بونابرت، أم أن هذا حقيقة يعود إلى المناخ الذي ساد في تلك الحقبة، فلا تكون الإدانة للذات إنما للثقافة الأوروبية برمتها!

بيد أنّ السؤال الأكثر أهمية، الذي يمكن أن يطرأ على ذهن المتلقي، هل كانت هذه الأعداد من القتلى من أجل تحقيق مجد نابليون الشخصي؟ وإنه كان نتاج الرغبة بالهيمنة على قارة بأكملها؟ أم إنه يعدّ نتاج سياق تاريخي كانت فيه أوروبا ترزح تحت وطأة عوامل الصراع والرغبة في السيطرة على العالم من منظور استعماري، أو الاستعداد للمرحلة الاستعمارية، بوصفها نسقاً مضمراً نكونه من قراءة السياقات، وبذلك كان لا بد من هذه الحروب من أجل تحقيق مواقع النفود والاستعداد للسيطرة، ولعل أهمها العامل الاقتصادي نتيجة رغبة نابليون في الحد من نفوذ بريطانيا التجاري، وفي حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام (1798-1799) إشارة إلى هذه القراءة، وهي أحداث رصدها الفيلم – إلى حد ما – دون التوقف طويلاً عند وقائعها وحساسيتها ما يدفعنا إلى القول بشيء من التقصير في هذا الجانب.
ويبقى التساؤل المركزي يتمثل في صدقية إحساس نابليون بونابرت بالقومية التي تتصل بوطنه فرنسا، وحبه لها، كما نرى في بعض المشاهد التي ترصد هيام نابليون بفرنسا حين قال في مشهد، إنه يحب فرنسا وجوزفين، أم يمكن أن نقرأ هذه الرغبة في خوض الحروب نتيجة ما كمن في أوروبا من عداء تجاه الثورة الفرنسية، وما حملته من أفكار تهدد عروش أوروبا؟ أم أنها كانت حقيقة موجهة ضد ذلك الطموح المجنون لقائد أحدث تحولاً في المسار التاريخي للثورة، حين أعاد فرنسا إلى النظام الملكي الإمبراطوري بعد الحكم الجمهوري.
لقد تمكّن نابليون من إحداث تحوّلات جذرية بُعيد تنصيبه قنصلاً، ومن ثم أصبح إمبراطوراً، فيقوم بإصلاح النظام القضائي، كما الإدارة والتعليم، مع تحديد العلاقة مع الكنيسة. وإذا ما نظرنا إلى هذه الأفعال فإنها تعكس وعي هذه الشخصية بالعوامل الحقيقية لتحقق القوة عبر إصلاح ثلاثة محاور، ونعني القانون والتعليم والعلاقة مع النظام الديني، وكل ذلك تحقق في بضع سنين، ما يدعو إلى الدهشة، فهناك الكثير من الدول التي خرجت من عباءة الاستعمار، ونالت الاستقلال في العصر الحديث، غير أنها لم تتمكن من تحقيق أي إصلاحات حقيقية خلال عقود طويلة.

الرؤية الإخراجية

لقد شكلت رؤية ريدلي سكوت معضلة دلالية على مستوى الإخراج، كونها علقت بتتبع فترة صعود نابليون من ضابط في الجيش الفرنسي، مروراً بتنصيبه إمبراطوراً وانتهاء إلى نفيه نهائيا، ومن ثم موته بعد أن تمكنت أوروبا من هزيمته في حرب واترلو. يحسب للمخرج تمكن أدواته في تحبيك الفيلم سردياً ومشهدياً، من أجل خلق فهم عميق لمجريات الأمور، مع تحقيق الدوافع والمسوغات التي شكلت تاريخ ذلك الزمن، فعلى الرغم من أنّ نابليون حكم تقريبا 16 عاماً، ولكنها كانت كافية للخروج من بلد مزقته الصراعات، وفساد الحكام، كما شهد ثورة غيرت وعي الإنسانية، فباتت جزءاً من مسار التاريخ، ويأتي تأمل هذه الأحداث ضمن سردية الفيلم رغبة ببيان آثار الثورات، وما طرأ عليها من اختلالات، ومن ذلك إنتاج شخصية كشخصية نابليون التي تتكون من سياق تاريخي، وذاتية شكلت وعيه الخاص بالعالم.
قد يفتقر الفيلم للخوض عميقاً في ذات الشخصية على مستوى الاستبطان النفسي، أو الفكري المتصل بالبحث عميقاً فيها، واستقراء ماضيها، أو طفولتها، أو ما شكل منظورها، تبعاً لوقائع أخرى من وجهة نظري، فالفيلم قد تجاوز ماضي نابليون، بمعنى طفولته وشبابه، أو المرحلة التي تسبق تكوينه بوصفه ضابطاً في الجيش الفرنسي، وهي المرحلة التي تشكل الذات، فلا نعلم عن تلك العوامل التي أوجدت هذه الذات المتعطشة للقوة والهيمنة، أو سر هذه العبقرية العسكرية، فبدت هذه الأمور غائبة عن تكوين الشخصية، التي حشرت في بعدين: الأول الشغف بالنصر والسيطرة، ومنه غزو روسيا الذي يعدّ أحد أهم الأخطاء التي وقع فيها نابليون، ومن ثمة التركيز على علاقته بجوزفين: زوجته، وعشيقته، وصديقته، إذ كان مهووساً بها فبدا أقرب إلى طفل، على الرغم من خيانتها، غير أن نابليون بدا أمامها هشاً ورقيقاً على عكس ما يتوقع من قائد عسكري، ولعل هذا الجانب يعدّ النموذج الوحيد الذي يمكن أن نصفه بالتكوين العميق في رسم ملامح الشخصية على المستوى الإجرائي الفني، فباستثناء بيان هذه العلاقة الإنسانية بين رجل وامرأة، فلا شيء سوى بعض الإشارات السريعة لاحتفاء نابليون بأمه، ومن ثم نرى غياباً تاماً لطبقات دلالية كان يمكن أن تسهم في فهم الشخصية، حيث طغت الرغبة في تجسيد الواقعي، أو التحقيب الزمني للأحداث، وكأن الفيلم يرغب في تكريس وعيه السينمائي الكامل لسنوات حكم نابليون، وكيف كان شكل أوروبا من خلال زاوية الأحداث التاريخية ضمن تكوين سينمائي يحفل بالإمكانيات والإتقان على مستوى الحشود، وتصوير المعارك، مع شيء من الإبهار البصري.

فينكس وسكوت

ولعل هذه الملحوظات يمكن أن تقودنا إلى الإقرار بأن اختيار الممثل خواكين فينك في دور نابليون كان موفقاً، فهو يعدّ من الممثلين القلائل الذي يخطفون الأنظار عبر أدائهم الذكي، شأنه شأن مارلون براندو، ودانيل دي لويس، وروبرت دي نيرو، وآل باتشينو، وانطوني وهوبكنز… فالأداء يعلق في الوعي، وينطوي على طاقة، ولكن البروز الأوضح لهذا الممثل يعود إلى أكثر من ربع قرن حين جسّد شخصية الإمبراطور الروماني في فيلم «المصارع»، ولا يفوتنا أن نذكر أداءه المميز في فيلم جوكر، علاوة على أداء مغاير، وشديد الحساسية في فيلم بعنوان Her.
لا يمكن إنكار أن منظور ريدلي سكوت انحاز إلى إنجاز فيلم متماسك على مستوى العناصر، كما الوفاء للتاريخ، ويمكن أن نقول إنه وفق باختيار فينكس الذي تميز بأداء متوازن، فالاختيار لم يكن للتماثل في الهيئة فحسب، ولكن لإدراك فينكس لمبدأ موضعة الشخصية ضمن الإطار المرسوم لها، فتمكن من التحرك بين هشاشة نابليون في علاقته مع جوزفين، وسمات القائد الفذ، وبذلك يمكن القول إن فينكس قدّم أداء متوازناً، أو مدروساً انطلاقاً من مرجعية الشخصية التي يجسدها، غير أن هذا لم يضف الكثير إلى الشخصية، فظهر «فينكس» مغايراً في أدائه عما اعتدنا عليه في بعض أفلامه، ولاسيما فيلمي: «الجوكر» أو Her، ففي فيلم نابليون بدا أسير الشخصية، فافتقدنا إضافاته العبقرية، نتيجة مرجعية الشخصية الواقعية، ويمكن تبرير ذلك بالمنظور الإخراجي وتموضعه في رؤية معينة، ربما هي أقرب إلى بصمة المخرج في محاولة تأطير التاريخ، ومشهدية المعارك، مع تقديم زاوية بصرية مبهرة على حساب التعمق في الشخصية التاريخية، والحد من إبداع فينكس الذي يعدّ شخصية قيمية، ولاسيّما بعد أن عبّر عن تأييده لخطاب المخرج جوناثان غليزر بخصوص ما تقوم به الصهيونية من إبادة جماعية في غزة.
وفي الختام، يبقى فيلم بونابرت جزءاً من الخطاب السينمائي الذي يُعنى بالتاريخ، مع حرص عميق على عدم تحميل الشخصية التاريخية أبعاداً تخرج بها المطابقة بغية عدم محاكمتها، ومع ذلك يبقى الفعل الاحترافي أحد أهم سمات سينما ريدلي عبر تغليب التفاصيل الموضوعية والجمالية، وتبني زاوية نظر ما في أفلام ملحمية خالدة، لا يمكن تجاوزها.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية