فيلم ‘هي Her’ لسبايك جونز.. هل نحتاج إلا لشخص يعتني بنا؟

حجم الخط
2

أكثر الأفلام التي أحبها هي الأفلام التي تلهمنا، وتوضح لنا وجهة نظر جديدة في النظر إلى العالم، والعلاقات الإنسانية، فيلم ‘هي’ لسبايك جونز، المرشح لخمس جوائز أوسكار منها أفضل فيلم، هو أحد هذه الأفلام. فيلم فانتازي فلسفي عميق تدور أحداثه في المستقبل غير البعيد، يحكي قصة رجل وحيد، منفصل وعلى حافة طلاق رسمي، يشتري برنامج كمبيوتر، يتعرف من خلاله على ‘سامانثا’، برنامج الذكاء الاصطناعي، الصوت القادم من جهاز الكمبيوتر، ويطور معها علاقة خاصة، الفيلم على صعيده الأهم، يحكي لنا أن حاجتنا الحقيقية هي للشعور بالاهتمام، ولشخص يعتني بنا، ونعتني به، ليس إلا، وأن المنبع الأساسي لكل الخلافات، هو الأنا، ذواتنا هي كل شيء حولنا، وهي أيضاً مقتلنا، فيما هذا العالم المعقد، أبسط مما نجعله.
كعادته ينطلق سبايك جونز، صاحب Adabtation و Being John Malcovic، من السيناريو، الذي كتبه بنفسه هذا المرة، وترشح عنه لأوسكار أفضل سيناريو أصلي، الفكرة الحاذقة المجددة هنا، تجد بسهولة خط سردها، ولكنها تقع أحياناً في فخ التطويل، والقالبية، بحيث لا نجد فيها الكثير مما هو جديد على صعيد السرد نفسه والحدث، سوى وجهة نظر جديدة لاستعراض العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وإن بشكل مختلف، وطرح فلسفي.
على صعيد الإخراج، يبقى سبايك جونز وفياً لأسلوبه، فمن خلال تصميم الإنتاج المدهش لـ كي كي باريت (ايضا ترشح للأوسكار)، والعزف على الألوان في الملابس (كيسي ستورم) والديكورات (جين سيردينا)، والموسيقى الجميلة المرشحة للأوسكار أيضاً (أركيد فاير)، والكثير من الصمت من خلال المونتاج المريح لـ جيف بوكانن وإريك زومبرونن، وتصوير ‘هويت فان هويتيما’ القريب لأجواء السينما المستقلة ونفسها الخاص، يستطيع جونز أن ينتقل بنا إلى عالم المدنية المستقبلية، المغرق في الوحدة والأنا، وبدون أن يضطر للكثير من التكلف على أي صعيد بصري، يستطيع أن يأخذنا في رحلة مع ثيودور تومبلي، بل ربما داخل ثيودور تومبلي، الشخصية الرئيسية، ليروي لنا كيف يمكن أن يقع الإنسان في الحب، ولماذا.
ببساطة ينقلنا أداء ‘خواكين فينيكس’ الجميل، وصوت ‘سكارليت جوهانسن’ ببحته المميزة، في رحلة إنسانية شفيفة، صحيح أنها لا تقدم لنا الكثير من الجديد أو المشوق على مستوى الحدث، ولكنها هي بحد ذاتها هي الغلاف الجديد الذي قدم لنا جونز من خلاله قصته، أمام الكاميرا أداء مميز جداً لفينيكس، ولإيمي آدامز، التي يتطور أداؤها بشكل لافت من عام إلى آخر، وأمام الميكروفون أداء خلاب لجوهانسن.
إن أفلاما مثل ‘Her’، هي الأفلام التي انتظرها شخصيا بشغف، ليس فقط لأنني أحب الفانتازيا وإطلاق العنان للخيال، ولكن لأنني أيضاً أحب الفيلم الذي يحكي قصته على عدة طبقات فكرية ونفسية، أحب الفيلم الذي يبدو في ظاهره بسيطاً للغاية، ولكنه شديد العمق ويحمل طرحه الفلسفي، وإن كنت أتمنى أن يأتي كل ذلك دائماً في أكثر القوالب إمتاعاً وتجديداً.
فيلم ينبش دواخلنا، يطلق في وجوهنا الكثير من الأسئلة، عن علاقتنا بأنفسنا، وعلاقتنا بالآخرين، وعلاقة الآخرين بنا، كما أنه يلقي بأسئلة وجودية، وفلسفية، ويقدم معنى أكبر لكل شيء، من خلال تذكيرنا بالأشياء البسيطة التي قد نظن أحياناً في حراك الحياة السريع، ألا معنى لها من الأساس، هي، بغض النظر التذكير والتأنيث، النصف الآخر، الذي ينقصنا، ويكملنا، ليس لأننا غير مكتملين بذواتنا، ولكن لأنه يغلق دائرة مشاعرنا التي ولدنا مع توق أزلي لإغلاقها، على أمل أن نفهم يوماً ما، أن لحظة البهجة في التواجد حول من نحب هي ما يهم، وببساطة.. نعيشها.

‘ شاعر ومخرج أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية