فيلم ‘وهلأ لوين؟’: معاناة تستحق العالمية

حجم الخط
0

عمار جمهوريمتلك الفيلم اللبناني للمخرجة ندين لبكي من المقومات ما يؤهله إلى أن يكون عملاً مميزاً وخلاقاً، وأن يشكل تطوراً جوهرياً في السينما اللبنانية، فالفيلم الذي احتوى على تكامل رائع للعناصر الابداعية المتمثلة في الاخراج والتمثيل والفن الاستعراضي، والتي ساهمت في جعله فناً راقياً بامتياز وظفت جمعيها باتقان لخدمة الفكرة، التي لا يعد اختيارها براعة، ولكن البراعة تكمن في طريقة تناولها وعرضها، والتي تظهر مدى قدرة المخرجة تحديداً على استشعار ملامح ومعطيات الواقع اللبناني. ترسم المخرجة صورة طبيعية للقرية سرعان ما تذوب أمام احد أخبار الفتن الطائفية، وتظهر هشاشة النسيج الاجتماعي في مجتمع القرية، التي يتصدى لها امام المسجد وقسيس الكنسية، كما تضيع قصة حب ‘امال’ و’ربيع’ في خضم الاحداث وفي صراع الاولويات في القرية، وتعمل المخرجة على اقصاء الذكر عن حيز الوجود وتغيبه بالحشيش لتقتل فيه شهوة السيطرة وشهوة الحرب، التي لا تموت وانما تنام لبعض الوقت. فكرة الصراع الديني أو الطائفي أو العرقي ليست فكرة جديدة، ولكن توظيف دور المرأة في هذا الصراع هو الذي يعد جديدا، وكذلك تناوله بهذه الرؤية يعد لافتاً ومميزاً بالنسبة للجمهور، فقد استطاعت المخرجة من خلال العنصر الانثوي أن تخلق صورة مذهلة عن المرأة، على الرغم من الصورة النمطية التي رسمت في اذهان الرجال عن المرأة الشرقية والمتمثلة في تعزيز الخلافات وتغذيتها. الفيلم يقدم المرأة من زاوية مختلفة تماماً فهو يعتبرها صمام الامان في مجتمع الضيعة اللبنانية، خاصة في الحفاظ على الوحدة، وذلك من خلال جملة من المشاهد التي تحاول فيها المرأة عدم السماح للحرب الدينية والطائفية الوصول إلى الضيعة، التي لا تربطها علاقات استراتيجية بمركز الاحداث الطائفية. اخذت المرأة في هذا الفيلم على عاتقها مسؤولية اخلاقية ووطنية لمنع وصول اثار وسلبيات الحرب الاهلية للقرية الامنة المستقرة المتعايشة بسلام، فالمرأة هي التي تنزل ابنها المقتول في البئر سراً؛ كي لا يتسبب ذلك في الحاق مسيحي القرية الأذى بالمسلمين، وكذلك فهي تطلق النار على قدم ابنها؛ كي تمنعه من القتل. كما أنها من ينظف المسجد، وفي ذات الوقت هي المسلمة التي ترمم تمثالا لمريم العذراء. وتعمل هذه المرأة على تبديل رمزها الديني من دون اكراه لا اعتناقاً لدين آخر، ولكن لكي تؤكد على فكرة التعايش وضرورة الحفاظ عليه في القرية. عمل الفيلم بتكامل عناصره على نقل احساسيس المشاهد ومشاعره من انفعال إلى آخر بسلاسة مطلقة وبدون عناء، ووظفت المشاهد الطبيعية في تعزيز رونق وروح العمل السينمائي المتميز، ولا يقل عن ذلك اهمية المزاوجة الخلاقة بين الموسيقى التصويرية والرقصات الاستعراضية، التي اعادت للسينما اللبنانية مجدها وعهدها المنشود.

وقد كان لحضور ندين لبكي كممثلة ميزة فنية مهمة، وذلك لان حضورها لم يكن تشريفاً كما جرت العادة في السينما العربية بحضور المخرجين في اعمالهم الفنية، وإنما كان عنصراً مهماً زاد من عوامل نجاح العمل السينمائي.

حمل الفيلم في مضمونه رسالة انسانية تعزز قيمة الفرد، أياً كان دينه أو معتقده أو جنسه، وقد تعززت القيمة الابداعية للعمل السينمائي في ترك النهاية مفتوحة ليكون الجمهور مشاركاً في العمل كونه الحكم ورأيه هو الحد الفاصل، وسيكون بمثابة تقييم اجمالي للفيلم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية