ريتشارد بنجامين و جيمس برولين
هل في إمكان الذكاء الاصطناعي أن يكون سيئا أو حتى مميتا؟ هذا ما ناقشه فيلم «ويستوورلد» (1973) الذي لم يتوقع صانعوه أن يتحول إلى فيلم شهير ذي تأثير على أفلام أنتجت لاحقا، وإلى إحدى العلامات الفارقة للسينما الأمريكية، فلم يكن أي من ممثليه نجما معروفا باستثناء يول برنر، الذي أدى دورا ثانويا فيه. وكان الفيلم الثاني للمخرج مايكل كريكتن، الذي ألف القصة أيضا.
أحداث الفيلم
تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب حيث تؤسس إحدى الشركات منتجعا ترفيهيا منقسما إلى ثلاثة أقسام، وهي قسم الدولة الرومانية، وقسم أوروبا في القرون الوسطى، وقسم رعاة البقر في الولايات المتحدة وتمارس الحياة في كل قسم وكأنها الحياة الحقيقية لتلك الفترة من قبل أشخاص آليين مزودين بنظام الذكاء الاصطناعي، وصنعوا ليتصرفوا كالبشر العاديين ومهمتهم إشباع رغبات زوار المنتجع مهما كانت. ويستطيع الزائر تقمص أي شخصية خيالية يتمناها، ويفعل ما يشاء، حيث تكون جميع رغباته مقبولة مهما كانت غريبة أو جنسية أو عنيفة، مقابل مبلغ ألف دولار يوميا. وكان ذلك مبلغا كبيرا عام 1973.
يبدأ الفيلم باثنين من الزوار، «بيتر مارتن» (ريتشارد بنجامين) و»جون بلَين» (جيمس برولين) اللذين يختاران قسم رعاة البقر، حيث وجدا نفسيهما في بلدة مطابقة للبلدات التي تظهر في الأفلام السينمائية عن رعاة البقر عام 1880. ويستمتعان بوقتهما في حانات البلدة، وكذلك المبغى الذي امتاز بأجمل الفتيات اللواتي يقدمن الخدمات الجنسية. لكن مجرما (يول برنر) يحاول إهانة «بيتر» في الحانة، وسرعان ما يتحداه في منازلة بالمسدسات. ويرتبك «بيتر» لأنه شخص مسالم جدا، إلا أن «جون» يشجعه على المضي قدما وقبول تحدي ذلك الرجل ومواجهته. وينتصر «بيتر» حيث يقتل بمسدسه ذلك الرجل الذي لم يكن سوى رجل آلي تمت برمجته للخسارة في النزال. ويندهش «بيتر» بدقة صناعة الأشخاص الآليين، إذ كل شيء فيهم يدل على أنهم بشر عاديون. وبعد مغامرة مثيرة في البلدة يخرج الاثنان إلى الصحراء ويتفاجأ «جون» بثعبان يلدغه، إذ ليس من المفروض أن يقوم الثعبان الآلي بذلك.
في تلك الأثناء لا يعلم الزوار بالمشكلة الكبيرة التي كانت تزداد حجما في المنتجع، ألا وهي خروج بعض الأشخاص الآليين عن السيطرة وتصرفهم كأشخاص حقيقيين. وكانت هذه المشكلة قد بدأت في أحد الأقسام وحاولت الإدارة إصلاح الأشخاص الآليين المعطوبين، إلا أن المشكلة تأخذ بالتصاعد في ذلك القسم والانتشار إلى القسمين الآخرين، ولذلك كان ذلك الثعبان الآلي يتصرف كثعبان حقيقي. ويقترح أحد كبار المديرين إقفال المنتجع لعمل صيانة كاملة، إلا أن الآخرين لا يؤيدون ذلك، كي لا تتوقف إيرادات المنتجع. وتتفاقم المشكلة، حيث يقتل رجل آلي أحد الزوار في مبارزة بالسيوف. ويعجز مهندسو ومديرو المنتجع في حل المشكلة حتى تقفل الأبواب الأوتوماتيكية عليهم ويموتون اختناقا.
يعود «بيتر» و«جون» إلى المدينة دون معرفتهم بكل هذه التطورات، حيث يواجههما ذلك المجرم الذي سبق أن قتله «بيتر» مرة أخرى، فيقرر «جون» مواجهته هذه المرة إلا أن الرجل الآلي يرديه قتيلا فورا، مما يثير رعب «بيتر» فيهرب من المكان على الفور ويطارده المشاكس الآلي. لكن «بيتر» يكتشف ان قدرات المجرم الآلي غير عادية، فبالإضافة إلى تصرفاته البشرية يمتلك حواس غير عادية مثل الرؤية بالأشعة تحت الحمراء وغيرها. وعندما يلتقي «بيتر» بأحد المهندسين مصادفة يبلغه المهندس أنه ميت لا محالة، إذ لا يمكن مواجهة الرجال الآليين، وفجأة يقتل المجرم ذلك المهندس أمام «بيتر». وبعد مطاردة مشوقة ينجح «بيتر» في تحطيم المجرم والقضاء عليه. وينتهي الفيلم.
نجح الفيلم في تقديم عدة أفكار بطريقة مثيرة وبالغة البساطة، حول كل من خطورة الذكاء الاصطناعي والطبيعة البشرية. وعلى الرغم من إمكانيات المخرج مايكل كريكتن المحدودة لصغر الميزانية، فإنه نجح في إخراج الممثلين الذين بدوا طبيعيين في أدائهم، لاسيما ريتشارد بنجابين في دور الرجل المسالم ويول برنر في دور الرجل الآلي.
الذكاء الاصطناعي
نجح الفيلم في تقديم عدة أفكار بطريقة مثيرة وبالغة البساطة، حول كل من خطورة الذكاء الاصطناعي والطبيعة البشرية. وعلى الرغم من إمكانيات المخرج مايكل كريكتن المحدودة لصغر الميزانية، فإنه نجح في إخراج الممثلين الذين بدوا طبيعيين في أدائهم، لاسيما ريتشارد بنجابين في دور الرجل المسالم ويول برنر في دور الرجل الآلي. ولذلك نجح المخرج في جعل المشاهد لا يلاحظ التناقضات الطفيفة للقصة، وحوّلها إلى فيلم ممتع. وقدّم فكرة الرجل الآلي الذي في الحقيقة صنع ليكون بذكاء الإنسان، لكنه تمتع بميزات الآلة من حيث القابلية على الرؤية والسمع ودقة العمل. والشيء الوحيد الذي يجعله أقل من الإنسان العادي، كونه مبرمجا لخدمته مهما كانت مطالبه والخضوع لرقابة إدارة المنتجع التي تحرص على صيانة الأشخاص الآليين بشكل دوري، وتنفيذهم لمهامهم بدقة متناهية. وما أن تفقد الإدارة سيطرتها على الرجال الآليين حتى يتحولوا إلى أناس عاديين مستغلين ميزاتهم الإلكترونية لتحقيق رغباتهم، فالزائر الذي كان يستمتع بدور الملك الأوروبي من العصور الوسطى، ويجد نفسه يواجه فارسا آليا طامعا بالملك والملكة، خير مثال لأن الفارس الآلي كان قد بُرمِجَ للخسارة. لكن عندما فقدت الإدارة السيطرة على الفارس، فإنه أصبح ذا طموحات شخصية، أي أن الانتصار في المعركة أصبح ضروريا للحصول على العرش، والاستحواذ على الملكة.
وبالطبع كان من المستحيل على الزائر التغلب على آلة بهذه الإمكانيات. والغريب في الأمر أن الملكة الآلية تتصرف بطريقة أنانية مماثلة، إذ أنها تعرف أن كلا من الرجلين يرغب فيها، ما يعني أن مركزها مصان مهما كان الفائز. وبالنسبة للمجرم الآلي يول برنر، الذي تمت برمجته ليكون قاتلا في تحديات المسدس مع الفارق أن هدفه كان الخسارة في معارك السلاح الناري، فما أن فقدت الإدارة السيطرة عليه حتى تحول إلى قاتل حقيقي هدفه الفوز والانتقام من الذي انتصر عليه قبل ذلك. وبذلك يرمز الفيلم إلى مدى خطورة الذكاء الاصطناعي في حالة فقدان الإنسان القدرة على السيطرة عليه، إذ أن إمكانيات الذكاء الاصطناعي في المستقبل ستكون أكبر مما يملكه الإنسان من قدرات بمراحل. وبذلك يتحول الجني الذي يخرج من المصباح لخدمة الإنسان إلى عفريت ذي أهداف خاصة على حساب الإنسان.
مع ذلك علينا التريث لبرهة والتفكير إن كان ذلك الرجل الآلي يختلف فعلا عن الإنسان العادي، فعندما فقدت إدارة المنتجع سيطرتها على الرجال الآليين كان ذلك مثل حكومة تفقد سيطرتها على شعبها لسبب ما. وقد أثبت التاريخ أن النتيجة المباشرة لانهيار الحكومات تفكك الشعب، ومحاولة كل فرد من أفراد الشعب تحقيق أهدافه الخاصة بكل الوسائل، حتى إذا كان ذلك على حساب الآخرين بدرجات مختلفة.
من الممكن تفسير رد فعل الأشخاص الآليين بطريقة أخرى، فهم كانوا في الحقيقة عبيدا لدى الزوار، الذين كانوا بمثابة أسيادا لهم، إذ أنهم يخدمونهم بإخلاص وينفذون كل مطالبهم مهما كانت شنيعة ومنحرفة، أما إدارة المنتجع، فهي بمثابة جهاز الأمن الذي يضمن خضوع العبيد، أي الأشخاص الآليين، لأسيادهم الكريهين، أي الزوار. ونستطيع توسيع هذا التفسير، إذ يلاحظ المسؤولون حدوث أعطال شبيهة بفيروس الإنترنت في قسم واحد، ثم أخذت هذه الأعطال بالانتشار إلى القسمين الآخرين. وبهذا الشكل، من الممكن القول إن هذا الفيروس كان في الحقيقة العقيدة الثورية، التي بدأت بالانتشار بين العبيد في جميع أقسام المنتجع، ولذلك ما إن فقدت إدارة المنتجع السيطرة على الموقف حتى أعلن العبيد، أي الأشخاص الآليين، ثورتهم على أسيادهم الزوار.
ليس هذا كل ما يوضحه الفيلم عن الطبيعة الإنسانية، فهو يبين كذلك أن ما يثير المتعة لدى الإنسان، رجالا ونساء، من الممكن أن يكون عنيفا وقاسيا، وعلى حساب كرامة وسلامة الآخرين، طالما أنه لا يؤدي إلى تعرض المرء إلى أي عقوبة، فمثلا يستمتع الزائران «بيتر» و»جون» بإثارة المشاكل وإطلاق النار على الآخرين لأنهم رجال آليون ولا عقوبة ضد ذلك، وكأن هذان الزائران طفلان صغيران يلعبان لعبة بريئة.

يول برنر في دور المجرم الآلي
كان ليول برنر دور أساسي في الفيلم رغم كونه ثانويا. وكان الممثل في الواقع يكرر تمثيل أشهر أدواره على الإطلاق وبالملابس نفسها، ألا وهو دور «كرس آدامز» في فيلم «العظماء السبعة» The Magnificent Seven (1960). وبذلك يكون يول برنر، قد مثل الدور أربع مرات، إذ مثله أصلا في الجزئين الأول والثاني من فيلم «العظماء السبعة» ثم مثله في الجزء الثاني من هذا الفيلم. وبعد ذلك أقر الممثل أرنولد شفارتزنغر» (اللفظ الأصلي للأسم باللغة الألمانية) بأنه قام بتقليد الشخصية وطريقة تمثيل يول برنر لها في سلسلة أفلام «المنهي» Terminator التي جعلته من أشهر ممثلي السينما العالمية.
تحول هذا الفيلم إلى مسلسل تلفزيوني ناجح عام 2016. ومثل دور المجرم الآلي الممثل الشهير أد هاريس.
رغبة البقاء
يؤكد العلماء أن ما حدث في الفيلم لا يمكن حدوثه في الحقيقة لأنه، أي الذكاء الاصطناعي» لا يملك وعيا أو شعورا بالوجود، أي الرغبة بالبقاء والدفاع عن النفس. وبالتالي لا يمكن ان تكون له مصالح خاصة به. ويؤكد العلماء كذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تبرمج للقيام بمهمات معينة، وليست مثل الإنسان الذي يقوم بأعمال متعددة المجالات، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الذكاء الاصطناعي، الذي ما يزال في بدايته يتفوق على الإنسان العادي في أي مهمة يقوم بها في الوقت الحاضر، دون أن يستطيع العلماء معرفة الوسيلة التي يتبعها. ويتوقع العلماء أن الذكاء الاصطناعي الذي سيكون مشابها لذكاء الإنسان قد يصبح ممكنا بعد حوالي عشر سنوات، مع إمكانات أكبر بكثير مما لديه الآن. وستكون لهذا الذكاء الاصطناعي القابلية على تطوير نفسه بنفسه، ما يعني أن حدوده في المستقبل غير معروفة في الوقت الحاضر، وأن الوعي من المحتمل أن يكون أحد صفاته في مرحلة ما. وفي حالة حصول الذكاء الاصطناعي على الوعي وكل هذه القدرات في المستقبل، هل سيتحول البشر إلى عبيد له في المستقبل؟ لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال في الوقت الحاضر.
حذر العالم البريطاني ستيفن هوكنغ، وعلماء آخرون من مخاطر تطور الذكاء الاصطناعي، وتحاول الدول المتقدمة الاتفاق حول قيود ومعايير تطويره. لكن هذه الدول تتسابق في الوقت نفسه، لتحقيق الريادة في هذا المجال بسبب ما قد تجنيه من فوائد كبيرة وعديدة في جميع المجالات. وعلى سبيل المثال، فالطائرة المسيرة، أي دون طيار، تستطيع عن طريق الذكاء الاصطناعي تحديد وضرب الهدف دون العودة إلى أي قائد بشري. ومن الناحية الأمنية والاستخباراتية والعسكرية سيستطيع نظام الذكاء الاصطناعي جمع وتحليل المعلومات وتحليلها واتخاذ القرارات. وعلى الرغم من تأكيد الحكومات أن القرارات الخطيرة تتخذ من قبل كبار الموظفين، إلا أن ذلك الموظف أو الوزير أو الرئيس، سيجد صعوبة بالغة في اتخاذ قرار يناقض اقتراح نظام الذكاء الاصطناعي، لعدم امتلاك ذلك الشخص المعلومات التي يمتلكها النظام ولثقته بدقة الاقتراح. وثقة الجميع بأنظمة الذكاء الاصطناعي في تزايد. ومن سيحدد تعريف القرار الخطير؟ فهل مصير إنسان واحد قرار خطير للحكومات؟ وإذا لم يكن كذلك، هل سيحدد مصير ذلك الإنسان الواحد الذكاء الاصطناعي بمفرده؟
يظن بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي يستخدم الآن في السفن الحربية بالنسبة لرد الفعل عند تعرض السفينة لاعتداء، وإذا كان هذا صحيحا، فإن أي مواجهة عسكرية بسيطة قد تتصاعد بسرعة مدهشة، إلى درجة أن إيقاف تأزم الموقف قد يصبح صعبا جدا، وحتى إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قد حددت لمهام معينة، فإن تفسير كيفية تنفيذ هذه المهام يعود إلى النظام نفسه مما قد يعرض مصير أو مصالح الإنسان إلى الخطر. وقد أوضح العلماء أنهم في الكثير من الأحيان لا يفهمون كيفية توصل الذكاء الاصطناعي إلى نتائجه. وإذا ظن القارئ أن نظام الذكاء الاصطناعي لن يميز على أسس ثقافية أو عرقية أو سياسية، وأنه سوف يحاول جاهدا الحفاظ على الأرواح، فهذا غير صحيح لأن هذه المعايير تعتمد على صانع النظام الأصلي الذي يستطيع برمجتها في النظام. ويتوقع الخبراء أن الكثير من الوظائف ستختفي بسبب الذكاء الاصطناعي، مثل المترجمين وأغلب الأطباء (ابتداء من أطباء الأشعة) والمهندسين والمحامين وموظفي الدولة والفنانين من ممثلين ونحاتين وكتاب. ويعني كل هذا زيادة هائلة في البطالة وفقدان الكثيرين مصادر رزقهم ومواقعهم الاجتماعية، وبالتالي زيادة الشعور بالوحدة واليأس، وهما مرضان ينتشران في الوقت الحاضر بسرعة غريبة في العالم، خاصة في المجتمعات الغربية. ويؤدي هذا إلى فقدان المرء المعرفة اللازمة حول كيفية التعامل مع الآخرين وتعرض المجتمع لمخاطر هائلة. ويعني هذا كذلك انخفاضا كبيرا في الإبداع البشري وتطور الثقافة.
مؤرخ وباحث من العراق