لندن ـ “القدس العربي”: نشرت صحيفة “ديلي تلغراف” تقريراً أعدته روزا سيلفرمان، تحدثت فيه عن السبب أو الأسباب التي أدت لتورط كتاب غينيس للأرقام العالمية مع الأنظمة الديكتاتورية وذات السجل القاتم في حقوق الإنسان.
ففي عام 1955 صدر كتاب غير روائي تحول إلى ظاهرة نشر عالمية ولعقود قادمة، وعنوان الكتاب هو “كتاب غينس للأرقام العالمية”، كما عرف في حينه، وقد امتلأ الكتاب بالمآثر والحقائق من عالم الإنسان والطبيعة. ومنها أعلى جبال في العالم وكذا أطول رجل في العالم ( الأمريكي روبرت والدو الذي بلغ طوله 8 أقدام و11 بوصة ولا يزال حامل الرقم حتى الآن). وظهر جون أر كوب بأنه حامل الرقم القياسي للسرعة الأرضية (403.135 ميلا في الساعة وسجله في عام 1947). ولم يفت معدو الكتاب شمل البقرة البريطانية التي حملت الرقم القياسي في معدل الحليب الذي درته طوال الحياة. وأشار الكتاب إلى أصغر حانة في العالم. وخلال عام من صدوره، بيعت منه 187,000 نسخة ليزيد العدد في أقل من عام إلى مليون نسخة. وتحول الكتاب إلى ظاهرة نشر عالمية لدرجة أن طبعة عام 2023 حصلت على المرتبة الأولى في قائمة مبيعات الكتب في أعياد الميلاد، أما طبعة عام 2024 فحلت في المرتبة الثانية.
تم تسجيل هذه الأرقام و526 رقماً قياسياً آخر بعدما دفعت الإمارات الملايين من الدولارات على استشارات مدفوعة الأجر من “غينس” للأرقام القياسية
وتقول الصحيفة إن الذين نشأوا وكبروا في فترة السبعينات والتسعينات من القرن الماضي، ربما تذكروا برنامج المسابقات “ريكورد بريكرز” (محطمو الأرقام)، وهو برنامج أطفال بث على مدى 276 حلقة ولثلاثين سلسلة.
وتتساءل كيف أصبح كتاب “غينيس” بهذا التاريخ الحافل من التشويق، متورطا في اتهامات بـ”تبييض الأنظمة القمعية”؟
وذكرت “ديلي تلغراف” أنه في الشهر الماضي نشرت صحيفة “التايمز” اللندنية تقريرا قالت فيه إن الشركة التي تقف وراء الكتاب حصلت على أموال من حكومات ديكتاتورية مقابل تضمين رسائل إيجابية عن “انجازاتها في تحطيم الأرقام”. واللافت أن “ديلي تلغراف”، التي تسعى الإمارات لشرائها، قالت إن هذا البلد يحتل مركزا جيدا في سجل الأرقام، فكم عدد المشاركين في جلسة أمن إلكتروني باستخدام الألعاب؟ (رقم قياسي سجل العام الماضي في أبو ظبي)، أو عدد التوقيعات التي ظهرت على لفافة (سجلت شرطة أبو ظبي هذا الرقم عام 2018).
وتقول “ديلي تلغراف” إنه تم تسجيل هذه الأرقام و526 رقما قياسيا آخر بعدما دفعت الإمارات الملايين من الدولارات على استشارات مدفوعة الأجر من “غينس” للأرقام القياسية.
وتكتب أنه ربما يندهش القلقون من صناعة البلد الأحفورية وتلوث الهواء عند اكتشافهم أنها حققت في عام 2022 السجل الأطول عبر أطول طريق للدراجات الهوائية. وعندما يتعلق الأمر بالانسجام الاجتماعي فما عليك إلا النظر للرقم القياسي الذي سجلته الإمارات في 2021 حول القصيدة التي قرأها أكبر عدد من الجنسيات المختلفة.
وتقول إنه ربما بدت بعض هذه الأرقام القياسية مجنونة أو مملة، فالسؤال إن كانت تحقق بالنسبة للدول التي سجلتها شيئا أبعد من إنجازات تدخل سجل غينس للأرقام القياسية؟
ولفتت إلى أن منظمة هيومان رايتس ووتش حذرت من أن الإمارات تستثمر في استراتيجية “لرسم صورة عن بلد تقدمي ومتسامح ويحترم الحقوق في وقت يقوم فيه بتطبيق سياسة صفر تسامح مع المعارضين”. وهو ما يشير إلى اتهامات تبييض الصورة.
وحذر الأكاديمي البريطاني ماثيو هيجيز الذي اتهم ظلما بالتجسس على الإمارات لصالح الحكومة البريطانية وسجن وعذب في 2018 من أن منح هذه الدول أرقاما قياسية يصل إلى حد إضفاء “الشرعية الثقافية” عليها. وقال:”هذا مثال آخر عن تأثير القوة الناعمة القادمة عبر المجتمعات الغربية” وحيث “تستخدم الدول الاستبدادية نفوذها المالي الكبير للحصول على شرعية سياسية، وهذا خطير وخطأ على عدة مستويات” و “يمكنك تفهم ان النموذج التجاري لـ [غينس للأرقام القياسية] يتغير، ولكن عندما تقدم مساحة للمستبدين لكي يحتفلوا بإنجازاتهم، فإن هذا يضر بسمعة ونزاهة كل المشروع”.
وتقول الصحيفة إن “غينس” للأرقام العالمية لا تخفي رغبتها في تغيير نموذجها التجاري، ففي عام 2015، قال سام في، نائب استراتيجية الماركة العالمية في غينس للأرقام القياسية في حينه أنه من أجل التكيف مع التحديات التي تواجه عالم النشر ، مثل تراجع الكتاب ومبيعاته، فعلى غينس للأرقام “زيادة تدفق الموارد الجديدة بالحد الأقصى والترويج للتجارة بانها أكثر من مجرد كتاب”.
ونتيجة لهذا فقد نوعت الشركة نشاطاتها ولديها فريق تجاري لخلق حملات خاصة ومناسبات حية للعلامات التجارية التي تريد تعزيز التسويق والعلاقات العامة من خلال تحطيم الأرقام.
وبعد أربعة أعوام من التحول، تساءلت منظمات حقوق الإنسان عن أخلاقيات المنظمة وبعدما اتهمها الكوميدي جون اوليفر بمساعدة النظام الديكتاتوري في تركمانستان، فقد حقق البلد 19 رقما قياسيا بما فيها “أكبرعدد من النافورات في الساحات العامة” و “أكبر سقف على شكل نجمة”.
وتقول الصحيفة إنه في الحقيقة فإن السياسة مغموسة في القصة الأصلية لغينس للأرقام العالمية، ففي عام 1975 قتل روس ماكرايتر برصاص الجيش الأيرلندي المؤقت، بعدما خصص 50,000 جنيه لمن يدلي بمعلومات عن مفجري الجيش الأيرلندي الحر. وساعد روس في تنسيق محاكمة الناشط المعادي للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بيتر هين. وبعد وفاته أصبح نوريس صوت “الجمعية الوطنية للحرية” والتي شنت حملات ضد النقابات العمالية وحقوق المثليين والعقوبات ضد نظام جنوب أفريقيا العنصري. وطالب بوقف نظام الصحة الوطنية والتعليم الحكومي. وهي مواقف لا علاقة لها ببرنامج موجه للأطفال.
الإمارات تستثمر في إستراتيجية لرسم صورة عن بلد تقدمي ومتسامح ويحترم الحقوق في وقت تقوم فيه بتطبيق سياسة صفر تسامح مع المعارضين
“غينيس” وخلال 70 عاما من عمرها تداول عليها عدد من الشركات، وفي عام 2008 أصبحت مملوكة لمجموعة جيم باتيسون الكندية والشركة الأم لريبلي أنترتيمنت، التي أعلنت في 2009 عن خدماتها الاستشارية.
وأكد “ديلي تلغراف” أن خدمات الاستشارية اليوم هي أهم مصدر للدخل للشركة. وتشير أرقام 2022 إلى أنها حصلت على 12.37 مليون دولار من الاستشارات و12.32 من نشاطات في النشر. وكشفت أن من 223 رقما قياسيا تحت اسم السعودية، 135 جاء من خلال استشارات مدفوعة.
وتنقل “ديلي تلغراف” عن هيجز قوله إنه يخشى من إن الإمارات تستطيع “الإشادة” بسجلاتها و “حرف النظر” عن مظاهر القلق المتعلقة بنشاطاتها القمعية المعروفة.. وأن الإمارات ربما نجحت في تغيير الصورة عنها وحرف الانتباه عن المواضيع التي يجب أن تكون في المركز والمقدمة”.