فاروق يوسف
درس البرابرة هناك برابرة دائما……….. لا القلاع بأبراجها، لا القرى بمداخنهالا الكهوف بأحجارها، لا الخيام بنيرانهالا الخرائط، لا الكتب المدرسية، لا أنة الناي وسط هدير الكمنجات، لا البوق، لا صيحة الديك تائهة في المراعي، ولا كسل الذئب، لا غبطة العشب، لا النوم والباب مفتوحة، لا الليالي تهذب أحلامنا، علمتناأن نصد برابرة بعد لم يولدوا………. هناك برابرة دائما.18 تموز 1996كان البرابرة يتسلقون سلم البيت الخلفي. منتصف الليلة الأولى من كانون الأول/ديسمبر 2011 فيما كنت أكتب تلقيت رزمة ورق صفراء. كان للريح صوت عال في الخارج. وصلت المخطوطة إذاً. لم يبلغني نديم كوفي بعثوره على الكنز من قبل. غزت العاصفة الشواطئ من غير تمهيد مسبق، اقتلعت الأشجار وهدمت الأكواخ وكان هناك طفل وحيد يبكي تحت السرير. أنا كنت ذلك الطفل. تلقفت يدي الأوراق الصفراء. رأيت حبري الأزرق هناك. لا أنسى قلم الباركر السميك ونعومة الفورميكا على منضدة المطبخ المستطيلة. كان ذلك القلم قد أقام علاقة متينة بأعصابي. ومع ذلك فقد كانت لديه وجهات نظره الخاصة به، والتي لطالما فاجأني بها كلما نظرت إلى جملة تقع من غير أن يكون لساني قد تذوق كلماتها سابقا. ‘جملته هي’ أقول وأرفع غطاءه عن نهايته لأغلق رأسه والقي به على المنضدة الباردة. أتذكر أني كتبت ما بين عامي 1991 و1997 وهي أعوام الحصار التي عشتها في العراق مئات الرسائل إلى أصدقائي. أحيانا كنت أكتب رسالتين في الليلة الواحدة. كان ما أفعله تمرينا قاسيا على مقاومة الألم وايضا محاولة لقياس المسافة التي كان العيش لا يزال فيها ممكنا. حتى اللحظة التي وقعت عيني على الرزمة الصفراء التي بعث بها نديم لم أكن أتذكر ما كتبت في تلك الرسائل. ذات مرة قال لي فاضل العكرفي وقد امتلأت خزانته الزجاجية برسائلي: ‘إنها أشبه ببريد التائه’. وكان يوسف الناصر قد كتب لي في وقت سابق عن أنها (اي الرسائل) تشكل مادة لما أسماه بكتاب التأوهات. كان الصديقان محقين. ففي تلك المرحلة من حياتي، شعرت ان البشرية تخون نفسها حين تسمح للقتلة واللصوص والآفاقين في أن يمارسوا أعمال ابادة جماعية في حق الشعب العراقي، تحت مظلة الشرعية الدولية.
كان العذاب يومها لا يوصف. حتى يخيل إلي أن العراقي ولشدة ذلك العذاب صار يرى عدوا في هبة ريح وانزلاقة حجر وسقوط ورقة من غصنها. هناك يد شريرة تدس السم في طعامه وتربك الأدعية في صلاته وتلوث زرقة السماء أمام عينيه. كانت جنائز الأطفال تتعثر بحيرة الأمهات. أنصت إلى كبار السن وهم يلعنون العمر الذي طال بهم. وكانت بغداد تضيق تحت القدم غير أنها لا تكف عن التلفت، باحثة عن صورة لعدو خفي. لم يكن الموت يحضر بيسر. كان هناك من يهبك فرصة أن لا تموت، من أجل أن تتعذب أكثر. بالنسبة لي فقد كنت أشقى من أجل أن أحصل على الورق الصالح للكتابة. وأخيرا أهتديت إلى الورق الأسمر التالف الذي يفيض عن حاجة المطابع. صرت أحضر اسطوانة ورق واقطعها، حسب المقاس الذي يلائمني. بدأت أكتب على ذلك الورق أشعاري ونصوصي ورسائلي، غير أن لحظة سهو واحدة تتمثل في نسياني رأس القلم وهو في حالة تماس مع الورقة قد تدمر كل ما كتبت سابقا. حينها ينتشر الحبر في عروق الورقة وتأكل زرقته كل ما كتبت. كنت أحرص على أن يمس القلم سطح الورقة بخفة منقار طائر. كلمة كلمة مثل حبة حبة. انقر الكلمات قبل أن تختفي وحين اراها ماثلة أمامي أشعر بالفرح وأنظر بتشف إلى ذلك العدو الذي فشل في منعي من الكتابة. في لحظة التيه تلك هبطت علي فكرة كتابة ديوان شعري، حمل عنوانه معه: (درس البرابرة). كان المرء يصطدم بالبرابرة كل لحظة، في السوق والأخبار والحصة التموينية والبحث العبثي عن الدواء والخبز الأسمر المطعم بالتراب والماء الذي صار بطعم ولون ورائحة والسيجارة التي تنطفيء لذاتها والكوابيس والفاكهة المتعفنة وأطفال المزابل والمعلبات الايرانية الفاسدة وانباء الموتى وطوابير الفنانين الباحثين عن فرصة لرسم صورة للقائد وبذاءات الشعر الشعبي والباذنجان الذي صار فجأة سيد المائدة العراقية والسمك الذي اشيع انه قد أصيب بداء عضال ومحطات التلفزيون المحلية والكتب المدرسية الممزقة والأقدام الحافية. كان البرابرة هناك، في السطر الذي لا يزال في طور الكتابة، في النظرة التي لم تقع بعد على ما تريد أن تراه، في المسافة التي قد لا يجرؤ أحد على مشيها. لقد نسيت ما كتبت إلى أصدقائي في تلك الرسائل. حتى (درس البرابرة) نسيته لولا رزمة الورق الصفراء التي وصلتني من نديم. أتذكر أنني حين أكملت كتابة قصائد ذلك الديوان قررت أن أتخلص منها. لم أكن في حاجة إليها. يحتاج المرء إلى القصائد من أجل أن يكتبها، أما وقد كتبها فانه يكون في غنى عنها. وهكذا صرت أرسل تلك الأوراق السمراء التي كتبت عليها قصائدي إلى الأصدقاء، فكانت حصة نديم كما ظهر لي مؤخرا ستا منها. فكرت حين قرأت تلك القصائد الست في الطلب من أصدقائي لكي نعيد مرة أخرى جمع ذلك الديون الضائع، لكني شعرت بعبثية الفكرة. تلك القصائد ذهبت إلى مصيرها مثلما ذهب شعبي تماما. لا أفكر هنا بالوثيقة، بل افكر بالعاطفة. لقد انتهيت مثلما انتهت قصائدي: تائها، مضيعا، مشردا، ملعونا، متمردا، عصيا على الرضا الزائف. لقد رضيت أن لا تكون تلك القصائد موجودة خمسة عشر عاما، بل أنني قد نسيتها، فهل يحق لي الآن التفكير في اعادتها إلي باعتبارها ملكا شخصيا؟ ماذا عن البشر الذين هلكوا، كيف يمكننا استعادتهم؟
كانت بغداد مدينة فحولها البرابرة إلى مزبلة. لن تكون قصائدي أعز علي من بغداد. ملكا بخطى واثقة كنتُ. كان الشرق قريبا من يدي. قلت لنفسي ذات مرة، قبل الحصار: ‘لاجلس على كرسي الشرق المريح وأتأمل العالم’. قمر ابن زريق لا يزال منيرا على حبل غسيل شد بين سياجين على سطح الدار. الكرخ ليست بعيدة. أذهب إلى الشواكة وأتلصص على أجساد بائعات السمك. وإن شعرت بالتعب ففي مركز صدام للفنون هناك الكثير من اللقى البصرية التي من شأن النظر إليها أن يعيد إلى روحي تألقها. كان المرء يرى الموسيقيين الذين رسمهم جواد سليم في كل حفلة عرس. يرى زين العابدين طالعا من لوحة شاكر حسن آل سعيد متأنقا بلغزه التاريخي ليرود الدروب الضيقة، معطرا هواءها بأدعيته. لن أنسى ما حييت صوت لميعة توفيق وهو ينسل من وراء باب بيت في الحيدرخانة معذبا: ‘هذا الحلو قاتلني يا عمة’. كان هنالك شعر كثير في بغداد وقد اختفي إلى الأبد. لحس البرابرة الأرصفة وأسرة النوم وعربات السمك ومياه دجلة وذهب الاضرحة وملاعق الشاي وصحون الهريسة وخطوط هاشم البغدادي وقبر الجنيد وصفصاف ابي نؤاس وبوابة المتحف العراقي وعربات الباعة في علاوي الحلة وسيارات الملك في الزوراء ومعهد الفنون الجميلة والمستشفى الجمهوري وتمثال (ابو جعفر المنصور) وسينما الحمراء وفندق بغداد ومكتبة النهضة وكبة ابو علي وسراي الحكومة ومسرح بغداد واورزدي باك وبيرة فريدا. خرج البرابرة من ثقب الإبرة وناموا على سريري فيما كنت أكتب وصيتي. وكما يبدو لي الآن فإنني كتبت ما بين عامي 1991 و1997 رسائل إلى أصدقائي كانت مكتظة بذكر برابرة لم يولدوا بعد. كانت البشرية كلها في ظل الظلم الذي وقع على العراق تستعيد عصرها البربري الزاهر. وإذا ما كان العراق قد عاش عبر عقدين من الزمان تجليات البربرية كلها، فإن بربرية مثقفيه القادمين إليه برفقة المحتل كانت هي الأقسى. يتمنى المرء لو أنهم ماتوا من أجل أن يحتفظوا بكرامتهم ومن أجل أن يحتفظ العراق بذكرى نظيفة لأبنائه في المنافي. للخيانة رائحة عفنة. درس البرابرة كان قاسيا.