في أحضان لويس كامويس
فــاروق واديفي أحضان لويس كامويس ليست المدن، يا حبيبتي، كبيرة بطرقاتهابل بشعرائها الذين أقيمت تماثيلهم فيها ناظم حكمتليس من قبيل المصادفة أن يتحدّث الكاتب الإيطالي، برتغالي الهوي والثقافة والعيش والعشق، “أنطونيو تابوكي”، عن شاعر البرتغال “لويس كامويس” (1524 ـ 1580)، مؤلف كتابها الكبير، ملحمة “لويسيداس”، الذي ربما يعادل، في الثقافة البرتغاليّة، القيمة الأدبيّة لـ “ألأوديسا” و”الألياذة” لهوميروس في اليونان، و”الكوميديا الإلهيّة” لدانتي في إيطاليا، وربما توازي أهميته الأدبيّة قيمة شكسبير في بريطانيا، مؤكداً حقيقة قدرة الفنون علي خلق الحياة، لا هزيمة الموت فحسب. فحين تغنّي “كامويس” بالمكتشف “فاسكو دي غاما” وفاتحي إفريقيا والهند الشرقيّة من البرتغاليين الرواد، الذين قهروا البحار وأخضعوا الجغرافيا، يضيف تابوكي، فإننا: “يمكن أن نؤكد أن هؤلاء الأبطال لم يوجدوا سوي لأن كامويس تغنّي بهم”!في منطقة “بيليم” (بيت لحم) علي أطراف “لشبونة”، وأمام خريطة أرضيّة من الرخام الملوّن لأرض الله الواسعة التي بلغتها السفن البرتغاليّة في عصر الاسكتشافات، أقيم علي حافّة نهر “التاجو” (التاج)، وعند نقطة التقاء ماء النهر بماء المحيط الأطلسي، تمثال هائل للرجال الذين ارتادوا الآفاق لاكتشاف الجغرافيا المجهولة للعالم وإخضاعها ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا، حيث أبحرت قبل قرون سفنهم التي تحمل أحلام بلاد كانت تتهيّأ ذات يوم للسيطرة علي مشارق الأرض ومغاربها. لم يتح لي ضيق الوقت فرصة الاستغراق في تأمُّل التمثال الضخم وطرح السؤال الذي يهدف إلي التعرُّف علي أسماء أولئك الرجال الذين ما زالوا يقفون في السفينة الحجريّة خلف “هنري الملاّح” و”فاسكو دي غاما” والتدقيق في ملامحهم وأسمائهم وأدوارهم. ولكن، لا شكّ في أن شاعر البرتغال الأكبر ” لويس كامويس” (أو لويش كامويش، حسب النطق البرتغالي) هو من بينهم. فالذين عاشوا هول المغامرة في لجّة الماء، لا تقل أهميتهم في الوجدان والذاكرة الوطنيّة، عمّن خلّدوها بكتاباتهم.مع ذلك، فإن المصادفة وحدها هي التي قادتني إلي القرية الساحرة “كونستانسيا” (القسطنطينيّة)، التي تبعد عن لشبونة أكثر من مئة كيلومتر، والقائمة عند عناق نهرين متعبين من طول المسير، “التاجو” و”زيزره”. وتحت الأشجار الظليلة المتشابكة هناك، وجدت تمثالاً لكامويس يجلس وبيده كتابه الملحميّ، في مكان يُقال إنه عاش فيه. لكن ساراماغو، الذي لفت انتباهي في روايته إلي تمثالٍ لكامويس في وسط لشبونة (لم يستوقفني للأسف) يرفض نظريّة المصادفة في العثور علي تمثالٍ آخر للشاعر في أمكنة لا تتوقّعها. فهو يؤكد، في “سنة موت ريكاردوريس” علي أن “جميع الطرق في البرتغال تؤدي إلي كامويس”، مختزلاً أسطورته بالقول إن ذراعاه كانتا في حالة استعداد لخوض المعارك، فيما ذهنه كان منصباً علي أوزان الشِّعر!قالت لي “شهد”: إن ساراماغو يعتقد جازماً، في كتابٍ له يرتحل فيه سائحاً في أنحاء البرتغال، بأن “كامويس”، بحساسيته المفرطة وشفافيّة روحه، لا بدّ وأن يختار العيش في مكان كهذا، يلتقي فيه نهران. ولكتاب “كامويس” هذا أسطورته الخاصّة، إذ يُحكي أن السفينة التي كان الشاعر علي متنها غرقت، فغادرها الشّاعر ومعه مخطوطته. ولقد ظلّ يسبح بيد واحدة، فيما كانت قبضته الأخري تتشبِّث بمخطوطة الكتاب المرفوعة إلي الأعلي بذراع لم يهزمها الكلل، فأنقذ المخطوطة من الغرق، ومنح الشعب البرتغالي ملحمته التي يفخر بها.غير أن ملحمة “كامويس” تكاد لا تُذكر إلي جانب الملاحم الكونيّة الأخري. وربما يعود ذلك إلي ما أطلق عليه ساراماغو ذات يوم “الصوت الجبان الخائف للبرتغال”. فرغم التفرُّد المذهل للصوت البرتغالي، إلاّ أنه يبقي خافتاً وخجولاً، ويكاد لا يُسمع. وسواء كان وجه التقصير برتغالياً، أم من طرف الآخر، فإن الحقيقة التي أكدها الكاتب البرتغالي الوحيد الذي انتزع نوبل للآداب عام 1998، هي أن “تاريخ البرتغال ليس هو تاريخ أوروبا، ولكن تاريخ أوروبا لا يمكن تخيُّله أو تصوُّره دون تاريخ البرتغال”. هذا القول يمكن تعميمه أيضاً علي الأدب البرتغالي، الذي لا يمكن تخيُّل الأداب الأوروبيّة عبر إقصائه. ولعله من المفيد هنا الاعتراف بأن طريقاً آخر في البرتغال قادتني إلي “كونستانسيا” وجعلتني أتعثّر بتمثال “كامويس”، هي التي دفعتني لأن أبحث عنه بالعربيّة، لكنني للأسف لم أعثر علي شيء.. أي شئ، ربما باستثناء إحدي الموساعات العالميّة علي الشبكة العنكبوتيّة، الناطقة بلغة الضّاد، التي اكتفت (في أقل من سطر واحد يتبع الحديث عن فاسكو دي غاما)، بوضع اسم كامويس وتاريخ مولده وموته واسم كتابة الملحميّ، دون أن تضيف معرفة أخري!؟ہہہ سيزيلتينا ، السيِّدة البرتغاليّة التي رافقتنا إلي كونستانسيا، منحت مرافقاتنا من النساء اللواتي كنّ يتأملن تمثال صاحب “لويسيداس،” سرّاً آخر من أسرار الكاتب وأسطورته الذاتيّة وأسرار تمثاله، عندما قالت: ثمّة اعتقاد سائد في البرتغال بأن المرأة التي تجلس في حضن كامويس للحظة لن تعرف التعاسة أبداً، وستبقي سعيدة إلي الأبد! لم تتردد النساء بالمسارعة للجلوس في حضن تمثال شاعر يسند كتابه المفتوح علي حجره، وأمام عيون أزواجهن، الذين لا شكّ بأنهم كانوا يرددون في دخيلتهم: “إنه مجرّد تمثال شاعر”!؟ فهل تكفي لحظة جلوس في حضنٍ من المعدن البارد لبلوغ السعادة ونشوة الشِّعر والمعرفة، أم أن المسألة تحتاج إلي استنطاق البرونز الذي صاغ تمثال الشّاعر؟! شاعر لا نعرف عنه شيئاً، تكبر البرتغال به، وبتماثيله التي أقيمت وسط المدينة، وعند حافة الماء، وتحت أشجار “كونستانسيا” الوارفة، قرب ملتقي نهرين متعبين من طول المسير في المكان والزمان، وفي نهايات الطرق التي تقود كلّها إليه!كاتب من فلسطين[email protected] 0