في أربعينية الرئيس صدام حسين: مكاشفة بيضاء من القلب

حجم الخط
0

في أربعينية الرئيس صدام حسين: مكاشفة بيضاء من القلب

عبد الرحمن مجيد الربيعيفي أربعينية الرئيس صدام حسين: مكاشفة بيضاء من القلب في اربعينية الرئيس صدام حسين وجدت نفسي امسك بالقلم لاكتب، هكذا دفعتني المناسبة لهذا العمل دون ان احضر عنه اية فكرة مسبقة عدا اللحظة الحزينة التي رأيناه فيها وهو يتعامل مع جلاديه بكبرياء، حزينة بالنسبة لنا لكونها تواقتت مع أول يوم من ايام عيد الاضحي المبارك، وما زال صوت المصلين في مساجد المدن العربية يتردد عبر مكبرات الصوت قبل ان يعودوا الي بيوتهم لينحروا الذبائح لوجه الله وفق التقليد المتوارث لدي المسلمين.لكن المشهد في بغداد كان غير هذا، فمن قدموه للذبح في ذلك اليوم هو رئيس العراق الشرعي. كان سافر الوجه وكانوا ملثمين، لم يرض ان يوضع علي وجهه كيس اسود وهو الذي سيعدم، لكن الذين نفذوا المهمة هم من وضعوا رؤوسهم في اكياس سوداء، كان مشرعا كالبحر وكانوا مختبئين كنوافذ السجون!ذلك المشهد علق في الذاكرة الجمعية لكل الذين شاهدوه وقد حوله فعلا الي رمز اجتمع حول فروسيته وفرادته حتي الذين اختلفوا معه وخاصموه.في هذا الموضوع لا اريد ان اذهب بعيدا في التأويلات بل أود ان ابقي مع هذه المكاشفة البيضاء، وهذا الحديث الذي أود ان تكون صراحة البوح فيه منطلقه.وجدت من آخذ الذين كتبوا عن الرئيس الشهيد صدام حسين منطلقين من مشهد الاعدام واعادوا هؤلاء الي ما اقترف في عهده من مظالم واحداث كبيرة، وهم علي حق في هذا، لكن المراجعة هذه وتقليب صفحات الماضي ليس هذا اوانها في لحظة الحزن والرعب الباقية والعصية علي المحو التي رأيناها. ونحن سليلو امة تؤمن بالفروسية والبطولة الفردية ولذا نستذكر الاسماء الرموز لنعايشهم فنسمي باسمهم الشوارع والاحياء والمدارس والساحات، بل ونقيم لهم التماثيل، وقد قدم الرئيس صدام النموذج في هذا، وقد كان له ما يزيده قوة في مؤهله الجسدي (قامة طويلة ووسامة رجولية وكاريزما لائقة بزعيم) اضافة الي مؤهله الفكري وقدرته علي الحوار والاقناع ثم شجاعة الحسم مهما كانت النتائج.واثناء فترة محاكمته وجدت من انحاز اليه وكأنه قد اعاد اكتشافه ثانية. وأدرك انه زعيم حقيقي وكان الذين يحاكمونه نيابة عن المحتلين صغارا يدبون تحت قامته المهابة. ولذا وقف معه الكثيرون، رغم انهم ادركوا ان هذه المسرحية الثقيلة التي سموها محاكمة ستقود حتما الي اعدامه. وقد تقبل هو الأمر حتي انه اوصي بالطريقة التي يريد لهؤلاء الجلادين الصغار ان يعدموه بها (ولم يراعوا الوصية طبعا)، وكان يؤكد لمحاميه بأن النية ثابتة وقرار اعدامه معد سلفاً من قبل المحتلين ومن قبل العمائم الوافدة التي حددت الموعد (ليحزن السنة في اليوم الاول من عيد الاضحي، لان الشيعة عيدهم في اليوم التالي وفق التقويم الايراني لمجرد الخلاف فقط! كما نشرت احدي الصحف الطائفية العمياء).كان محاموه يعرفون هذا. وقد حدثني الصديق المحامي التونسي الشهم والشجاع احمد الصديق عندما سألته، لا بل انه ذكر لي انه كان يحاول تخفيف وقع اعدامه القريب والمتوقع عليهم والذي زرعهم في حالة نادرة من التأثر بعد ان تآلفوا معه وعرفوه بعد لقاءاتهم الكثيرة به.أسأل هنا: هل كان مقدرا علي النسبة الكبيرة من الذين حكموا العراق ان ينتهوا قتلا واغتيالا؟هل هناك في العراق لعنة تجعل حياة الحاكم مقترنة بخاتمة مأساوية؟في الفترة الملكية اغتيل الملك غازي وهو يقود سيارته التي كان مغرماً بها بسرعة قصوي فنفذ مرافقه ما طلب منه وضربه علي رأسه لتصطدم السيارة بعمود الضوء صدمة قاتلة.اما ولده الملك فيصل وولي العهد الأمير عبد الاله ورئيس الوزراء المزمن نوري السعيد فقد قتلوا في ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 بل ومثّل بجثتي عبد الإله ونوري السعيد.اما عبد الكريم قاسم زعيم الثورة ومؤسس الجمهورية فقد اعدم في انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 في مبني الاذاعة ثم رميت جثته من جسر ديالي ليظل بلا قبر.ولكن الذاكرة العراقية تحتفظ له بلحظة بطولة اخيرة ـ رغم ان الفضائيات لم تكن معروفة وقتذاك عدا التصوير التلفزي العادي ـ اذ انه استسلم لقدره وتلقي الرصاص بهدوء دون خوف او توسل، وقد استمعت مع عدد من الادباء العراقيين لشهادة الرئيس المرحوم البكر عن هذه الواقعة وذكر ان عبد الكريم طلب ان يحلق ذقنه ويتهيأ بثيابه النظيفة للاعدام وكأنه ذاهب الي موعد مهم. وقال البكر انهم لبوا له ما اراد.اما الرئيس عبد السلام عارف فقد اسقطت طائرته الهليكوبتر في البصرة وفارق الحياة في ذلك الحادث الغامض مع عدد من مرافقيه ووزرائه.لعل الرئيس صدام حسين قد استذكر كل هذه الاحداث وعرف كيف انتهي ولداه عدي وقصي وحفيده مصطفي بعد ان قاوموا وقتلوا عددا من المهاجمين الامريكان علي الدار التي كانوا فيها.ولعل الرئيس صدام ايضا آمن بان النهاية هذه ما دامت قادمة وبالشكل الذي اعدت فيه عليه ان يتقبلها وان وقفة العز الاخيرة ستمكث في الذاكرة الجمعية.واقول هنا في هذه المكاشفة البيضاء التي تتطلبها هيبة المناسبة انني وككاتب واديب لم اكن من الذين كتبوا عنه مادحين في اوج سنوات قوته وتألقه ـ في انتصاراته المعروفة علي ايران في حرب الثماني سنوات مثلا ـ وقبلها في انجازاته الاقتصادية والعلمية والطبية ـ بدءاً من تأميم النفط ـ وكان وقتها نائبا ولكنه كان المسؤول عن هذه الملفات الصعبة.بعض زملائي واصدقائي كتبوا، ونالوا الهدايا، سيارات وبيوت واموال، هبات كثيرة كانت تقدم لهم، وكنت اقول مازحاً: الحمد لله، انا لم انل حتي بايسكل (دراجة هوائية)!كنت اعرف ان هناك حملة رياء كبيرة، وهناك موجة كاسحة، استمرأها شخصيا مع الأسف فمنح الهبات عنها. ولذا وجدنا القاضي السابق يقول له بعفوية: انت لست ديكتاتورا ، هكذا بكل هذا الصدق والوقار، ولذا ازاحوه من منصبه وجاءوا بالمبتدئ المدعي الذي نجده امامنا بديلا عنه ليواصل اللعبة.كان عهد الرئيس صدام عهدا صعبا رغم ما فيه من منجزات لا تعد وكان حقا كما سماه صديقنا الكاتب الفلسطيني المرموق حمدان حمدان (ابو الحداثة وبانيها في العراق). لقد ادرك الكثير من الوطنيين الذين كانوا يعارضونه لسنوات طويلة وهم في منافيهم ان الواجب الوطني يدفعهم الي ان يقوموا بفعل بعد ان اخذ العملاء يتجمهرون ويحثون الامريكان ومن والاهم علي غزو العراق واسقاط نظامه الوطني الذي لا اختلاف لهم مع هويته بل مع تفاصيل ما جري فيه، كان هذا قبيل الاحتلال بأسابيع وارتأوا ان يذهبوا وهم المطلوبون الي بغداد ويقدموا نصيحتهم ويسمعوا الصوت الوطني المناقض لاصوات العملاء الذين اجتمعوا في لندن ومصيف صلاح الدين وزينوا للمحتلين لان يقوموا بغزوهم المريع الذي اوصل العراق الي ما هو عليه الآن.ذهب الاخوة فاضل الربيعي ومحمد جواد فارس وعبد الجبار الكبيسي وعوني القلمجي وغيرهم من قدامي المعارضين ليسمعوا صوتهم في لحظة المكاشفة العظمي. كانت عملية الفرز قد بدأت بين عملاء عريقين ووطنيين صادقين.وتجاوز الوطنيون كل الخلافات، وبقوا مع وطنهم ودافعوا عنه وما زالوا يدافعون، كما دافعوا عن الرئيس صدام وهو بين ايدي جلاديه الصغار، ارجأوا كل خلافاتهم معه شخصيا ومع نظامه، وكنت من هؤلاء، لكن الكارثة حلت واحتل العراق واصبحت ارادته رهناً لإرادة المحتلين ومجموعات كريهة من صغار العملاء الذين لا ذمة لهم ولا ضمير.في اربعينية الرئيس صدام لا نري بعد اعدامه الا المزيد من الدمار وتطاولا علي كل ما حوي البلد من رموز في عملية مقصودة لمسخ هويته.كما نري تصاعداً في عمليات المقاومة التي ستقود الوطن حتما الي حريته وكنس العملاء وقوات الاحتلال التي استعانوا بها.السيد الرئيسفي اربعينيتك تألق وشموخ لك وهوان وذل لأعدائك، اعداء العراق العربي. رحمك الله.ہ روائي من العراق يقيم في تونس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية