في أزمة أوكرانيا.. كيف يتطلع “لاعب القمار” الروسي للتحكم بجدول الأعمال الدولي؟ 

حجم الخط
1

في آذار 2014 أرسلتني “يديعوت أحرونوت” لتغطية الحرب في أوكرانيا. طرت من كييف إلى الجبهة، إلى شبه جزيرة القرم. استأجرت مترجمة وسيارة وسافرت إلى “بريفلنيا”، قاعدة عسكرية أوكرانية فرض عليها الروس حصاراً. انتشرت كتيبة مشاة في نظام مميز أمام بوابة القاعدة: مجنزرات تحمل المدافع، وشاحنات، وسيارات “جيب” و”تندر”. “استسلموا وإلا جوعناكم حتى الموت”، أعلن الروس، لكن لم يمت أحد، ولم تطلق رصاصة واحدة، ولم يرشق حجر. أحيطت القاعدة بميليشيا من المتعاونين المحليين، بلباس مدني، أدارت الأمور. وقف بينهم وبين سياج القاعدة جنود روس مسلحون من أخمص القدم حتى الرأس، صامتون. واصل الطاقم الأوكراني حياته الاعتيادية داخل القاعدة. سمح لنساء الضباط بالوقوف قرب البوابة. بعضهن جلبن طعاماً ساخناً لأزواجهن. “الويل”، اشتكى القسيس في مدخل الكنيسة خارج القاعدة، “يا لغنى أوكرانيا لولا تعرضها لسرقة من الأجانب”. “الويل” أجابت حفنة من المصلين.

عندما وصلتُ، كانت السيارات تحمل علم أوكرانيا بفخار في الشوارع، وعندما غادرت حملت العلم الروسي بفخار. جنديان روسيان وكلب، لا حاجة لأكثر من ذلك، قاموا بأعمال الدورية حول المطار المحتل. ضابط أوكراني طويل وصل إلى المطار في سيارة مدنية، محوط بحاشية، ببزات مزينة بأوسمة الحرب. أًجري إخلاء طوعياً. عندما مر بخطى سريعة على الدورية الروسية، لم ينزل نظره عن الجنديين؛ لم يوقفه الجنديان. تعايش بين المحتل والخاضع للاحتلال على النمط الأوكراني.

في 2014 كان مركز العاصمة كييف تحتله ميليشيات مناهضة لروسيا، فرضت الإرهاب على أعضاء البرلمان. وقد تميزت بماض مؤيد للنازية وبمظاهر فاشية. تذكرت جملة قالها إسحق شامير عن حرب إيران – العراق ذات مرة: “أتمنى النجاح للطرفين”.

توفر قنوات التلفزيون الغربية في الأيام الأخيرة تقارير بطولية من الحدود، من محافظة دونباس المغطاة بالثلوج، في جنوب شرق أوكرانيا. جنود يعدون بالقتال ضد الروس حتى آخر قطرة دم، ومواطنون يقسمون بأنهم لن يخضعوا أبداً. وأقترح التعاطي مع هذه التقارير بشك. روح القتال الأوكرانية هي الأمر الأخير الذي يوقف بوتين في الطريق إلى الاجتياح. “أوكرانيا ليست دولة على الإطلاق”، قال بوتين للرئيس بوش عندما التقاه في 2008، “معظمها تعود لنا. والباقي يتوزع بين دول شرق أوروبا”.   

أيونا هيل، التي كانت تتولى الملف الروسي في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس بوش، نشرت قبل بضعة أيام مقالاً شائقاً في “نيويورك تايمز” تروي فيه أن الخبراء، وهي منهم، حذروا الرئيس من فتح الباب لانضمام جورجيا وأوكرانيا إلى الناتو. بوش لم ينصت لهم. وبوتين رد باجتياح جورجيا، وهو يحتفظ بقسم من الأرض التي احتلها حتى اليوم. في 2014 احتل القرم. واكتفى الأمريكيون بعقوبات اقتصادية.

أما الآن فثمة فرصة لبوتين: أمريكا تعيش مشاكل. أربع سنوات ترامب، أحدثت شرخاً في الثقة بين الدول الأعضاء في الناتو. إدارة بايدن مهزومة في الكونغرس وفي الرأي العام، وتفقد تأثيرها في العالم. الانتخابات الوسطى والفوضى التي تخترق الحزب الديمقراطي تمنع الإدارة من الرد على أي ضربة. هذا وقت تغيير قواعد اللعب، في أوروبا وربما في الشرق الأقصى أيضاً.

بوتين، كما تذكر أيونا هيل، يحسب أيام السنة جيداً. في كانون الأول الماضي، مرت 30 سنة على تفكيك الاتحاد السوفياتي. كانت هذه بنظره مصيبة بحجوم تاريخية: فقدت روسيا غلافها الواقي، واضطرت قواتها العسكرية للانسحاب، وبدأت الأنظمة التي قامت في الدول والمناطق التي أخلتها، تتطلع إلى الاتحاد الأوروبي والناتو والإدارة الأمريكية.

هو يسعى لإصلاح تاريخي، ولإعادة النظام القديم، من عهد الاتحاد السوفياتي ومن عهد الإمبراطورية القيصرية. فضلاً عن هذا، يسعى لإلحاق إهانة بأمريكا مشابهة للإهانة التي لحقت بالروس قبل ثلاثين سنة. ستصل روسيا إلى تسوية جديدة مع دول أوروبا تتضمن إخلاء القوات العسكرية الأمريكية، هم وصواريخهم الباليستية، من أراضي أوروبا. بعد ذلك، يأتي دور الوجود الأمريكي في اليابان وضمانة أمريكية لاستقلال تايوان. أوكرانيا هدف، وهي أيضاً رمز وسابقة. هذه معركة لا يكاد بوتين يكون خاسراً فيها.

بوتين لاعب قمار متميز: الأوراق التي في يديه سيئة، وعلى الرغم من ذلك، يتحكم بجدول الأعمال الدولي، يختلق أزمات متى شاء، ويستخلص منها أقصى فائدة. مصمم ومركز على الهدف، في مواجهة غرب واهن ومنقسم. تفيد التجربة التاريخية بأن الديمقراطية الغربية تنتصر في النهاية. السؤال هو متى، وبأي ثمن؟

ليس يسيراً على دولة ما أن تعيش في جيرة قوة عظمى، إلا إذا كانت كندا. فالقوى العظمى تعمد إلى فرض إرادتها على الدول المحاذية لها، تجتاح الدول المارقة وتستخف بمؤسسات الأمم المتحدة والرأي العام العالمي. ربما نجد نحن الإسرائيليين، نصف مواساة لنا: نكثر من الشكوى على جيراننا الإشكاليين؛ من إيران البعيدة وحتى لبنان وسوريا، والضفة وغزة. فأن أن تكون جاراً لماما روسيا ليس بهجة كبرى.

بقلمناحوم برنياع

يديعوت 31/1/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية