إذا كان السرد العربي في القرن التاسع عشر قد شهد تطورا ملحوظا في ممارسة بعض تقاليده، فإن السرد الأوروبي شهد تطويرا مبكرا جرى على هذه التقاليد، وتوضح بشكل جلي منذ القرن الثامن عشر لأسباب كثيرة، منها ما صارت عليه أوروبا من نهضة علمية وأدبية شملت مختلف الصعد الحياتية، ومنها الصعيد الأدبي. فكتب دانيال ديفو (1660 – 1731) «روبنسون كروزو» وسماه كتابا، وفيه ساير من ناحية البناء السردي قصص الرحلات التي عرفها السرد العربي القديم، فالبطل هو السارد الذاتي، يسترجع أحداثا ماضية بضمير المتكلم، واسمه روبنسون كروزو، واتبع طريقة الاسترجاع الزماني لأحداث وقعت في الحقبة التي فيها أخذت أوروبا بالنهوض، وفيها ازدادت تطلعاتها في توسيع نفوذ سيطرتها. فكان روبنسون أول من اكتشف جزيرة اليأس بعد غرق سفينته في البحر. ويدلل استعماله أسلوب الفصل والوصل على نمط البناء المقامي، حيث كل فصل يمكن قراءته لوحده كقصة قصيرة، وكان البطل محور الوصل بين الفصول المنفصلة، وهو في العموم سندبادي التطلع. وسوغت الخيالية له صنع واقع افتراضي فيه اجتمعت بشكل غير ممكن رغبتان متناقضتان ومتقاطعتان هما: العودة إلى الوطن والاستحواذ على الجزيرة. بمعنى أن رغبته في العودة الى موطنه/ المدينة تقاطعها رغبته في العودة الى البداءة /اليوتوبيا
(كنت فخورا جدا بمزرعتي المتنامية) أو قوله (لكنني الآن أقضي الكثير من الوقت قلقا من أن يكتشف أهل الجزيرة وجودي مما يصعب عليّ الاستمتاع بحياتي) (وأضحى سجني موطنا جميلا لكن على قدر الراحة التي عمت الأرجاء، إلا إنني اشتقت إلى الحضارة وأردت العودة لوطني) وهذا يخالف بعض الشيء وجهة النظر التي عكسها السيناريو، الذي وضع للرواية كفيلم سينمائي، فكان روبنسون متألما نفسيا من وضعه الذي اختاره له القدر ودائم الحنين إلى الوطن، يجرب مختلف الطرق كي يعود من حيث أتى.
وكان استعمال الحوار بنوعيه الخارجي والباطني حاضرا على طريقة الحريري (قلت لنفسي: قد يكون هذا الاثر هو أثر قدمي أنا، وأنا لم ألحظ أنني تركته.. مرت سنتان لم أر فيهما أحدا ولم يظهر مزيد من آثار الأقدام على الرمل). وللقارئ مركزية واضحة، لاسيما في ختام الرواية (يا أصدقائي الأوفياء هي أحداث قصة أخرى لاحقة). أما اللاواقعية فهي القاعدة التي عليها اعتمد الكاتب في بناء القصة واقعيا، وبحبكة تربط الأحداث بالشخصيات ربطا عقلانيا بهويتين مختلفتين هما، هوية المؤلف وهوية السارد/ البطل ونص واحد سيري يفترض أن الهوية واحدة لأن السرد يجري بضمير الأنا، حسب ميثاق السيرة الذاتية لفيليب لوجون. ومن ثم تتعارض خيالية روبنسون مع واقعية ديفو، أو لا خياليته، إذا ما وضعنا في بالنا أن روبنسون صورة متخيلة لحي بن يقظان، فيكون نصه هو نسخة تقليدية لنص سيري رحلي سابق فيه يولد الإنسان على الأرض ويعيش معيشة الحيوانات، ثم يأخذ بالتعلم وتنظيم حياته. ويرفض البنيويون فكرة التقليد في التمثيل السردي ويعدونها وهمية بوجود العرض يقول جينيت: (لا يمكن لأي حكاية ان تعرض أو تقلد القصة التي ترويها، إنها لا يسعها إلا أن ترويها بكيفية مفصلة دقيقة وحية، فتعطي بذلك إلى حد ما إيهاما بمحاكاة هي المحاكاة السردية الوحيدة لسبب وحيد وكاف، هو أن السرد الشفوي أو المكتوب واقعة لغوية، وأن اللغة تدل دون أن تقلد). لكن كيف يكون ذلك مقنعا وكلا البطلين حي بن يقظان وروبنسون، اعتاد على واقعه الجديد، على الرغم من اختلاف طبيعة هذا الواقع. فروبنسون صنع قاربا وأنشأ مزرعة مثمرة بالأشجار، وربى الماعز لكنه حين علم أن الجزيرة مأهولة استاء وتأهب لأي خطر محتمل، وبهذا تكون الرحلة لونا من ألوان القص، الذي تساهم السيرة في تصعيد واقعيته، فتماسكت الحبكة وتشابكت الأحداث وتعقدت. مما ستجسده روايات لاحقة مثل «موبي ديك» و«السفراء» و«يوليسيس».
وعلى طول رواية «روبنسون كروزو» والبطل هو المحور في التعرف والاستطلاع، تسانده شخصية ثانوية هي شخصية جمعة. وبهذا أصبح هو العارف وبالمعرفة استمر في أداء دوره المركزي، ويتمثل أساس هذه المركزية في اللغة والعقل، وبينهما السرد الذي من خلاله نكتشف مستواهما وهو ما يسميه ديفيد هيرمان بالنظام السردي.
وعلى طول رواية «روبنسون كروزو» والبطل هو المحور في التعرف والاستطلاع، تسانده شخصية ثانوية هي شخصية جمعة. وبهذا أصبح هو العارف وبالمعرفة استمر في أداء دوره المركزي، ويتمثل أساس هذه المركزية في اللغة والعقل، وبينهما السرد الذي من خلاله نكتشف مستواهما وهو ما يسميه ديفيد هيرمان بالنظام السردي. وهو أمر معتاد في بناء المقامة بضمير الأنا فكان عيسى بن هشام هو السارد البطل وكان أبو الفتح الإسكندري هو الشخصية المساندة. وإذا كانت غاية بديع الزمان الهمذاني من القص نقد الواقع الاجتماعي واللغوي والأخلاقي والروحي، فإن غاية ديفو من قصته هي التعبير الواقعي عن رغبته في التوسع الاستيطاني ومد النفوذ الاستعماري الأوروبي إلى أبعد ما يكون، وفق الفلسفة الميكافيلية والنظام الرأسمالي الذي فيه الغاية تبرر الوسيلة، والدليل إن حبكة القصة لم تنفرج برؤية روبنسون لأهل الجزيرة، بل انفرجت بتصادي روبنسون معهم واستعانته بواحد من أبنائهم الفارين والمطلوبين للعدالة وهو جمعة فأنقذه من مصير مجهول ثم عمل على تدجينه (سوف أدعوك جمعة لأنني انقذتك في هذا اليوم يوم الجمعة) وجعله يعمل لصالحه فعاونه على إدارة المزرعة وتربية الحيوانات، وكان معه يتأهب لأي خطر طارئ قد يداهم المزرعة. ولا يخفى ما في تعليم جمعة اللغة ونمط الحياة الزراعية من وجهة نظر أيديولوجية مفادها أن للاستعمار دورا في تمدن البلدان، ومن ثم يتوجب على الشعوب المستعمرة التعاون معه. وكأن استغلال ثروات البلدان هو الثمن الذي على الشعوب أن تدفعه من أجل التمدن، ثم إن المدنية والحضارة ليست لها مقاييس. وأي شعب إنما يملك مقياسه الحضاري الخاص، الذي هو وليد عقله وطبيعة بيئته، لكن القوة التي يملكها الاستعمار لا تعطي هذا الشعب فرصة الاختيار، فيصبح من ثم أمر استغلاله والسيطرة على ثرواته أمرا واقعا.
من هنا كان روبنسون ذا حظ ودهاء فرسم الخطة وصنع السلاح، والنتيجة هي استحواذه على الجزيرة وأهلها من خلال تعاون جمعة الذي كسبه صديقا، وأفاد منه في إدارة المزرعة (وثقت فيه ثقة عمياء.. وبالتأكيد وجودنا نحن الاثنين معا كان يعزز من فرصتنا بحماية أنفسنا من أهل الجزيرة، ما جعلني أيضا أفكر أكثر وأكثر في الهروب). وستتحقق نبوءة دانيال ديفو في استعمار المناطق المكتشفة جديدا. إذ بالفعل توسع الاستعمار الأوروبي وشمل قارات آسيا وافريقيا والأمريكتين. ولعل هذا هو ما جعل النقاد الغربيين يعدون «روبنسون كروزو» أول عمل روائي. علما أن استعمال ضمير المتكلم يناسب استشراف المستقبل، كما يذهب جيرار جينيت والسبب في رأيه (طابعه الاستعادي المصرح به بالذات.. فروبنسون كروزو يستطيع أن يقول لنا من أول وهلة تقريبا، إن الحديث الذي وجهه إليه أبوه ليصرفه عن المغامرات البحرية، كان حديثا نبوئيا حقا، ولو أنه لم تكن لديه عنه أي فكرة لأول وهلة.. ومع ذلك فإن رواية «بحثا عن الزمن الضائع» تستعمل الاستباق استعمالا ربما لا مثيل له في مجموع تاريخ الحكاية).
وسيأتي بعد دانيال ديفو كتاب آخرون يسايرون تقاليد السرد المقامي والرحلي، وفيها السارد ذاتي يحكي قصته بضمير الأنا كما في «رحلات جليفر» لجوناثان سويفت (1667ـ1745) وفيها السارد يرحل عبر البحر بحثا عن المال (قررت أن أركب البحر من جديد، وعملت جراحا في سفينتين طيلة ست سنوات قمت خلالها برحلات عديدة إلى جزر الهند الشرقية والغربية وبهذا جمعت بعض المال) وكذلك «مغامرات هاكلبيري فين» لمارك توين (1835ـ 1910) وهي تتمة لـ»مغامرات توم سوير».
كاتبة عراقية