في أيام الربيع الشمس مشرقة في الخارج!

حجم الخط
0

الظلام يشتد ونحن ها هنا قاعدون نرقب خيوط الفجر القادمة من خلال شقوق النافذة الخشبية المثبتة قرب السقف العفن.
لا أدري لمَ تأخرت اليوم؟ أو ربما لم تتأخر ولكننا ظننا ذلك. نحن لا نعرف زائرا إلا هذه الخيوط، نعرف من خلالها أنّ يوما آخر سيتلاشى في المجهول.
لا أدري لماذا عندما حان دور وقوفي أمامها طال غيابها، نسيت أن أقول اننا اتفقنا منذ دخولنا إلى هنا أنّ واحداً سيجلس أمام هذه الخيوط يوميا، ولقد كنت الشخص الثالث، وقد ظننت أنّي صاحب حظ سعيد عندما أكون خامسا من بين عشرة مزدحمين في هذه الحفرة، عفواً أقصد الغرفة الصغيرة التي يملأ نتنها أنوفنا، يا لها من إنسانية؟ كنّا نقول إنّ هذه الشقوق تجهد نفسها في إخراج ما تستطيع من هذه الروائح، ولكن ماذا نفعل إذا كان مقدّرا علينا أن تكون هذه الزريبة، أقصد الزنزانة بالنسبة لنا منامة ومطبخاً ومرحاضاً وكل شيء نعم كل شيء.
أعتقد أنّ هذه الغرفة قبل أن نحشر فيها كانت مستودع بقايا من يموت في غيرها، ذلك النعل [الشحاط] الذي يتنافر جزآه تنافرا عجيبا إلا في أنّهما يلبسان في القدم اليسرى، وأنّ كلّ واحد منهما بلون، ولا أنسى ذلك المعطف الذي صنعنا منه ستارا للحفرة التي يطلق عليها دورة المياه.
تحرك لساني ببضع كلمات من غير أن أشعر: ربما اعتقلوها أيضا؟
صاح سعيد الفران من هي التي اعتقلوها؟
قلت ساخراً: الشمس، ربما أدرك أحد المخبرين بطريقته الخاصة أنّها تتسلل إلينا عبر شقوق النافذة فكتب فيها تقريرا
فاعتقلوها، لم يبتسم أحد، وظلّوا منكفئين يشخصون بأبصارهم إلى النافذة.
قطع الصمت والشرود صوت قفل الباب الذي فتح وبرز منه رأس آصف السجّان المتوحش: (قووم ولاه بغل) قالها وهو ينظر إلى يحيى. الذي قام يشدّ بعضه بعضا، ومشى أمامه ببطء شديد.
كان يحيى آخر النزلاء الذين انضموا إلى هذه الز…ريبة، لقد كثر طلب هذا الشاب الوسيم – الذي يظهر عليه أنّه من المنعمين- في الآونة الأخيرة، ولا أحد يدري عنه شيئا، لم يقل شيئا ولم يسأله أحد بعد.
لكننا كنا نرى آثار مزاج أسعد الجلاد على جسده عندما يعود والدماء تغطيه.
لم يشغلنا أمر يحيى عن التفكير في خيوط الشمس التي تأخرت كثيرا.
لم يطل غياب يحيى كثيرا، فتح الباب وتهاوى فوق رؤوسنا، انتظر قليلاً حتى اطمأن إلى إغلاق الباب، ثمّ قال وهو يعتصر ألما: إنّ الشمس مشرقة في الخارج، لقد وضعوا لوحاً من التوتياء فوق النافذة. 

عبد عرابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية