إيمان مرسال
سارت إيمان مرسال بخطى وئيدة، خلف «أثر عنايات الزيات»، خطوةً خطوة، ونحن خلفها نجوب معها الأزقّة، نسألُ حراس العمارات، ونزور المقابر، ونطرق أبواب جيران ومعارف وأقارب عنايات. كانت إيمان مفتونة بعنايات، وكنا نحن مفتونين بإيمان الشّاعرة، والإنسانة. ما الذي يمنحها هذه القدرة على المواصلة والنبش في التراب بدون دلائل ولا أمل كبير؟ ويجعل من شخصية عنايات سرا لابد من إيجاد قراره، فهي لا تتقبل الانتحار المفاجئ، ولا نسيان وإهمال الجميع لها بعد الرحيل. من منطلق أنّ خلف كل قصة معلنة قصصا مخفية، وأسبابا أكبر وأخطر تبرر مسار الأمور حين تنحو منحى دراميا.
كروائية لم تُثر عنايات الزيات انتباهنا بشكل قوي، عبر المقاطع التي قدّمتها إيمان، مثلما فعلت إيمان وهي تحكي بلغة بالغة الرشاقة، عن مشاويرها اللّانهائية، وسعيها خلف أرشيفاتٍ ملغاة، أو منسية، أو لا دليل على وجودها بالمطلق. واستماتتها من أجل الحصول على صندوق بقي محروسا عند نادية لطفي صديقة عنايات الزيات الوحيدة. للحظة فكرتُ أنّ ايمان ستسطو على بيت نادية لطفي، وتأخذ الصندوق لشدّة رغبتها به. وربما خطرت لها الفكرة، لكنّها لم تقل شيئًا عن ذلك. بدل ذلك لم تغادر جبّة الباحثة المؤدبة المهذبة، والشاعرة في كل حركة. لو كان يتعلق الأمر بشخصية أخرى، لعددّت لنا حيلها للحصول على المادة، وضغطها وإحراجها لأشخاص كبروا في العمر، ولم يعد من شيء لهم في هذه الحياة إلا الذّكريات.
لكن إيمان، التي تقول لم أُرد أن أُثقل عليه، ولم أرد أن أحرجه، كلّما خذلها مصدر ما. إيمان التي تكتب رسائل طويلة، لا شكّ مهذبة، لأشخاص قد لا تصلهم الإيميلات. وبدلا من أن تطرق أبوابهم بإلحاح، وترسل لهم رسائل هاتفية بلا عدد، وتتصل بإلحاح صحافيّ الدّرجة الرابعة، إذا شمّوا رائحة خبر فضائحي طازج. حيث «الفتوّة» دلالة الصحافي الشاطر، الذي لا يرده عائق أمام حاجته.. بدل ذلك كانت تحافظ على صبرها ودماثتها مع الجميع. «بدأ عقلي يتجوّل هو الآخر بغير هدى، تذكرت أنني أتيت إلى مقابر البساتين في 1995 لم تكن جنازة، بل حفل زفاف لا أعرف أصحابه، وينشد فيه الشيخ ياسين التهامي. بدت هذه المقابر ليلتها أجمل مكان في العالم. نسيم الصّيف وأضواء هضبة المقطم، وغرباء يمدون أياديهم بسجائرهم المحشوة لك، وبحة صوت التهامي وهو يقول «لا خير في الحب إن أبقى على المهج». ليلتها طفوت في مكاني لساعات، بذلك الشعور العجيب بأنك مقطوع من الماضي ومن واقعك الشخصي».
رغم تعاطف ايمان مع عنايات، لكنها لم تجلد محيطها، ولم تتهمه، إنّما اكتفت بالإشارة إلى عدم اقتناعها بالروايات التي يسردها بعض الذين قابلتهم. وظلت تشعر بأن هناك خيطا ينقص حتى آخر جملة. أتوقع أن تبقى إيمان مشغولة بعنايات، وصندوقها، وخيوطها الضائعة. لم تكن عنايات امرأة متمردة كثيرة القصص، والحوادث، ولا كاتبة عظيمة تركت خلفها كنزا أدبيا، لأنها لم تتحمل الحياة إلى ذلك حين. واختارت الذهاب بلا ضجة، كما عاشت.
رغم تعاطف ايمان مع عنايات، لكنها لم تجلد محيطها، ولم تتهمه، إنّما اكتفت بالإشارة إلى عدم اقتناعها بالروايات التي يسردها بعض الذين قابلتهم. وظلت تشعر بأن هناك خيطا ينقص حتى آخر جملة.
ومن دون أن تتوقع أن يبحث عنها أحدهم في القرن الموالي، ويكتب عنها كتابا بديعا، قلّ مثله في الكتابة العربية المعاصرة التي يعتمدُ كثير من منتوجها على السرعة والاستعجال والارتجال. بينما أخذت إيمان وقتها، وعلى مهل بنتِ القصة، لبنةً لبنة، حتى لو لم تكتمل الصّورة كما أرادت. لكن الأهم في ما فعلته إيمان، ليس الكشف عن حقيقة موت عنايات، فهي تخلّت عنه في النهاية المفتوحة للكتاب، بل جعلتنا نفكّر بها، ونتعرّف إليها، والذين لم يعرفوا واقع المرأة العربية أن يقتربوا منه، ومازال كله قائما في جل الأوساط. «سمعت صوتي وبدا لي ضعيفا فأردت أن أتأكد مرة أخرى أن التسجيل يعمل: «ألو.. ألو، أهلا وسهلا هذا هو لقائي الأول بالسيدة عظيمة في بيتها في المعادي، ولكنه سيكون الحوار الثالث معها بعد مكالمتين تليفونيتين من كندا». فاجأني الحر والزحام في شارع الروضة، رغم أنّ الساعة الثامنة والنصف مساء، العالم كله في الشارع استعدادا للعيد. عبرت السيارات المسرعة إلى الاتجاه الآخر، في حماية امرأتين تحمل إحداهما طفلة على كتفيها».
تقع إيمان على التّناقضات والأسئلة التي نادرا ما تجد جوابا شافيا عنها، لكنّك كقارئ تعجب لهذا الإصرار في البحث عن شخصية مرّ وقت طويل على موتها، ولم تكن كثيرة المعارف أو مشهورة، بحث يتسابق الوصوليون في ادعاء معرفتها، وسرد حكايات بلا عدد عنها. كانت مجرد امرأة خائبة في مجتمع لم يقدرها، وكاتبة تتلمس الطّريق من دون سند أو ركيزة أو ثقة في موهبتها. إنّها حالة مستمرة الآن، فيمكن تخيل عنايات الزيات كثيرات في بلداننا، كاتبات موهوبات لكنهن نساء تعيسات الحظ، لذا لن يكتب للمواهب أن تبرز، ولا أن تصقل، فتلك أمور تحتاج بيئة وبنية اجتماعية غير موجودة لا للرجل ولا للمرأة، لكن المرأة تضاف إلى حمولاتها الأخرى، حمولة الضيم الاجتماعي.
«في خرائط الدقي، لا يوجد ميدان اسمه أسترا، ناهيك عن شارع اسمه عبد الفتاح الزيني. رجوت نادية مرة أخرى أن تتذكر الاسم، «بيت عنايات كان بيتي. هو على ميدان فيه محل استرا للألبان، اسألي بس، دا أحسن محل ألبان في مصر». حسنا ربما كان محل أسترا أفضل محل ألبان في مصر، حتى آخر زيارة قامت بها نادية لبيت عنايات، يوم اكتشفوا جثتها: أي منذ أكثر من خمسين عاما».
في «أثر عنايات الزيات»، سيرة امرأتين، من فترتين تاريخيتين مختلفتين، امرأتان لهما الشغف نفسه. إحداهما انتحرت، احتجاجا على ما تُواجه به امرأة طموحة ومُحبّة للحياة من حصار، رغم أنها ولدت في أسرة متعلّمة ومتحررة، لكن هذا لم يمنع من أن تقع في فخ زواج قاس، وأن تجد نفسها وحيدة، في مسارات كثيرة لم تكن النّساء آنذاك تطرقنها، ولم يكن مسموحا لها ذلك. سيرة المرأة الثانية إيمان مرسال، نموذج معاكس للأولى؛ امرأة سعت بكل قواها إلى تحقيق ذاتها، وانتهى بها الأمر بأن تعيش في الغرب، لأجل ذلك، بينما لم تتحرّر روحها من الحنين وحب البلاد والشوارع والتاريخ. فعادت لتنبش ذكرى المرأة الأولى. إيمان حققت نفسها في الكتابة والحياة… لذا كان حضورها أقوى، وكنا منجذبين لسيرتها وبحثها وشخصيتها العذبة والواثقة، أكثر مما انجذبنا للروح الغامضة التي مثلتها عنايات الزيات، والتي تمثّلُ نساءً عربيات كثيرات، ربما أكثر من النموذج الآخر.
النتيجة، عملٌ متميز ومختلف في المكتبة العربية، عمل يستحق أن يُقرأ ، ويحظى بقراءات متعددة نقدية واجتماعية وثقافية. فهو أكثر من سيرة، إنّه شهادة عابرة للزمان عن تقلبات المجتمع المصري والعربي الحديث.
شاعرة وإعلامية مغربية