في إشكال تلقّي السرديات ما بعد الكلاسيكية

سادت الشكلانية الروسية والبنيوية والسيميائية السردية الفرنسية خاصة، طويلاً في الدرس السردي العربي (بارث وتودوروف وكلود ريمون وجيني وغريماس)، وإن كانت قد تطوّرتْ في أصولها الغربية وتمّت مناقشتها والبحث عن بدائل لها. لكن هذه البدائل كانت جدّية ودقيقة عند المنظرين البنيويين أنفسهم، أو الذين يطلقون عليهم بالكلاسيكيين. كان جيرالد برانس واعياً بهذا التطور الجديد، وهو الذي اشتغل بنيويا بمسألة المرويّ له في السبعينيات من القرن العشرين، فأدرك أهمية السرديات ما بعد الكلاسيكية، لا في قطيعتها الأبستيمية مطلقا مع الكلاسيكية، ولكن في امتدادها واتساعها، دون أن تمسّ جوهر مفهوم السردية، أو ما به تكون القصة قصّةً (مدخل إلى السرديات المعاصرة»، ضمن كتابنا: قراءات في نصوص سردية).
يطول الحديث عن مظاهر تلقي السرديات الكلاسيكية عند المنظرين في الغرب، سواء من البنيويين أنفسهم، أو من جاء بعدهم من السرديين الجدد المتأثرين باختصاصات معرفيّة مختلفة: العلوم العرفانية بكلّ فروعها، فلسفة التخييل، النظرية الثقافية، إلخ. وفي المقابل نجد الجامعي العربي ينتقل من البنيوية، إلى النقد الاجتماعي، فالسرد الرقمي والوسائطي، والبين تخصصية، وهكذا يتباهى بهذه المعرفة الجديدة، بل يصف غير المقبلين على هذه المحمولات الرقمية الجديدة بالجهل والتأخّر.. ويترك ما شرع في الاشتغال به و»تأسيسه» في التربة العربية، ونعني بذلك السرديات الرقمية، ليكتب في السرديات ما بعد الكلاسيكية واتجاهاتها الجديدة، لأنه وجد من سبقه إليها.. وينبري يعرّف بها مقتطعا هذه التعريفات من مقالات إلكترونية، ويترجمها حرفيا، دون إحالات وينسبها إلى نفسه، ويدّعي إعمال الجهد فيها وفهمها؛ فتارة يعرّف السرديات الثقافية، وتارة أخرى السرديات غير الطبيعية، ثمّ ينتقل إلى السرديات عبر وسائطية، دون فهم نظري متين، بل يتهم غيره بالتسرع، وكأنّ المعرفة حكر على جماعة علميّة دون غيرها. أما إذا تعلق الأمر بالسرد والعرفان فينتقد أصحاب هذا الاشتغال، قبل أن يقرأ أعمالهم في أصولها الغربية، وإذا نظمت المؤتمرات العربية، تجد المنتقل من اختصاص إلى آخر يُوجّه نقده للمشتغل باتجاه من هذه الاتجاهات الكثيرة في السرديات ما بعد الكلاسيكية، ولا يطرح بدائل علمية مقنعة، ويستغلّ جهل كثر بهذا الجديد الوافد علينا، وباللغة التي كتب بها المنظرون الأصليون، وينبهر هؤلاء المتلقّون من الباحثين العرب بهذه المعرفة الصاخبة المقتطعة من كتب ومقالات كثيرة.. وإذا ما سئل أحدهم عن اتّجاه من هذه الاتجاهات الجديدة، لن تجد إجابة مقنعة مبسّطة، أو تطبيقا على نصوص عربية.
إن متابعة المستجد في السرديات ما بعد الكلاسيكية، أمر مهمّ، بل ضروري، ولكن ما لا يقبل، أو يناقش إذا ما نسّبنا الأمور، هو التهافت والتسرّع قبل أن تتمّ إعادة النظر في مرجعيات السرديات الكلاسيكية جيدا (الأسس اللسانية والفلسفيّة…)، ولماذا ظهرت وسادت في مختلف الحقول المعرفية لا في الأدب فحسب، وكيف ظهرت الاتجاهات الجديدة، وهل فهمنا جيدا أسباب العدول عن السرديات الكلاسيكية الفرنسية خاصة، التي أقبلنا عليها عن دراية أو بتعثّر، وكررناها عبر نماذج إجرائية وخطاطات موغلة في الشكلنة، والرموز الرياضية، في الدرس السردي العربي، وما هي مسوّغات هذه البدائل التي لو أمعنا النظر فيها لوجدنا ثوابت من السرديات الكلاسيكية، وإن بدا لنا أنّ الوسائطية (وعبر الوسائطيّة) مثلاً في السرديات المعاصرة، تختصّ بـ»براديغم» مغاير، فهل ثمّة قطيعة معرفيّة فعلا؟ أم أننا ننبهر بالموضة ونتبنّاها ثمّ نتركها إذا تركها الآخر، ونظل ندور حول أنفسنا مقلدين مجترين تارة، ومُتخّلين أخرى عما شرعنا في الاشتغال به؛ فهل الآخر هو النموذج الحقيقي لتطوّر المعرفة السرديّة؟

نتفق مع من ذهب إلى أن مُؤسّسي السرديات الكلاسيكية انشغلوا بمناقشة الثوابت في السرديات الكلاسيكية (بارث، تودوروف، بريمون)، والرغبة في توسيع المدى السردي والسيميائي، لاسيما مع بارث في خطابات الجسد والموضة والإشهار والأسطوريات.

أقترح إذا ما رمنا الاشتغال باتّجاه من هذه الاتجاهات الكثيرة أن نُنزّلها في البراديغم المناسب، ولا نتركه إلاّ بعد استفراغ الجهد فيه والبحث عن التقاطع المعرفي. فلا يجوز أن نتحدث في السرديات العرفانية دون التمكن أوّلا من العلوم العرفانيّة، ومن مكتسبات السرديات الكلاسيكية، ومن أعمال رائدة وما تزال، حتى نفهم سبب هذا «التركيب السعيد» كما قال أحد المشتغلين في هذا الفرع من السرديات المعاصرة. ألا نجد أثرا لهذا الاهتمام في كتب نشرت في الثمانينيات من القرن العشرين، وفي مرحلة ما زال بعضهم يشتغل بنيويا بالنصوص السردية؟
إنّ أقسامنا العربية في اختصاص الأدب كالجزيرة المعزولة عن اختصاصات أخرى في العلوم العرفانية والثقافية والنفسية والفلسفيّة.. وكلّ توفيق تلفيق، هذا مما لا شكّ فيه. ولئن دعا بعضهم إلى المحافظة على الاشتغال بأجناس القول الأدبيّ، ودعوته مشروعة تتنزل في حرية الاختيار، والتفكير في أهمية الاشتغال بنصوصنا الأدبية النثرية القديمة خاصّة، بل يؤكّد الاختيار من دعا إلى «إمبرياليّة الأدب»، فإننا اليوم في حاجة إلى مراجعة مفهوم الأدب، والأدبيّة، في هذه المنعطفات السردية والثقافية: فهل النصوص المتراكمة ورقيا وإلكترونيا تتنزّل كلها في خانة الأدب عامة، وفي الأجناس السردية الأدبية خاصة؟ ألم تتغير الشروط الصارمة، والأذواق، وثقافة المتلقـّين في العالم كله؟ ما الذي يُسوّغ لبعضهم أن يُنزّل «اليوميات الرقمية»، ما بعد السرديات الذاتية الكلاسيكية (اليوميات الخاصة، أو أدب اليوميات) في المدونة العربية، والفهم النظري لهذه الكتابة المتحولة من سياق الأدب إلى سياق الرقمي ما زال ضبابيا؟
نتفق مع من ذهب إلى أن مُؤسّسي السرديات الكلاسيكية انشغلوا بمناقشة الثوابت في السرديات الكلاسيكية (بارث، تودوروف، بريمون)، والرغبة في توسيع المدى السردي والسيميائي، لاسيما مع بارث في خطابات الجسد والموضة والإشهار والأسطوريات. وبدأ الاهتمام بالقصص غير الأدبية (ألعاب الفيديو، والقصص المصورة، والمسلسلات التلفزيونيّة)، ومناقشة المسائل المتصلة بالراوي: ضرورة حضوره أو غيابه وموته (سلفي باترون)، وهي مسألة معقدة، خاصة في السرد السينمائي الذي يرفض منظروه القول بوجود الراوي، فضلاً عن تدبُّر قضايا سردية أخرى تتعلق بالحبكة السردية ودواليبها، كما عند عالم السرديات السويسري رفائيل باروني.
لذلك أدعو إلى التفكير النقدي المقارن، وهو عمل كبير يحتاج إلى جهود جماعية، حتى نفهم جيدا مظاهر الاختلاف والائتلاف بين السرديات الكلاسيكية (ومؤسسوها كثر غربا، لا في فرنسا وحدها)، ونفهم ما بعدها، وعلينا أن نتدبّر قضايا البراديغمات والمنعطفات المعرفية (السردية، والفلسفية، واللسانية، والعرفانية، والرقمية)، وأسباب الانتقال، وما أثر المكتسبات القديمة، ونقصد بذلك الميكانيزمات السردية التي كانت توظف عند الإجراء في الاتجاهات الجديدة؟ وإلى أيّ حد يمكن تأكيد جهود الأوائل في السرديات الكلاسيكية، وهي ممتدّة ومؤثرة في الجديدة؟ بل لماذا يدّعي بعضهم حدودها أو نهايتها مطلقا، وما خلفيّات هذا الادعاء الأيديولوجيّ، بالمعنى الواسع للأيديولوجيا (المعرفية، والجمالية والسياسية؟).

باحثة أكاديمية من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية