في إعادة توزيع الخوف بين الشعب والديكتاتور

حجم الخط
0

هل يتوصل الديكتاتور، خلال إحدى فترات حكمه على الأقل، إلى حالة من الطمأنينة التامة؟ وهل هو في حاجة إلى جهد قد يبدو مهولا، لتوليد نموذج ‘داخلي’ اجتماعي مطوَّع أخلاقيا وثقافيا ودعائيا من جهة، مقابل جهوزية النظام لتحويل كل محيط ‘خارجي’ سياسي أو جيو – سياسي ‘طارئ’ إلى محيط ‘غير طارئ’؟ بل، هل بمقدور الديكتاتور أن يفعِّل هاتين الجبهتين في وقت واحد؟ وهل إنجاز ذلك يرفع فعلاً من مصداقيته؟
يحتاج الديكتاتور من أجل ذلك، أن يُعمِّمَ خطاباً. وعندما نتحدث عن خطاب، فعلينا إيجاد مناسبة له. بالأحرى، على الديكتاتور أن يجد مناسبة لإنتاج خطاب، وهو ما يبدو بالأمر السهل، فداخلياً، يكفي أن يتهم شخص ما بالعمالة لدولة معادية، أو المساعدة في اغتيال شخصية سياسية رمزية (ويمكن التنازل عن فعاليتها) أو عالِمٍ (كُمواطِنٍ مدعاة لفخر الأمة)، أو الإيحاء بخطر جماعة دينية متطرفة أو شبكة جاسوسية، حتى تنشط الماكينات الإعلامية في طباعة نسخ ممسوخة عن روح القومية والمواطنة، والإملاء بالحاجة إلى نظام متمكّن يصون أمن المواطنين. هنا، يتم قولبة الخوف، إعادة إنتاجه بصيغة أخرى. يُمدَّد وينحرف عن مساره الأصلي، فإذا كان خوفا قائما بالأساس من النظام وبسبب النظام نفسه، سيحاول النظام أن يقنع الناس بتحويل خوفهم إلى جبهة معادية، داعياً إياهم الى التمسك بالهوية والخصوصية الثقافية والعقائدية إذا استلزم الأمر، لكن من دون السماح لهؤلاء بالتفكير في المعنى العميق لكل هذه القيم، ومن دون أن يسمح بالتمهل قليلاً للدفاع بمسؤولية عن هذه المعاني،لأن أية محاولة لاستقراء المواطنة واشتقاقاتها والواجب الذي تمليه على المواطن، سيضع نظام الديكتاتور في مأزق، ذلك أن مستويات الخلل الذي يصيب المواطنة هي جميعها من صنيع النظام لا الخارج.
يصبح الأمر شبيها بمحاولة تسليم سيف مقبضه ثقيل وسفحه من البلاستيك لبطل خارق، وحثه على محاربة التنين، بسبب تسلحه بالسيف، كأداة صورية للقتال، لا ماهية أداة القتال الواهنة. لكننا، لا ننسى أن جذور الخوف تبقى محفوظة في النظام لا تتزحزح قيد أنملة، بعكس جذوع هذا الخوف التي ينجح النظام لفترة بتحويل مسارها. وعندما نتحدث عن نجاح النظام، لا يعني أن هذا النجاح متوقف بالضرورة على ميكانيزم شعبي، بل على نتيجة يخلص إليها النظام نفسه وأزلامه وماكينته الاعلامية. مرة أخرى، الصورة تشبه صورة الديكتاتور ككتلة نفسية عارية أمام المرآة. أما نتائج الخطاب الناتج عن تحريف جذوع خوف النظام وصبِّها في الشعب، فينتج عنها مزيد من الرقابات والقوانين المجحفة وتحويل المجتمع إلى ملكية، وتنخفض ساعات نوم المخبرين والبوليس وتُلَمّع وتُكرَّس قبضة اليد القابضة على أعناق الشعب. النظام، بخطاب جائر كهذا، يصبح ‘بؤساً واقعاً’ويتحول بسبب عجز الجميع عن الانقلاب عليه، إلى شرط (مزيف) للمواطنة وتحديد بدايتها ونهائيتها وواجبها وسبل عقابها، ولإعادة انتاج الروح المشتركة، وتأجيج المسؤولية تجاه الوطن من خلال سلوك عاطفي انفعالي لا عقلاني، على اعتبار أن العدو محتشد خلف كل الحدود. أما الخطاب نفسه، فيصبح الشرط الحيوي للنظام، يضمن للنظام البقاء في دائرة واسعة محورها الجغرافي شامل، أما محورها الايديولوجي بالأرقام، فضيق ولا يكاد يشتمل سوى على مؤيدين له. تحويل مسار الخوف نحو جبهة خارجية، يجعلنا نصبح والديكتاتور على منصة واحدة لكنه وحده يملك سلطة هزِّها بطرف يده، ويطلب منا أن نؤمن أن خللاً عظيماً على وشك الوصول، وأن نقلق بالتالي للأخطار التي لا تتربص بنا، بل يريدها هو أن تتربص بنا.
وبالتالي، تتوالد قشرة أخرى للخوف. تصبح المهمة عسيرة أمامنا، ذلك أننا أمام نوعَي خوف ينموان بشكل متزامن: الأول، خوف ظرفي اشترطتْه ولادة النظام، وهو خوف مستقر في أعماقنا، يشبه النواة أو الجذر، ثقيل وكثيف، لكن تَحَسُّسَ شكله يكاد يكون مستحيلا. مفعوله أنه يؤجج فينا حاجة نفسية إلى التمهل والبقاء، إلى التفاعل مع مكان ورثناه وزمان كان هنا قديما لكننا لم نعشه، وأرض نشم فيها رائحة ثقافتنا وتاريخنا ودرجة اسهامنا في المعرفة الكلية للبشرية. الثاني، خوف ملفّق، أكثر طزاجة من الأول، وقد يكون آنياً فنحمله لبرهة بحسب ما يمليه نظام الديكتاتور. وهو خوف قد يزول بانكفاء الظرف الذي ساهم في تكوينه، غير أنه يشبه الندبة التي يبقى أثرها واضحا ولئيما في يومياتنا. تصبح حياتنا مجرد نقلاتٍ رتيبة داخل مقياسٍ مليء بالدرجات والخطوط والعلامات وجميعها تحدد درجة خوفنا الآن وصنفه وحجمه. ويولِّد ذلك لدينا سلوكاً محدداً. كأننا نمشي على مسطرة مصنوعة بشكل يدوي رديء. لكن، ماذا يحصل حين نقرر تفجير هذه النواة الثقيلة والكثيفة والمسماة ‘الخوف’؟ سيتبين عندئذ أن الخوف، كما الطاقة، لا يمكن تدميره أو خلقه وإنما إعادة توزيعه. وهذه المرة من الشعب، كوديعة، إلى الديكتاتور نفسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية