في استباحة المصطلح: وقفة ثانية تليها ثالثة
ناجي ظاهرفي استباحة المصطلح: وقفة ثانية تليها ثالثةتشهد حياتنا الثقافية في هذه البلاد، وصحافتنا خاصة، في هذه الفترة التعيسة، فوضي غير مسبوقة في مجال المصطلح التعبيري، فهذا المصطلح بات علي قفا من يشيل، كما يقول اخواننا المصريون، وما دام لا احد ينظر اليك عاتبا ولو من طرف عين مُحبة، فبامكانك أن تطلق علي نفسك ما تشاء من ألقاب وصفات، تمنيت أن تطلقها علي نفسك، في فترات سابقة، ورجوت أن يطلقها عليك آخرون، دون أن يكون لك ما أردت وتمنيت.ما أسهل أن يطلق احدهم علي نفسه في هذه الفترة صفة شاعر أو فنان، أو حتي مفكر وفيلسوف، ما أسهل أن تتلقف الصحافة ووسائل الاعلام عامة، ما يرسله هذا الأحدهم، عبر الفاكس، قاتله الله، لتنشره دون أي تعديل، أو احترام للذات أو للقارئ، وما أسهل أن يتواطأ هذا الاحدهم، بصورة مباشرة أو غيرها، مع زمرة من الصحافيين محدودي الثقافة، واسعي الذمة، فيبادر هؤلاء الأخيرون الي اطلاق ما أراده واشتهته نفسه من الصفات عليه، دون أي تردد، تساعدهم في هذا مجموعات من الموظفين أشباه الجهلة ممن يعملون في صحف ومجلات تصدر في بلادنا.قلت ان هذه الظاهرة مسبوقة، وها أنذا أتابع فأقول انني أشرت الي طرف منها، في مقالة غير هذه، تطرقت فيها الي عدد من المصطلحات الثقافية المستباحة، مثل اطلاق صفة الكاتب الكبير (رحمها الله) أو المفكر، علي صحافي كل رأسماله بعض التحليلات الهزيلة، أو صفة مفكر علي باحث اجتهد قليلا في ترتيب بعض المعلومات، دون أن يكون له أي اجتهاد حقيقي في عالم الفكر، كما هو مفترض، ومثل صفة موسيقار، علي متفنن لا يعدو رأسماله، كونه عازفا، درس أطرافا من موضوع الموسيقي، وما الي هذه من المصطلحات، وها أنذا أتابع.فيما يلي أتطرق الي عدد من المصطلحات الاضافية التي رصدتها في الفترة الأخيرة.* قصيدة ولوحة فنية: هذان المصطلحان باتا رخيصين، حد أنهما باتا يطلقان علي أي كلام فارغ أو تجميع لألوان، لا يربط بينها وبين بعضها الآخر أي رابط، فما أن يبادر احدهم، خاصة من المبتدئين، الي كتابة منظومة من الكلام الموزع، حسب نظام خاص بات مألوفا، حتي يبادر للقول انه سيقرأ لك قصيدة، وانه يعد لكتابة قصيدة جديدة، وما الي هذا من كلام، أما علي مستوي الابداع الفني، فما أن يشرع احدهم في توزيع الألوان علي قطعة من القماش حتي يبادرك قائلا انه أنتج لوحة خارقة عزيزة الوجود، وانه بصدد انتاج لوحة أخري، وينسي ذاك وهذا أيضا، أننا لا يمكن أن نطلق صفة قصيدة علي أي كلام نكتبه، وأننا ينبغي أن نتمكن من وضع قصد فيما نكتبه من كلام، كي يجوز لنا اطلاق صفة قصيدة عليه، ناهيك عن أننا ينبغي أن نتمكن من الحد الأدني لمعرفة فن الشعر، حتي يحق لنا استعمال هذه الصفة، أما علي مستوي اللوحة الفنية، فان من يفاجئك بقوله انه أنتج لوحة، فانه كثيرا ما لا يعرف الفرق بين الرسمة واللوحة، وقل مثل هذا عن صفة فنان تشكيلي، فقد باتت هذه الصفة رخيصة، حد انه بامكان كل من تعامل مع هذا الفن، من بعيد أو بعيد، أن يطلقها علي ذاته، ولن يعدم من يساعده في نشرها!!* الشاعر: يكتب احدهم نصا شعريا، لا يهم أن يكون رديئا أو رديئا. يضع عليه واحدة من هاتين الصفتين. يرسل به الي احد المواقع الالكترونية، أو حتي احدي الصحف، فيقوم ذاك أو هذه، بنشر النص دون استبدال الصفة، كأن يضع المحرر صفة شعر بدل صفة شاعر. ويتلقف القارئ، خاصة الغشيم، هذه الصفة وكأنما احدهم أطلقها علي صاحب المادة، ويتعامل معها بنوع من التقديس، ما يحرمه أولا من قراءة نص حقيقي، وما يساهم ثانيا في نشر ذائقة سقيمة، لا تميز بين غث وثمين من الشعر، وقد يؤثر، وهذا يؤثر بالفعل، علي بعض القراء، خاصة للمواقع الالكترونية، ممن يتلقفون الصفة، كما وصلت اليهم، فيبادر الي كتابة تعقيب يحشوه بالمديح للصفة التي مُهر بها النص، وليس للنص ذاته، وما أكثر التعليقات المحبذة لنصوص سيئة، كتبها قراء من مواقع مختلفة من بلادنا ومن العالم العربي المحيط بنا، حول كلام فارغ، وقعه صاحبه بصفة شاعر، وما هو بشعر. وينسي من يطلقون علي أنفسهم، وهم في الواقع يتناسون، أن آخرين هم من يطلقون علينا الصفات، بما فيها صفة شاعر، وليس نحن بأية حالة، علي اعتبار أن مادح ذاته كمن يذمها.* الأدب العالمي: هذه أيضا من الصفات والمصطلحات المستباحة، وحتي المضللة، فماذا يعني قولنا: الأدب العالمي، وهل يتضمن هذا القول فكرة مضمرة مفادها أن كل ما هو غير عربي من الأدب، ويترجم الي العربية عن طريق الصواب أو الخطأ، انما هو أدب عالمي؟ وما معني أدب عالمي؟ اهو ذاك الذي يقرأ في بلدان غير تلك التي أنتج فيها؟ أم ذاك الذي وصل الي أعماق التجربة الانسانية، وارتفع عن مستوي التعامل الحرفي مع الواقع اليومي المعيش؟ هذا مصطلح ينبغي أن يناقش وألا يُمر عليه مرور الكرام، لأن من شأنه أن يكرس الدونية التي لا تنقص الكثيرين منا نحن العرب، كما انه يستهين بأدبنا، ويوحي بان كل ما عداه انما هو أعظم منه، هنا اطرح سؤالا: لماذا لا نستعمل مصطلحا آخر أكثر جدية من هذا وأعمق منه، مثل الأدب الأجنبي؟ اعتقد أن هذا مصطلح يحتاج الي مراجعة، ليس في بلادنا فحسب وانما في العالم العربي المحيط بنا أيضا، وأتساءل في سياق متصل، من أين نزل علينا مصطلح الموسيقار العالمي مثلا؟ وهل مجرد أن يمكث احدهم بضعة أعوام في بلاد أخري، يمكن أن يمنحه مثل هذه الصفة؟ ثم أليس من الأجدر بنا أن نتساءل عن سبب مكوث هذا الأحدهم في الخارج، ولماذا ابتعد عن بلاده، وهل يمكن للانسان أن يبدع بعيدا عن مسقط رأسه، ابداعا حقيقيا يجسد طموحات حقيقية؟ أليس الأجدر بنا أن نطرح مثل هذه الأسئلة؟هذه وقفة مع مصطلحات مستباحة، ومضللة أيضا، أردت بها لفتة أخري تضاف الي سابقة، أما بالنسبة لاستعمال كثيرين منا لكلمات أجنبية، مثل: المايسترو، لقائد الفرقة الموسيقية، والريسطال للعزف المنفرد، والكورال للجوقة، فانها تحتاج الي وقفة ثالثة، لما تتضمنه من شعور بالنقص ازاء الآخر، ولما فيها من دونية مسيئة.كاتب من فلسطينQMK0