سيهبط عندنا مرة اخرى في الاسبوع القادم وزير الخارجية الامريكي جون كيري. إن جديته وتصميمه على الدفع قدما بسلام اسرائيلي فلسطيني يستحقان التقدير، لكنه يصعب أن نعلم بأي قدر حقا يؤمن كيري بأن مصيره سيكون أفضل في المكان الذي لم ينجح فيه أسلافه في منصبه بجلب الطرفين الى مائدة التفاوض. إن الشيء الذي يحثه ويعمل في مصلحته، في نظره على الأقل، هو أنه يرى عمله الحالي ذروة نشاطه العام والسياسي لأنه لا توجد عنده أية بواعث اخرى للمستقبل (وهو يأمل ان يُدخله سلام اسرائيلي فلسطيني الى كتب التاريخ). ومن حسن حظه ايضا ان التقصير الامريكي الشديد في بنغازي الذي أفضى الى موت سفير الولايات المتحدة في ليبيا وثلاثة آخرين من العاملين في السفارة على أيدي ارهابيين مجاهدين، لم يكن في ولايته بل في ولاية هيلاري كلينتون بحيث انه لا يوجد من ورائه كيس ثعابين. قال جنرال الماني مشهور ذات مرة انه يفضل الضباط الأذكياء والكسالى على اولئك الذين هم أقل ذكاءً لكنهم أكثر نشاطا. من المؤكد ان كيري انسان ذكي وذو تجربة وبرهن على ذلك في مدة عشرات السنين من النشاط العام في مجلس الشيوخ ومناصب اخرى. لكننا نسأل ألن تكون حماسته الكثيرة للتوصل الى نتائج والفترة الزمنية القصيرة التي رسمها لنفسه في هذا السياق في غير مصلحته؟ إن عند الامريكيين كما تعلمون ميلا الى اعتقاد ان كل مشكلة لها حل (بخلاف بن غوريون الذي تم الاقتباس من كلامه يقول ذات مرة إنه ‘اذا لم يوجد حل فلا توجد مشكلة’)، وبرغم ان هذا التوجه فيه الكثير من الامور الايجابية من جهة مبدئية فانه يصعب عليه احيانا ان يواجه المشكلات الطويلة العمر في الأجزاء المختلفة من العالم كالصراع اليهودي العربي (لا الاسرائيلي الفلسطيني فقط) الذي يزيد عمره على 100 سنة أو أكثر. في مقام التقاط الصور مع ممثلي الجامعة العربية في واشنطن قبل نحو من اسبوعين أكد كيري ان الولايات المتحدة تؤيد تفاوضا مباشرا بين الطرفين، بل كرر موقفه هذا في لقاءاته مع الوزيرة المسؤولة عن التفاوض تسيبي لفني، ومع مبعوث رئيس الوزراء اسحق مولخو. لكنه أضاف ايضا أن جهوده بشأن السلام ‘حظيت بتعزيز’ بعقب استقرار رأي الجامعة العربية على إدخال تغييرات مخففة فيما سُمي ‘خطة السلام العربية’ من 2002. ينبغي ان نتذكر أن هذه الخطة في اطارها الحالي وزن الأجزاء السلبية فيها أكبر كثيرا من وزن أجزائها الايجابية، وعلى كل حال فانها لا تتطرق ألبتة الى الشرط الأكثر أساسية للسلام (وهو ليس ‘شرطا’ بالمعنى القانوني فقط بل باعتباره مواضعة أساسية في العلاقات بين الكيانات القومية)، أي اعتراف العالم العربي بعامة والفلسطينيين بخاصة، بدولة اسرائيل باعتبارها دولة الشعب اليهودي. وبرغم هذا النقص (المتعمد) في الوثيقة العربية، ربما كانت اسرائيل مستعدة للبحث في عدد من تفصيلاتها ما بقي واضحا أن ليس الحديث عن عرض متفق عليه مسبقا. ينبغي ان نأمل اذا ألا يُفسر العرب فضلا عن واشنطن تصريحات كيري الايجابية المذكورة آنفا والمتعلقة بالمبادرة العربية بأنها تبني كامل لـ ‘المبادرة’ أو لتفصيلاتها. إن الفلسطينيين برغم أنهم دفعوا لجهود كيري ضريبة كلامية، سارعوا في واقع الامر الى تلغيمها مسبقا. إن مهلة الشهرين التي حددها كيري باعتبارها أجل بدء التفاوض متصلة بالتزام أبو مازن بألا يخطو في هذه المدة خطوات اخرى من طرف واحد في الامم المتحدة أو في أطر دولية اخرى، لكن اذا كان التوقع الامريكي أن يتراجع الفلسطينيون في هذه المرحلة (لغويا على الأقل) عن شروطهم المسبقة للتفاوض، فقد كانت النتيجة عكسية: ففضلا عن أنهم لم يتراجعوا كرروها بقوة أكبر كما أعلنوا في مطلع الاسبوع، أعني أن توافق اسرائيل مسبقا على خطوط 1967 باعتبارها الحدود بينها وبين الدولة الفلسطينية، وأن تكف عن كل بناء وراء ‘الخط الاخضر’ ويشمل ذلك ‘الكتل الاستيطانية’ والقدس، وأن تفرج عن معتقلين فلسطينيين. أو بعبارة اخرى تحقق الفلسطينيون مسبقا من ان التفاوض بحسب موقف الولايات المتحدة واسرائيل المعلن، أي بلا شروط مسبقة، لن يتم. سيستمر الوزير كيري في جهوده بيقين لكن سيكون من الصعب بازاء الرفض الفلسطيني ان نتفاءل بأن تؤتي خطواته أُكلها. اسرائيل اليوم 16/5/2013