في الاعتبار بسيرة وإنجازات الشيخ حسن البنا

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الافندي

في بدعة أتردد في القول بأنها حسنة، احتفلت جماعة الإخوان المسلمين هذا العام بمئوية مولد الشيخ حسن البنا مؤسس الحركة. وقد شملت الاحتفال مهرجاناً أقيم في الأردن وإعادة نشر كتابات وأقوال الشيخ وشهادات عنه. ولي الكثير من التحفظ علي هذا الاقتداء بسنن الغرب في الاحتفال بالأشخاص (مع ملاحظة أن الاحتفال اتخذ التقويم الميلادي لا الهجري مرجعية، في حين لم يمر علي بعد ذكر للتاريخ الهجري لمولد الشيخ رحمه الله وأجزل ثوابه). وهناك التحفظ الإسلامي المعروف علي مدح البشر والإسراف فيه، خاصة حين يكون المدح بأمور تتعلق بالتقوي والتدين وأمور هي في نهاية المطاف بين العبد وربه.

ولكن هذا لا يمنع أن سيرة الشيخ البنا فيها الكثير من العبر، وهي حافلة بالدروس في خطئها وصوابها. ويجب هنا أن نتذكر أن الشيخ كان قد ولد في مطلع القرن الماضي في وقت كانت فيه ضبابية الرؤية والظلام لا تلف فقط العالم الإسلامي الخاضع كله تقريباً للإستعمار، بل جل العالم الذي كان يتلمس خطاه، وكانت تنتظره حروب وكوارث مدمرة كثيرة وتجارب فاشلة. يجب كذلك أن نتذكر أن البنا لم يتلق تعليماً رسمياً علي مستوي عالٍ بمقاييس عصرنا، حيث كان قد تخرج في مدرسة دار العلوم التي تعادل إلي حد ما المعاهد الثانوية في أيامنا هذه. وقد كان الشيخ في صباه الباكر حين بدأ تحركه الدعوي، في وقت يكون فيه الشباب مشغولين باللهو وتلمس طريقهم عبر سنوات المراهقة. وقد كان في الواحدة والعشرين حين أنشأ حركة الإخوان المسلمين، وكان في الثانية والأربعين حين قتل غيلة وعدواناً. وهذا عمر قصير حافل بجلائل الأعمال بصورة لايمكن أن ينكرها عدو أو صديق.

الشيخ البنا كان يتمتع كذلك بكاريزما وجاذبية شخصية جعلته موضع تعلق الكثيرين ممن عرفوه. وهذا يفسر الشهادات الكثيرة التي تمتدحه في تعبير عن الحب والمودة. وقد سمعت من شخصية سعودية مرموقة من محبي الشيخ أنه التقاه لأول مرة حين كان طالباً في القاهرة فذهب لحضور درس الثلاثاء المشهور وسلم علي الشيخ وعرف نفسه ثم انصرف. ولم يعاود الرجل بعد ذلك زيارة مركز الإخوان ثم ترك القاهرة وعاد إلي بلاده. وبعد ذلك بعدة سنوات كان في زيارة القاهرة حيث التقي الشيخ صدفة في الشارع، فأقبل نحون وحياه بإسمه وذكره بلقائهما وبعض مادار بينهما من حديث عابر. وكان هذا كافياً لأن يتحول الشاب إلي مريد نذر عمره لاتباع تعاليم الشيخ. الأهم من شخصية الشيخ البنا وقدراته هي إنجازاته وعلي رأسها إنشاء أكبر وأهم حركة إسلامية جماهيرية في العصر الحديث. لم يكن البنا أول ولا آخر داعية أو مفكر إسلامي يتبني أجندة النهضة والإحياء، كما أنه لم يكن أول ولا آخر من أسس جمعية أو حزباً سياسياً. ولم تكن مساهمات البنا الفكرية المجردة كبيرة، حيث لم يكن من العاكفين علي التأليف، كما أنه لم يتقدم بتأويلات دينية جديدة تخرج عما جاء به السلف. ولكن عبقرية البنا تجلت في قدراته التنظيمية والتعبوية، حيث كان يجند ويوجه المفكرين. أيضاً ليس هذا بجديد، فهناك كثير من الحركات الليبرالية والقومية وغيرها لها شخصيات مؤسسة، ولها أيضاً رصيدها من المفكرين والحركيين. الإنجاز المتميز للشيخ البنا يتمثل في أن الصيغة التي ابتكرها تنظيمياً وشكلها فكرياً نجحت في أن تصبح الوعاء الأقوي للتعبير الحديث عن الفكر والتحرك الإسلامي. ففي كل البلدان السنية (وفي بعض البيئات الشيعية كذلك) فإن الحركات التي تدعي ـ بصدقية ـ الحديث باسم الإسلام هي إما فروع لهذه الحركة، أو منشقة عليها، أو متبعة لنهجها بصورة ما قد تكون توصلت إليها من منطلق مستقل، كما هو الحال في الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية أو الأحزاب الإسلامية في تركيا أو ماليزيا واندونيسيا أو البلدن الإفريقية مثل نيجيريا. فلا يكاد يوجد نهج ينتهج اليوم في الدعوة الإسلامية النشطة، أو ما يسمي الإسلام السياسي، إلا وهو مستمد من نهج الإخوان أو متوافق معه، إلا ما كان من حركات متطرفة، أو من تطوارت مستجدة كما في تركيا.

المدهش في كل هذا أن ما حدث من توافق في النهج الحركي الإسلامي لم يكن كله نتيجة مؤامرة إخوانية. فعلي سبيل المثال فإن الجماعة الإسلامية في الهند والحركة المحمدية في اندونيسيا وحركة الخلاص الوطني في تركيا وحركة تحرير إيران وكثير غيرها نشأت بصورة مستقلة عن حركة الإخوان المسلمين. بل إن الجماعات الإسلامية التي ازدهرت في مصر في مطلع السبعينات نشأت بدورها بصورة مستقلة عن حركة الإخوان التي كانت محظورة وقتها وكان معظم كوادرها وقادتها إما في السجون أو المنفي. ولكن كثيراً من أعضاء هذه الجماعات انضموا إلي الإخوان فيما بعد، بينما وقع تقارب في الفكر والمنهج بين الحركات عبر الحوار. فعلي سبيل المثال سمعت من الشخصية السعودية التي أشرت إليها سابقاً تفاصيل لقاءات وحوارات بين حركة الإخوان والجماعة الإسلامية انتهي في الخمسينات إلي اتفاق علي أن تمتنع الجماعة الإسلامية عن محاولة نشر نفوذها في العالم العربي بينما تحجم حركة الإخوان عن منافسة الجماعة في شبه القارة الهندية. (أحد الإخوة كان حاضراً لهذا الحوار ـ وهو مفكر إسلامي معروف ـ علق بأن هذا كان أشبه باتفاق تقاسم النفوذ بين شركات الاحتكار). كثير من المعلقين ـ ومنهم كثير من المتحاملين ـ يعكسون هذه الصورة، خاصة فيما يتعلق بظهور الجماعات الدينية التي انتهجت العنف في مصر وغيرها، حيث طفقوا يقولون أن هذه الحركات خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، والصواب أن هذه الحركات -أو كثير من أعضائها علي الأقل ـ دخلت في عباءة الإخوان بعد أن كانت خارجها. ولكن الملفت هو أن الأرضية التي احتلتها حركة الإخوان أصبحت هي دار الإسلام من ناحية مجازية، فلم تقم حركة ذات مصداقية إسلامية خارجها (علي الأقل حتي قيام حزب العدالة والتنمية في تركيا). إذن الصيغة التي طورها البنا أصبحت صيغة لا يكاد يوجد من يتجاوزها. بنفس القدر فإن المحاولات المستميتة التي بذلتها دول كثيرة في العالم مجتمعة ومتفرقة للقضاء علي الحركة فشلت فشلاً ذريعاً. ففي مصر التي ظلت تحظر الحركة لأكثر من خمسة عقود، اندثرت الأحزاب التي أنشأتها الحكومة أو تدعمها مثل الاتحاد الاشتراكي، بينما بقيت حركة الإخوان المحظورة هي الأقوي نفوذاً إلي درجة أن الرئيس المصري حسني مبارك اعترف بذلك في مقابلة مع واشنطون بوست في عام 2003، تعلل فيها برفضه للديمقراطية بالقول بأنه لو قامت انتخابات حرة في مصر أو أي بلد عربي آخر فإن حركة الإخوان ستكون هي الفائزة. هذا والحركة محظورة وقياداتها مطاردة، فكيف لو سمح لها بالعمل بحرية؟

من جهة أخري فإن هذا النجاح وهذه القدرة علي المقاومة قد تكون هي سر الإشكال الذي تواجهه الحركة حالياً. ذلك أن النجاح المبكر قد يحد من قدرات الحركة علي التأقلم علي المناخ المتغير. ولعل غلبة الإشادة بمناقب الشيخ في الخطاب الإخواني والإكثار من ترداد أقواله في مقابل الاعتبار بسيرته هو عرض من أعراض هذه المشكلة. فلا جدال في أن الإنجاز الذي تحقق علي يد الشيخ البنا يكاد يكون معجزة إذا أخذنا في الاعتبار أن الرجل كان طالباً في سن المراهقة حين انطلق في هذه المسيرة، وعاش في فترة كان العالم فيها بأكمله يفتقد وضوح الرؤية، ولم تواجه حركة الإخوان وفروعها بعد الأنظمة المعادية الشرسة التي يكاد لا يكون لها مثيل في وحشيتها، كما كان الحال (ولا يزال) في مصر المحروسة نفسها، إضافة إلي العراق وسورية والجزائر وغيرها. ولكن اجترار مقولات الشيخ اليوم بعد قرابة ستة عقود علي وفاته يعتبر بالعكس، إهانة لذكراه وإساءة لتاريخه، لأن الرجل لو كان حياً اليوم لكان أول من طور هذه الأفكار وربما تخلي عن كثير منها. ولعل العار الأكبر هو أن تجد الحركات التي انبثقت من حركته اليوم نفسها في نفس الوضع الذي كانت فيه الحركة غداة استشهد الشيخ: تحت هجمة شرسة من حكومات قمعية، وقد دخلت في معارك لم تعد لها عدتها. فالوضع اليوم في مصر يكاد يكون هو نفسه في عام 1949 حكومة ملكية والغة في الفساد والعجز، ووضع شبه استعماري، وحركة معارضة ذات زخم جماهيري، ولكنها معزولة خارجياً ووسط القوي الداخلية، تساق إلي المقصلة كما تساق الشاة بعد أن أخطأت الحساب حين فتحت معارك عديــــدة في الداخل والخارج لم تحسب حسابها. والوضـــع هو نفسه في سورية أو العراق أو الجزائــر أو فلسطين.

هذا المأزق يعود لأخطاء ارتكب بعضها في عهد البنا نفسه، وكنتيجة لقراراته، مثل إنشاء النظام الخاص وعدم وضوح الرؤية حول منهج التغيير السياسي. ولكن مثل هذه الأخطاء تكون مفهومة ولها عذرها حين تكون قيادة الحركة في يد شاب في ثلاثينات العمر تنقصه الخبرة السياسية، وفي ثلاثينات القرن الماضي التي شهدت صعود الفاشية والبلشفية وتدنت فيها سمعة الديمقراطية إلي الحضيض. ولكن ما هو العذر اليوم لحركات مثل حماس تجد نفسها اليوم في نفس الوضع الذي كانت فيه الحركة الأم في مواجهتها مع القصر في الأربعينات أو مع الضباط الأحرار في الخمسينات، وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر وسنحت الفرصة لما هو أقرب من الاتعاظ بالغير: الاتعاظ بالنفس والتاريخ القريب؟

الذي نخشاه هو أن يصبح التغني بعظمة وعبقرية ذلك الشاب الذي مضي إلي ربه محموداً، وقد يتضرر من هذا المديح أكثر مما ينتفع به، أن يصبح ذلك التغني تعويضاً عن تقصير شيوخ كثيرين في المحافظة علي الصالح من إرثه والاعتبار بأخطاء الماضي وتجاوزه إلي مستقبل يكون أكثر اتساقاً مع الإنجاز الذي كان في وقته كبيراً، ولكنه تحول اليوم الي عبء ثقيل علي الكواهل بسبب القصور عن القيام بحقه. ولعل الوقت لم يفت للتشمير من أجل عمل فكري جدي يكون الاحتفال فيه بالشيخ البنا وإنجازاته عبر عملية مراجعة شاملة لمسيرة الإسلام السياسي خلال القرن السالف، وإلقاء نظرة نقدية فاحصة علي المسيرة تكون فاتحة للقفزة المنتظرة إلي الأمام، والتي تأخرت أكثر من نصف قرن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية