في الانتخابات المقبلة: هل يبحث الشعب الجزائري عن «مدير حسابات متشدد»؟

حجم الخط
0

من يبحثون عن رمزية في انتخابات الرابع من تموز الذي ستجري فيه الانتخابات للرئاسة في الجزائر، يمكنهم أن يجدوا بأن يوم الاستقلال الأمريكي قد يسجل كيوم التحرير للجزائر من سلطة النخب، التي حولت دولة غنية إلى ساحة حرب أهلية.
لقد سجل مواطنو الدولة هذا الشهر أحد الانتصارات عندما تسببت مظاهراتهم في جعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يقدم استقالته من منصبه بعد عشرين سنة من الحكم. ولكن حركات الاحتجاج لا تكتفي بذلك. القيادة غير الرسمية تطالب كل طبقة النخبة السياسيةبمن فيهم رؤساء الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة القديمةالاستقالة من مراكز القوة التي يحتلونها. حركات الاحتجاج تريد تغييرات في الدستور تضمن حقوق المواطن والمساواة أمام القانون وتوزيع مناسب وعادل للميزانيات وحرية التعبير التي سحقتها الحكومة والجيش.
تعيين الرئيس المؤقت عبد القادر بن صلاح، وحكومة مؤقتة، لم ينجح في تهدئة النفوس. المتظاهرون يواصلون الخروج إلى الشوارع وإن كان بأعداد أقل بكثير من التي كانت في أيام المظاهرات الأولى؛ قضاة يهددون بأنهم لن يتعاونوا مع عملية الانتخابات ولن يلعبوا فيها أي دور كمراقبين إذا لم تتغير أنظمة الانتخابات بصورة تضمن أن كل مواطن يمكنه الانتخاب دون تهديد أو ضغط؛ وعشرات من بين الـ 1540 رئيس بلدية أعلنوا عن مقاطعة الانتخابات كتعبير عن التضامن مع المتظاهرين والقضاة. باختصار، في الأشهر الثلاثة المتبقية حتى الانتخابات، الجزائر لا تنوي أن تنزل عن الأجندة الإقليمية.

ثلث الشباب تقريباً عاطلون عن العمل

الانتخابات هي الخطوة الأولى التي يمكنها أن تأتي بتغيير في بنية النظام وفي تركيبة مراكز القوة التي ستدير الدولة. المرحلة الضرورية القادمة ستكون تطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية، التي لم تتم صياغتها حتى الآن. خطة كهذه ستضطر إلى أن تطرح وسائل وطرقاً من أجل أن تعيد للدولة احتياطي العملة الصعبة التي انخفضت بأكثر من 50 في المئة منذ العام 2014 وهي تبلغ الآن 68 مليار دولار؛ وجسر العجز العميق في الميزانية بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي الخام؛ وتقليص نسبة البطالةالتي تبلغ الآن 12 في المئة (30 في المئة في أوساط الشباب الذين يشكلون ثلثي الـ 41 مليون مواطن في الدولة)، وسن قوانين جديدة لتشجيع الاستثمارات في الدولة.
الجزائر التي لديها احتياطي الغاز الرابع في حجمه في العالم ستضطر إلى مواجهة احتياجات داخلية متزايدة ستقضم من كميات الغاز المخصصة للتصدير. الغاز والنفط هما المنتجان الأساسيان اللذان تصدرهما الدولة ويدخلان لها 60 في المئة من ميزانية الدولة. الحلقة المفرغة التي تغرق فيها الجزائر بسبب سياستها الاقتصادية هي أنها لا تشجع الاستثمارات الأجنبية في تطوير آبار النفط وحقول الغاز، حيث إن القانون يلزم بأن السيطرة على كل شركة أجنبية يجب أن تبقى في أيدي شريك جزائري. هذا التشريع الذي يبعد المستثمرين عن الدولة، يزيد من خطورة وضع الصيانة لحقول الغاز وآبار النفط القائمة وتعيق تطوير حقول وآبار جديدة. البيروقراطية الثقيلة تساهم بدورها في هرب المستثمرين الذين يشتكون من الفترة الزمنية الطويلة والمتعبة التي يمرون بها إلى أن يتم إصدار التصريح لإنشاء شركة أو حفر بئر للنفط. نتيجة لذلك، حوالي 60 في المئة من اقتصاد الدولة هو غير رسمي، يتجاوز القانون ويتهرب من دفع الضرائب. إضافة إلى ذلك، تفضيل المقربين في إعطاء رخص الأعمال التجارية والبناء وسيطرة مجموعات صغيرة وثرية على الاقتصاد تمنع دخول جزائريين إلى الدائرة الإنتاجية للاقتصاد. وهؤلاء يفضلون تحويل أموالهم إلى الأسواق في الخارج.
العبء الثقيل على ميزانية الدولة هو دفع الدعم وتشغيل أكثر من 40 في المئة من الموظفين في الأجهزة الحكومية. مثلاً، سعر إنتاج كيلوواط من الكهرباء لساعة واحدة يبلغ 12 ديناراً جزائرياً، في حين أن سعره للمستهلك هو 4 دنانير فقط. هذه هي طريقة الحكومة لشراء الهدوء السياسي وتهدئة الشارع. هكذا نجحت الجزائر في التهرب من تأثير ثورة الربيع العربي بعد أن رفعت أجور الموظفين ونسبة الدعم، التي تأخذ 20 في المئة تقريباً من ميزانية الدولة. ولكنها بذلك قلصت احتياطي العملة الصعبة وقلصت الاستثمار في البنى التحتية.

ما العمل إذاً؟

من أجل التغلب على العجز في الميزانية تستطيع الجزائر الحصول على قرض سخي من صندوق النقد الدولي، ولكنها ترفض في الوقت الحالي التفاوض مع الصندوق لأنها ما زالت غارقة في الصدمة التي تسبب بها القرض السابق، وهي تخشى من الشروط القاسية التي يفرضها الصندوق على الدول التي تستعين به. المثال القريب بالنسبة لها هو مصر التي حصلت في 2016 على قرض بمبلغ 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي واضطرت إلى تقليص بصورة شديدة دعم الوقود وجزء من المنتجات الأساسية. ولكن مصر نجحت بفضل قيادة السيسي في صد الاحتجاج الذي كان متوقعاً في أعقاب التقليصات، واليوم تعتبر دولة تسير في طريق اقتصادي مستقر.
في الجزائر الغارقة في فوضى المظاهرات والاحتجاجات، وفي الوقت الذي لا تحظى فيه الحكومة المؤقتة بالشرعية، فإن فرض قرارات اقتصادية جديدة يمكن أن يدخل الدولة في دوار سياسي يصعب توقع نتائجه. الطريقة السهلة التي تتبعها الحكومة هي مواصلة طبع الأوراق النقدية بكميات كبيرة، ولكن هذا أيضاً هو الطريقة المضمونة لسيطرة التضخم المالي الذي سيحتاج إلى زيادة كبيرة لفائدة ستؤدي إلى قمع القطاع الخاص.
خلافاً لدول مثل السودان والمغرب، للجزائر موارد يمكنها أن تنقذها من الفوضى الاقتصادية شريطة أن تكون لها قيادة ذات صلاحية مع شرعية شعبية. وتستطيع إدارة الاقتصاد بشكل ناجع. ولكن في دولة يملي فيها الجيش والنخبة صورة تقليدية السياسة، فإن الانتخابات القادمة لا تضمن أن قيادة كهذه يمكن أن تقوم.

تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 18/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية