في الانقلاب الجيش السوداني يعلن “الطوارئ”.. ما رأي واشنطن؟  

حجم الخط
0

لم يكن الانقلاب العسكري في السودان مفاجئاً، لقد سبق وحاولت قوات مسلحة موالية للحاكم السابق عمر البشير السيطرة على مبنى الحكومة في الخرطوم والسيطرة على السلطة في 21 أيلول. في اللحظة الأخيرة فشلت المحاولة لاختلاف الآراء في أوساط القوات المتمردة.

بعد شهر، دعا رئيس مجلس السيادة المؤقت، الجنرال عبد الفتاح البرهان، رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، إلى حل الحكومة وتشكيل حكومة خبراء، وتعيين محكمة دستورية يشارك فيها قضاة محايدون، وتشكيل برلمان جديد بدون حزب المؤتمر القومي، الحزب الحاكم في عهد البشير.

فسرت هذه الدعوة كمحاولة فظة من قبل الجيش للسيطرة على مجلس السيادة ومراكز القوة السياسية خلافاً للاتفاق الذي وقع في 2019 ووجه تشكيل الحكومة المؤقتة. حسب هذا الاتفاق، قد يقف الجيش على رأس مجلس السيادة مدة 21 شهراً، وبعد ذلك ينقل وظيفته إلى شخص مدني منتخب استعداداً للانتخابات التي خُطط لإجرائها في 2023. والآن من غير الواضح هل ومتى سيتم إجراؤها.

كان يجب أن ينفذ نقل السلطة في الشهر القادم. وبهذا يتم استكمال الاتفاق المؤقت الذي مهد الأرضية لترسيخ الديمقراطية في الدولة. ولكن كان يكفي الإصغاء إلى تصريحات الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي”، نائب رئيس المجلس العسكري، الذي قال إنه “لن ننقل المخابرات والشرطة لإدارة مدنية”، لفهم أن أي نقل منظم لرئاسة المجلس ليس جزءاً من خطط الجيش.

دلت أقوال دقلو على الخلاف العميق في صفوف الجيش بين من يعتبرون موالين للبشير، ومن بينهم دقلو نفسه، وبين الجنرال البرهان الذي قرر الاثنين حل الحكومة والإعلان عن حالة الطوارئ. وخوف البرهان الأساسي هو من قوات دقلو. حسب التقديرات، فإن 30 ألف مقاتل تقريباً يخضعون لإمرة دقلو، بالإضافة إلى مليشيات مسلحة مستقلة أدارت صراعات عنيفة إلى أن تم التوصل معها إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتوزيع الموارد في تشرين الأول 2020.

لكن هذا الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في جوبا، عاصمة جنوب السودان، وكان يمكنه أن يهدئ المليشيات والقبائل التي عارضت ترتيبات الحكم الجديدة، تضمن في داخله بذور العصيان المدني الذي اندلع في الشهر الماضي. القبائل الموجودة في شرق السودان وعلى رأسها قبائل البجا رأت نفسها كمتضررة أساسية من الاتفاق. هذه القبائل تعتبر نفسها وحدة عرقية منفصلة، وهي تطالب بإعطائها حكماً ذاتياً مستقلاً. وحسب ادعاء هذه القبائل، فإن اتفاق جوبا يميز ضدها ويضر بمكاسبها، وقد تم توقيعه بدون مشاركة ممثليها.

في الشهر الماضي، نضج عصيان قبائل شرق السودان وتطور إلى مواجهات، تضمنت إغلاق مطار الخرطوم، وقطع الطرق المؤدية من شرق الدول إلى الخرطوم. الضرر الذي أصاب الدولة ضخم. المنطقة الشرقية، مركز التجارة الأساسي في الدولة تمر عبرها بضائع بمبلغ 11 مليار دولار تقريباً في السنة. إضافة إلى ذلك، للمنطقة أهمية استراتيجية في أعقاب خط الشاطئ الذي يبلغ طوله 750 كم. سكان المنطقة الشرقية الذين يطالبون بإلغاء الاتفاق قد ينضمون لقوات الجيش التي تعارض مجلس السيادة ويشلون الدولة.

الممثلون المدنيون في مجلس السيادة، الذي يضم 11 عضواً، من بينهم 5 من رجال الجيش و5 مدنيين ومدني آخر واتفق عليه الطرفان، لا يعتبرون شيئاً واحداً متجانساً. الانقسامات السياسية والأيديولوجية بين رئيس الحكومة حمدوك ورؤساء “الاتحادات المهنية”، الجسم الذي يمثل عدة أحزاب ومنظمات أكاديمية ونقابات للعمال، تتركز حول تشكيل طابع السودان. بعض رؤساء هذه المنظمات هم من أعضاء الإخوان المسلمين الذين تدعمهم دول ومنظمات من خارج الدولة ويريدون إعادة السودان إلى حكم ديني راديكالي مثلما كان في عهد البشير.

ويطمح جزء آخر إلى تطبيق مبادئ ليبرالية والدفع قدماً بالديمقراطية وإعادة الجيش إلى مكانه الطبيعي، أي خارج السياسة. ولكن لا يوجد داخل كل من هذه الكتل اتفاق على صيغة الدستور والسياسة الاقتصادية، فالخلافات والعداء بين القبائل تسهم بدورها في الانقسامات والمواجهات. اتفاق توزيع السلطة بين الجيش والقوات المدنية، الذي جاء بعد عشرات السنين من تولي الديكتاتور البشير للحكم، بعث أملاً محدوداً بأنه يمكنه أن يحل جزءاً من الصعوبات الاقتصادية التي تغرق هذه الدولة الفقيرة.

كانت هذه الآمال تقول إن الاتفاق سيساعد على تمويل الدين الخارجي الذي شل السودان وسيضخ استثمارات أجنبية، خصوصاً بعد أن وقع السودان على اتفاق مبادئ للتطبيع مع إسرائيل، وتمت إزالته من قائمة الدول المؤيدة للإرهاب على يد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. عند تشكيل مجلس السيادة المؤقت، حصل السودان على مساعدة تبلغ بضعة مليارات من السعودية والإمارات كمكافأة على مشاركته في حرب اليمن. وبدأت شركات دولية تهتم بالاستثمار في التنقيب عن النفط في الدولة. ولكن الآن وإلى حين يتضح مصير الحكم في الدولة، فمن المشكوك فيه إذا كان المستثمرون سيأتون إلى السودان. ومن غير الواضح ما الذي ستقرره الإدارة الأمريكية بخصوص الدين والمساعدة التي وعدت بها حكومة السودان.

مبعوث الإدارة لصندوق إفريقيا، جيفري بليتمان، الذي وصل إلى الخرطوم والتقى رئيس الحكومة حمدوك قبل يوم من الانقلاب، حذر بعد اللقاء بأن “أي محاولة من الجيش للسيطرة على الحكم قد تؤدي إلى عودة العقوبات على السودان”. في هذه الأثناء، يبدو أن الجيش لا يحاول فقط، بل نجح، في السيطرة على جميع مراكز القوة السياسية، وإذا جرّت هذه الخطوة فرضاً جديداً للعقوبات فسيضطر الجيش نفسه إلى مواجهة عصيان مدني واحتجاجات صاخبة قد تولي حكماً عسكرياً قاسياً في الدولة كما الحال في عهد البشير.

وثمة احتمالية أخرى، وهي أن الجيش، الذي يعرف تداعيات التهديد الأمريكي، يضع خطة مدنية يتعهد بحسبها بإجراء الانتخابات في موعدها، لكنه يواصل السيطرة على الدولة حتى ذلك الحين، كما سبق وأعلن البرهان أمس.

في هذه الحالة، ربما تغض الولايات المتحدة النظر عن العملية العسكرية بسبب أهمية السودان الاستراتيجية في البحر الأحمر. إضافة إلى ذلك، تفضل واشنطن نظاماً عسكرياً سودانياً مؤيداً لأمريكا على صراعات القوى الداخلية التي قد تمنح للإخوان المسلمين قوة سياسية كبيرة، بل ربما تمنح إيران مساراً للتأثير المباشر. قد تكون هذه نصيحة ستحصل عليها الإدارة الأمريكية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونظيره محمد بن زايد حاكم الإمارات، الذين أيدوا الحكم العسكري الذي قام فور إسقاط البشير.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 26/10/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية