يميل كثير من مناهضي العنصرية والشعبوية المعاصرين، إلى تشبيه نشاطهم بالمعارك الكبرى التي شهدها القرن الماضي ضد الفاشية، وعلى الرغم من أن هذه المقارنة غير دقيقة، لأنه من الصعب مماثلة اليمين الحالي وممارساته بالحركات الفاشية، فإن هذا الإدعاء يضع ناشطي عصرنا أمام أسئلة صعبة. في بريطانيا مثلاً يستدعي المشاركون في المظاهرات ضد اليمين غالباً ذكرى معركة «كيبل ستريت»، وهي المعركة التي خاضتها الطبقة العاملة البريطانية عام 1936، لمنع متظاهرين فاشيين من دخول أحد الأحياء اليهودية في لندن، وأدت لهزيمة ساحقة للفاشية الإنكليزية. فهل «مناهضة العنصرية» المعاصرة، القائمة على سياسات الهوية، قادرة على إعادة إنتاج أشكال التضامن الاجتماعي، التي أبدعها النقابيون والمناضلون الاشتراكيون والشيوعيون، في ما مضى، وساهمت آنذاك في الحفاظ على بريطانيا حصناً لليبرالية الغربية في وجه الفاشية؟
في يوم «كيبل ستريت» كانت هنالك حركة عمالية منظمة، تقوم في جانب كبير منها، على قيم الإخاء والتضامن والأممية، خاضت المعركة على مسؤوليتها الخاصة، بدون انتظار دعم حكومي، أو تمويل من منظمات غير حكومية. وأسست ائتلافاً واسعاً من القوى المناهضة للشمولية. اليوم يبدو معسكر «التقدميين» مهلهلاً وإقصائياً لدرجة كبيرة، يمكن نبذ الأفراد والمجموعات منه بسهولة، ووصمهم بأبشع التهم. ويضيق بأي أفكار وآراء لا تتوافق مع السائد فيه بشكل حرفي. ما يجعل أنصاره بارعين في خلق أعداء غير ضروريين، وتضخيم معسكر الخصوم. وبدلاً من أن تؤدي سياسات «التنوع»، القائمة على الهوية والثقافة والميول الذاتية، إلى تضامن اجتماعي أكبر، تُنتج، للمفارقة، العداء والتشكك. فما هي الأسس الاجتماعية والثقافية لنزع التضامن؟ وكيف أصيب ما يسمى بـ«اليسار» بنوع من البارانويا، تجعله يرى عدداً متزايداً من اليمينيين، يحاصرونه في كل مكان؟
تضييق التيار الرئيسي
يتحدث كثيرون عن انتصار ثقافي لـ«اليسار» في الغرب، وصلت نتائجه إلى كافة أنحاء العالم. معظم المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية تبنّت القيم التحررية، واتبعت سياسات مكافحة التمييز. وبات المجتمع أكثر تقبّلاً لهذه القيم، لدرجة أن اللغة السائدة في الجدل الاجتماعي أصبحت مطبوعة لحد كبير بمصطلحات الصواب السياسي، وباستثناء بعض الظواهر الهامشية والمنبوذة، من الصعب أن نجد اليوم من يرفض بشكل مباشر أفكار معاداة العنصرية وتحرر المرأة وحقوق الأقليات العرقية والجنسية. لدرجة أن ناقدي القيم الليبرالية أنفسهم يستعملون، في كثير من الأحيان، مصطلحات ليبرالية في خطابهم. ما يجعل اليسار الثقافي مُحدداً أساسياً لكثير من قضايا عصرنا، ومسائله غير قابلة للتجاهل، حتى لو كان ذلك في سياق تجاوزها نقدياً، إلا أن هذا النصر لم يجلب كثيراً من الراحة لأنصار هذا التيار، بل يدفعهم دائماً للغرق في تفاصيل جديدة أكثر تشدداً، تطال اللغة وأساليب التعامل والممارسات الأكثر دقة، مثل «العدوان المصغر» و«الاستيلاء الثقافي»، بما يصل إلى نوايا الناس، وما وراء عباراتهم وسلوكهم.
يبدو الخضوع لهذه السياسات أشبه بتأشيرة دخول للعالم البرجوازي المعاصر، الذي يزداد تعقيد وتشدد شروطه الثقافية بشكل متناسب طردياً مع صعوبة الانتماء إليه مادياً واقتصادياً. وبما أن تلك الشروط مرتبطة بمسائل تمسّ الفردانية وأنماط الحياة وتقنيات التعامل مع الجسد، فإن الثقافة البورجوازية في أيامنا تتعامل مع أي اعتراض، أو نقد بارتياب أشبه بالخوف من العدوى. قد تتعدد ألوان البشرة والأجناس والأديان بين النخب النيوليبرالية المعاصرة، ولكنها تتبع نمطاً موحداً في الممارسة وأساليب التفكير والتعبير، يصبح الانحراف عنه مثيراً للرفض والغضب، أشبه بنجس أو دنس مسبب للعدوى، يجب التطهر منه سريعاً. هكذا تشهد كثير من المؤسسات، التي يجب أن تكون منبراً للاختلاف والجدل الاجتماعي، مثل الأكاديميات ووسائل الإعلام، حملات لفرض التماثل وضبط الممارسات، تتسم بتشنج شبيه بأعراض الوسواس القهري.
اللافت للنظر أن هذه الحملات تكون أقسى تجاه المخالفين، الذين يُحسبون بحق على التيار اليساري والليبرالي، أو يمكن أن يكونوا حلفاء طبيعيين له. عندما يتم توجيه تهم العنصرية أو الذكورية لأشخاص مثل الباحثة الألمانية في الإسلام السياسي سوزانا شروتر، والمفكر السلوفيني سلافوي جيجيك، وفنانة قدمت كثيراً لقضايا المرأة مثل كاترين دونوف، ونعت كثيرين بأنهم «كارهون لذاتهم»، لأنهم لم يُطابقوا التصور المفترض لهوياتهم. فيمكننا إدراك مدى هوس الأيديولوجيا السائدة بخلق الأعداء.
استدعاء المظالم التاريخية، وتحديد الهوية على أساس الشكوى من الآخر، يجعل ممارسات الناشطين الهوياتيين أقرب للقبليّة، ورغم أنهم عادة من سكان المدن الكبرى، إلا أنهم لم يتعلموا كثيراً من الفضائل المدنية القديمة للبورجوازية، أو أشكال تضامن الطبقة العاملة.
وبما أن هذا المنظور بات مسيطراً في الحيز العام، نشهد تضييقاً متزايداً لما هو مقبول في التيار الأساسي اجتماعياً وثقافياً، يخلق حالة من الارتباك وانعدام الراحة، ويضع الأفراد تحت ضغط اجتماعي أكبر، ما يولّد ردات فعل عدائية، تؤدي لنشوب العديد من الصراعات الصفرية.
زر العنصرية
في مقالة نشرت في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تؤكد شيري بيرمان، أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، أن عدداً من الدراسات على المجتمع الأمريكي توصلت إلى أن المواطنين عموماً، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية، باتوا أقل عنصرية، رغم ذلك يزداد الاستياء بينهم بشكل واضح.
وهذا يرتبط بتحفيز الشعور بالتهديد الاجتماعي، فبعد سنوات من الاستقطاب الحاد، الذي جعل للحزبين الرئيسيين في البلاد سمات هوياتية واضحة، صارت العملية السياسية تبدو وكأنها خطرٌ على وجود مجموعات الهوية نفسها، لأن خسارة حزبك قد تعني تحطيم وجودك الاجتماعي، ما يجعل الناس أكثر ارتباطاً ببيئاتهم الضيقة، وأقل استعداداً للتسامح. الأمر يشبه وجود زر على جباه البشر، لدى الضغط عليه يصبحون مهووسين بالدفاع العدواني عن هوياتهم، ولكنهم، إن لم يتعرضوا لذلك، يبدون أكثر انفتاحاً وتقبلاً للآخر. ترامب، حسب بيرمان، عمل على تحفيز مشاعر عدم الأمان لدى جانب كبير من الناخبين، ولكنه ليس المسؤول الوحيد، فعندما تخبر الناس على الدوام أنهم عنصريون، وتلومهم على ممارسات تاريخية لهوياتهم المفترضة، وتهددهم بمستقبل يصبحون فيه أقلية مستضعفة، فإنهم سيتحركون للدفاع عن أنفسهم ومجتمعاتهم. وهذا بالضبط ما ساهم به أنصار سياسات الهوية في الحزب الديمقراطي. يمكن ربط ملاحظات بيرمان هذه بمفارقة أساسية في عصرنا، وهي أن الكياسة الاجتماعية والخطاب العقلاني يتراجعان، رغم أننا نعيش في ظل «الصواب السياسي»، الذي من المفترض أن يضبط لغتنا ومنظوراتنا، ويجعلهما أكثر لباقة وحساسية. لا يوجد كثير من الكياسة في إطلاق النعوت على البشر، واستسهال إلصاق الاتهامات بهم، على نمط: يميني، ذكوري، هوموفوبي، إلخ. ولذلك فإن هذه الصفات تفقد تدريجياً تأثيرها، وتؤدي إلى نتائج عكسية، فتقلّ رغبة الناس في التواصل والاستماع للآخر، ونغدو قريبين من حالة عامة من الهيستيريا ونزع التحضر.
مدن خانعة
ليس الصراع الاجتماعي، حتى بأكثر أشكاله عنفاً، بالأمر الجديد. ولكن عندما تتحول السياسة إلى قتال بين مجموعات هوية، فلن ينتج هذا إلا العداوة المطلقة، وعدم الاستعداد للدخول في تسويات اجتماعية. عرفت السياسة في ما مضى كثيراً من الائتلافات، التي يتحول فيها خصوم الأمس الاجتماعيون إلى حلفاء، أو حتى في حالة الصراع الطبقي الأكثر شدة، اندماج أفراد من الطبقة المهزومة في بنية المجتمع الجديد، بعد تصفيتهم كطبقة، ولكن حروب الهوية لا يمكن أن تعرف نهاية، لأنه من النادر تاريخياً تحقيق إبادة جماعية كاملة لهوية ما. وعلى كل حال فإن اليمين تاريخياً أكثر تفوقاً في أي حرب هوية، لأنه يمثل عادةً المجموعات السكانية الأشد تماسكاً.
استدعاء المظالم التاريخية، وتحديد الهوية على أساس الشكوى من الآخر، يجعل ممارسات الناشطين الهوياتيين أقرب للقبليّة، ورغم أنهم عادة من سكان المدن الكبرى، إلا أنهم لم يتعلموا كثيراً من الفضائل المدنية القديمة للبورجوازية، أو أشكال تضامن الطبقة العاملة. وهذا يلقي ضوءاً على تطورات المدينة المعاصرة، بعد أن فرّغت مؤسساتها الاجتماعية من مضمونها، فأصبحت تفصل وتُفرّق وتُقصي، في الوقت التي تُكدّس فيه البشر على خريطتها من كل حدب وصوب. قد تكون الحدود الصلبة بين الدول في ما مضى أكثر مرونة وقدرة على تحقيق التواصل الثقافي، من مدن كوزموبوليتية مفتوحة، مليئة بالحواجز غير المرئية بين المجموعات والهويات. إنها مدن خانعة، يُذررها جنون الارتياب، لا يمكن أن تشهد أكثر من هبّات عنيفة، وأعمال شغب عبثية بين حين وآخر، ويصعب فيها تكرار أحداث ملحمية مثل معركة كيبل ستريت.
لهذه التطورات آثارها على العالم العربي، فقد وصل فن صناعة الأعداء إلى الفئات التي يُفترض أنها الأكثر انفتاحاً وليبرالية. يظهر هذا واضحاً في انقسامات ما يسمى «التيار المدني»، أي القوى التي لا يمكن تصنيفها مع العسكر والإسلاميين، والتي بدأت تحطم الأسس الممكنة للتضامن في ما بينها، وتغرق في حملات الاستياء وتبادل الاتهامات. ولهذا تبدو مقاومة النزعتين التطهرية والارتيابية أمراً شديد الإلحاح، لأنها قد تساهم بجعل البشر يكتشفون مساحة المشترك بينهم، ويعملون على توسيعها.
٭ كاتب من سوريا