في البحث اليائس عن ذاكرة الحوار

يقترن حضور الحوار في الفضاءات العامة، بحضور الممارسة الديمقراطية أو غيابها، بحيث يمكن توصيفه كأحد أهم المؤشرات الدالة على التوجهات السياسية المنتهجة من قبل الأنظمة الحاكمة، وأحد المقومات البارزة لقياس درجة الشفافية، التي تعتمدها في تدبير قطاعاتها. إنه بهذا المعنى – وفي حالة تحققه – نوع من الإشراك الضمني والرمزي للشرائح المجتمعية في حق تبني الاختيارات الكبرى، وفي مجموع ما ينبغي اتخاذه من قرارات، كي لا تظل المسؤولية التدبيرية حكرا على إرادة الدواليب الرسمية والسرية، والدائرين في أفلاكها.
من هذا المنطلق، سنعتبر إقدام المنابر الإعلامية على تحييد الفاعل الحواري، بمثابة تحييد تام لكل ما له صلة من قريب أو بعيد، بسؤال الديمقراطية التي لا يستقيم التواصل الثقافي والحضاري من دونها. إنه تبعا لذلك، ضرورة بنائية وتنويرية، ويستمد أهميته إلى جانب ذلك، من طبيعة الحيز الاعتباري الذي يحتله في مشهد الحياة العامة، حيث يعتبر الإنصات إلى وجهات نظر «الآخر» عنصرا مركزيا في توليد الأسئلة وإغنائها. كما يعتبر إطارا ملائما لتدقيق النظر في مختلف الأبعاد التي تتشكل بها ومنها طبيعة القضايا المعنية بالنقاش وبالحوار. وكلها عوامل تساهم في تحقق فرص الارتقاء بهذه الأسئلة إلى المستوى التوافقي، الذي يلتئم حوله شتات المواقف المعبر عنها في تدخلات الأطراف المتحاورة. ذلك أن القضايا العالقة، وبصرف النظر عن مرجعيتها القطاعية والتدبيرية، لا تخلو من إشكالياتها الغامضة والملتبسة الملازمة لها، التي تستدعي من المتحاورين تناولها بالتحليل والمساءلة، بما يساهم في توسيع دائرة التعرف، وفي إضاءة ما يتخللها من نقاط التعتيم واللافهم.
إن الحوار بهذا المعنى، نتاج طبيعي لمجموع ما يطرحه الموضوع من أسئلة، لا تني تتجدد، بفعل التغيرات الجدلية التي تعتري بنياتها وأنساقها. فالموضوع/ الشيء، لا يقتصر على هوية دائمة، بفعل وجوده في قلب السيرورة التداولية، حيث لا يتوقف عن انخراطه في مجرى تحولاته وتغيراته المكانية والزمانية. لكن، وضمن هذا السياق، ينبغي عدم استبعاد الدور السلبي الذي يمارسه الآخر ذاته، كلما كان مصابا بعاهات التحريف والتضليل، المقنعة بأريحية التواصل وملائكية التفاهم، فيما هو في الواقع مجرد أداة هدم مبرمجة بإتقان، على مهمة إفراغ الحوار من محتواه، بغاية فرض سياسة أمر واقع، ومتعال سلفا عن أي تناول تسوده أجواء الاختلاف والتنوع. فالحوار حينما يتموضع في سياقه الطبيعي، يسعى إلى تقليب تربة الكلام، كي يكشف عما يتخلله من ممكنات واحتمالات، بوصفه أسلوب بحث عن ذلك العنصر المفقود، الذي يكون موضوع خلاف، حيث لا تكتمل ملامح السؤال إلا من خلال إعادة تظهيره بالمزيد من الكشف والتبيين.

إن تفقدنا للإرث الحواري الكبير الذي تتميز به الذاكرة الإعلامية والتوثيقية لدى الشعوب المتقدمة، يضعنا في عمق المنعطفات التاريخية، التي يتشكل بها راهن هويتها، إذ من خلاله نتعرف بجلاء وبوضوح، على الخلفيات السياسية الفاعلة في تفجير الأحداث، وفي بلورة الوقائع، وصياغة البرامج والأهداف، بأدق ما تتضمنه من تفاصيل وجزئيات، تمد المهتم بما يكفي من مقومات القراءة والفهم والتأويل.

ومجازيا، يمكن اعتباره بمثابة كمين سجالي وعقلاني، يروم الإطاحة بالإشكالات الغامضة والملتبسة في شباكه. من هنا تبرز حاجته الماسة إلى الحد الأدنى من الموضوعية، سواء من جهة إبداء الرأي، أو الرغبة الصادقة في الإنصات، والتروي، والتمثل، فضلا عن إيجابية التحلي بديمقراطية التقاسم، التي تهتدي بها الأطراف إلى عمق ما هي بصدده، وإلى ما تستشرفه من آفاقه، أيضا من هذا المنطلق، يصح اعتباره شرطا أساسيا لإضفاء شرط «المعنى» على الموضوعات التي يكون بصدد معالجتها، بما تعنيه كلمة المعنى هنا من دلالة براغماتية، من شأنها النأي بالموضوع عن هلاميته وضبابيته، وعن مزاجيته الفردانية، للسير به نحو حد معين من الوضوح، الذي يجعل منه عامل إجماع منطقي وموضوعي، قابل للانتشار، والسريان السلس في الفضاءات التواصلية المعنية به. ثمة إلى جانب ذلك، خاصية بالغة الأهمية، تتمثل في بلورته لهوية الذات المتحاورة، من خلال كشفه عما تتميز به من كفايات معرفية وإقناعية، مؤكدا بذلك صفته كإطار طبيعي تتبلور فيه ملامح النخب الثقافية الأكثر إشعاعا، والناطقة بضمير الشرائح المجتمعية، بمختلف اختصاصاتها واهتماماتها المعرفية. وهي النخب التي تحظى بثقة الإنصات والمواكبة، بفعل مصداقية ما تقدمه من إضاءات معرفية لتوقعات للرأي العام، الذي يجد فيها دليله إلى جوهر ما تعذر فهمه وإدراكه.
إنه الأداة الناجعة لتوجيه مسار الفعل المجتمعي، ورفع الحواجز والعوائق، وكذا البحث عن الإبدالات، فضلا عن اعتماده كأداة أساسية في وضع خطاطات الرفض والقبول، واستشراف المقترحات الاستباقية، إلى جانب ما يمارسه من أدوار وازنة توسيع مساحة التأمل والتفكير، ورفع الحجب المبيتة والطارئة، بما يفضي إلى تصحيح ما قد تقع فيه المرحلة من انحرافات وانكفاءات. وهي تطلعات لا تتحقق في عمومها تلقائيا، وعلى سبيل صدفة غير متوقعة، بقدر ما تتأسس على منهاجياتها المعززة بقوانينها، وتعاقداتها الفكرية والتواصلية. ويتعلق الأمر هنا، بالتأكيد على جدوى بناء ذاكرة توثيقية، تكون السند المرجعي والمعرفي، في مقاربة ما هو مطروح من قضايا طارئة تمليها شروط المرحلة وملابساتها. ونعني بها ذاكرة تخزين التجارب المستقاة من قلب المحطات الحاسمة في تاريخ الشعب، بمجموع ما تطرحه من احتمالات، ومن أساليب تدبيرية. فذاكرة الحوار بما تتمتع به من رصيد متعدد الاختصاصات، ومن تغطية عامة للحظات المفصلية التي يعبرها مسار مجتمعي، فكري أو إبداعي، وإضاءة لما يستجد من قضايا مخالفة، أو مشابهة فاعلة في استحداث حالة من الاستئناس الضمني، بما سبق أن خاض فيه الفاعلون من خطابات ونقاشات. ذلك أن الذاكرة المعزولة والمنفصلة عما يحدث أن يطرحه الحوار من إشكاليات، هي أصلا ذاكرة بيضاء، تشي بغياب المعرفة، وغياب الوعي بالمسؤولية، فضلا عن غياب الحس التاريخي، وهو ما يفسح المجال لحالة مأساوية من الحياد العبثي تجاه المعيش، بكل ما يحيل عليه من قضايا وإشكالات.
إن تفقدنا للإرث الحواري الكبير الذي تتميز به الذاكرة الإعلامية والتوثيقية لدى الشعوب المتقدمة، يضعنا في عمق المنعطفات التاريخية، التي يتشكل بها راهن هويتها، إذ من خلاله نتعرف بجلاء وبوضوح، على الخلفيات السياسية الفاعلة في تفجير الأحداث، وفي بلورة الوقائع، وصياغة البرامج والأهداف، بأدق ما تتضمنه من تفاصيل وجزئيات، تمد المهتم بما يكفي من مقومات القراءة والفهم والتأويل. كما تسمح له باقتفاء أثر الرموز الإبداعية، الفكرية والفنية، ذات الأفق الكوني، في سفرياتها الحميمية والخاصة، عبر ما فتحته من مسالك ودروب في متاهات الحياة وفي رحاب المعيش ومضايقه.
غير أن المأساة سوف تصبح أكثر سفورا وبشاعة، حينما نغامر بالبحث عما قل من هذا الإرث في ذاكرتنا الإعلامية، كي نصطدم ببؤس ذلك الفراغ الماحق الذي يطال الجامد والحي، حيث ما إشارة يمكن أن تومئ لوجهة أو نداء، وحيث ليس لنا في نهاية المطاف، سوى التغني بمجد حداثة الوسائط الجديدة، وهي تستمتع باستدراج الأرواح العمياء، للتخبط الدائم في ضراوة شراستها.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية