إذا كان ثمّة لغة أحببت أن أتعلّمها، وذهبت نفسي عليها حسرة، فهي الإسبانيّة حقّا؛ فقد أتيحت لي فرصة تعلّمها، بيْدَ أنّي أهدرتها مثل فرص كثيرة غيرها في حياة أيّ منّا، نريدها لكنّها لا تواتينا، وأخرى تواتينا لكنّنا لا نريدها؛ أو لم نعرف كيف نمسك بها في لحظتها. قلت هذا وأنا متفرّغ في عزّ الصيف القيرواني، لبحث في فنّ الموشّح، وتحديدا في أصوله ونشأته؛ من أجل نشره في موسوعة مرموقة. وكنت أعرف أنّ أكثره ضاع، أو ربّما هو طيّ المخطوطات العربيّة التي «سُرقتْ» أو «فُقدتْ» في إسبانيا وغيرها. ومثاله ما أسوقه في هذه المقالة حيث أقف بإيجاز على هذا الفنّ كما ابتدعه أبو بكر عبادة بن عبد الله الأنصاري (950م أو 960// 1030م) الشاعر والوشّاح والزجّال الأندلسيّ الشهير المعروف بـ «ابن ماء السماء» نسبة إلى جدّه الأوّل.
ودون خوض في نشأته الأدبيّة والعلميّة، التي تذكرها المصادر القديمة لِمَامًا، أشير إلى أنّ عبادة كان في ذلك العصر متقدّما على الشعراء؛ وهو الذي لحق الدولة العامريّة والحموديّة، بقرطبة ومدح رجالها. وهو بشهادة ابن بسّام «شيخ صناعة الشعر»، وعلى هذا فإنّ كتب التراجم والطبقات والأدب عامّة، لم تحفظ لنا سوى مقطّعاتٍ قليلة من شعره وأبياتٍ «يتيمة» منتزعة من سياقها، وليس بقصائد بأكملها.
والسؤال: أين ذهبت موشّحاته؟ وعبادة، ولا أخالني أبالغ إذا قلت إنّه «خليل التوشيح»، أو مستنبط «عروض الموشّح» أو «مصحّحه»؛ على ضرورة تنسيب هذا الحكم، إذ نستند فيه إلى أخباره وإلى هذا النزر من شعره. ومردّ هذه الحيطة إلى أنّ موشّحاته، لم يصلنا منها على كثرتها كما ندرك من تقريظ ابن بسّام وغيره لعبادة، سوى موشّحتين اثنتين: والأولى على شهرتها مُتّهمة النسب:
مَنْ وَلِي/ في أمّةٍ/
أمراً ولم يُعزَل/ إلاّ لِحاظُ الرشا الأكحلِ/ جُرْتَ في حكمكَ من قتلي/ يا مُسرفُ/
فواجبٌ أن ينصف المُنصفُ/ وارأفْ فإنَّ هذا الشوق لا يرأفُ…»
فقد نسبها ابن شاكر والمواعيني إلى عبادة. ونسبها الصفدي في «الوافي» إلى محمد بن عبادة القزّاز، ثمّ استدرك فنسبها في (توضيح التوضيح) إلى عبادة. ونكاد اليوم لا نملك إلاّ موشّحة واحدة «صحّتْ» نسبتها إلى عبادة؛ ولعلّها أقدم ما صلنا من الموشّحات:
حُبُّ المها عـبادهْ
من كلّ بسّام السّرار… قمرٌ يطلعُ /// من حسن آفاق الكمال حسنه الأبدعُ…
وهو على ما يبدو من سيرته وهذا القليل من أشعاره، سبق ابن سناء الملك في ترتيب علاقة الموشّح نغما ووزنا وتشبيها، وليس في «صنعه». فلا غرابة أن عُدّ «إمام» هذا الفنّ، الأمر الذي جعل الشعراء يترسّمون طريقته في التوشيح. وإن كان ابن خلدون يذهب إلى أنّ ابن عبادة القزّاز هو أوّل من نظم الموشّح بعد مقدم بن معافي؛ وهو «وَهمٌ» منه على ما يبدو. علما أنّ بعض شعر عبادة اشتبه بشعر سميّه ابن القزّاز؛ وربّما وقع الخلط بينهما في نسبة هذا إلى ذاك؛ على نحو ما وقع الخلط بينه وبين ابن القطّان أيضا. وهو التفسير الأرجح في تقديري. يقول ابن بسّام: «وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود ولا منظومة العقود؛ فأقام عبادة هذا منآدها وقوّم ميلها وسنادها، فكأنّها لم تسمع بالأندلس إلاّ منه، ولا أخذت إلاّ عنه. واشتُهِر بها اشتهارا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته». ثمّ تلقّف هذا الفنّ كثيرون من العرب وغير العرب، وافترضوا ما افترضوا على التوشيح، وأشهرهم المستشرق الألماني هارتمان (القرن 19 م)، فالإسباني كورينطي، فسيّد غازي، فالتونسي سليم ريدان. ولا مسوّغ لهذه الوفرة العلميّة، في خفايا هذا الفنّ وكوامنه، سوى ما يتعلّق بقضايا نشأته وأوزانه وسائر إيقاعاته، والمؤثّرات التي اكتنفت وضعه، وهي التي لا تزال تثير ما تثير من الأسئلة الشائكة؛ وخاصّة ما يزعمه بعض المستشرقين من أنّ أصل الموشّح في ألحانه، وليس في نصوصه الشعريّة؛ يرجع إلى إرث إسباني سابق للإسلام. فلعلّ في إحكام الربط بين التوشيح والموسيقى العربيّة والإسبانيّة في الأندلس، ما يبدّد «الغموض» الذي يحفّ بالموشّح نشأة واصطلاحا، خاصّة أنّ أكثر المصطلحات المعتمدة في فنّ التوشيح، ترجع إلى عمود الشعر وإلى عروض الخليل؛ إي إلى فنّ غير موسيقي بالمعنى الدقيق لكلمة موسيقى.
والموشّح ـ باستثناء «الموشّح الشعريّ» الذي هو أقرب إلى القصيد منه إلى الأغنية، لا ينتظمه أيّ وزن من أوزان العرب المعروفة، وحتى المهملة. وعروضه ـــ إذا جوّزنا لأنفسنا هذا المصطلح ـــ ألحان موسيقيّة مصطفاة قد تكون صاغتها ثقافات البحر الأبيض المتوسّط وتآزرتْ فيها، وتحديدا ثقافة الأندلس التي كانت «مثاقفة» تشكّلت في سياق تاريخي مخصوص؛ إذ لم يواجه الإسلام نُظما فكريّة راسخة كانت لها سطوتها، مثل فلسفة اليونان وعلومها، أو آداب فارس وحكمة الهند. وإنّما وجد المسلمون كما يقول موريس لمبار، رواسب من حضارات وثقافات كانت تشكّل «نمط حياة» أو «أسلوب عيش»، لها أنساقها المعرفيّة لا شكّ؛ بيْد أنّها لم تشكّل عائقا يذكر في مجال الإبداع الفنّي من شعر وغيره، لارتباطه باليوميّ والمعيش الحيّ؛ باستثناء موقفين: موقف شيوخ الأدب والنقد، وموقف ابن رشد الحفيد.
والحقّ أنّ علماء الأندلس كانوا بين مُستجيد لفنّ التوشيح، ومتحفّظ عليه أو بينَ بينَ؛ وذريعتهم أنّ «العادة لم تجرِ بإيراد الموشّحات في الكتب المجلّدة المخلّدة»، ولا تفسير لذلك سوى «عاميّتها» وما داخلها من رطانة أعجميّة. ويثبت ابن حزم الأندلسي في مصنفه «جمهرة أنساب العرب» أنّ الأندلسيّين، من عرب وبربر عامّة وخاصّة، رطنوا بلغة الإسبان، وتكلّموها مع العربيّة؛ حتى أنّه وهو يستقرئ في جمهرته شجرة النسب فروعا وأغصانا؛ لم يجد في كل الأندلس سوى قبيلة عربيّة واحدة حافظت على عربيّتها وعادات أهلها.
لكن كان للفلاسفة موقف لافت، من فنّ التوشيح؛ فابن رشد (ت. 595 هـ) يذكر بكثير من الدقّة، في «تلخيص فنّ الشعر لأرسطو» أنّ المحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون «من قبل النغم، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه… وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يُسمّى الأزجال والموشّحات، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة». ويضيف أنّ «الأشعار الطبيعيّة هي ما جمعت الأمور الثلاثة، وأنّ أشعار العرب فيها لحن. وإنّما هي إمّا الوزن فقط، وإمّا الوزن والمحاكاة معا فيها». وموقفه هذا مغاير لموقف شيوخ الأندلس المحافظين خاصّة أنّه يقرأ الموشّح في ضوء ما هو «مشترك» في شعر كلّ الأمم. بَيْد أنّه يرى أنّ اللحن من جوهر الموشّح والزجل، وليس لاحقا عليه، كما هو الشأن في القصيدة؛ إذ كان الموشّح يُصنع ويُؤلّف على مقتضى أصوات الموسيقى وأوزانها. وهذا يؤكّده عبادة شأنه شأن ابن سناء الملك الذي أراد أن يكون «خليل» زمانه؛ فيقيم للموشّحات عروضا، فعزّ ذلك، وأعوز لخروجها عن الحصر؛ وما لها عروض إلاّ التلحين.
والأقرب أنّ عبادة هو حلقة الوصل بين القصيدة العربيّة و«الموشّحة» التي ينسب إليه اختراعها، والأصوب «اكتمالها». وفي هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير المراوحة في الموشّح بين فصيح وعامي مأنوس؛ ممّا يؤكّد أنّ دراسة الموشّح عند عبادة وغيره، لا تستقيم إلّا لمن رزق حظّا من معرفة عميقة باللغتين العربيّة والعامّيّة الأندلسيّة والإسبانيّة أو لاتينيّة العصور الوسطى، فضلا عن الموسيقى وإيقاعاتها وما إليها من آلات موسيقيّة تتسرّب نغما ولحنا إلى نصّ هو لغة قبل كلّ شيء.
وفي هذا السياق الأندلسي الخالص، ندرك مكانة عبادة وما أضافه واستنبطه، إذ كان مدار الموشّح قبله على «التسميط»، وهو أنْ يُدير الشاعرُ بَيتَه على أربعة ِأقسامٍ: ثلاثةٌ منها على سَجعٍ واحدٍ، بخلافِ قافيةِ البيتِ. «ثمّ نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير» بعبارة ابن بسّام. وذلك أنّه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فكان يضمّنها مواضع الوقف في المركز». والمقصود بـ«التضفير» ترتيب الأقفال (الأبيات المكرّرة) بطريقة متشابكة أشبه بضفائر الشعر. والتضفير بهذا المعنى «إيقاع تسلسلي» و»إيقاع تعاقبي» و«إيقاع صاعد» منتظم متكرّر حركةً أو صوتاً أو الإثنين معا.
وهذه في ما نرجّح ثلاثة مبادئ أساسيّة في نظام الإيقاع التوشيحي عند عبادة استئناسا بـ«موشّحتيه» وعند سميّه ابن القزّاز؛ ممّا يرجّح الفرضيّة التي آخذ بها، وهي أنّ بعض موشّحاته قد تكون لعبادة؛ لأسباب منها أنّها «منسوجة على طرازه» بعبارة القدماء، ومنها أنّ نظام الإيقاع هذا يحكم أيضا ما تبقّى من قصائده في المدح والوصف؛ من حيث الحركات الصاعدة والهابطة سواء في البيت الشعري أو في المقطع.
*كاتب من تونس