رشاد أبوشاور
عبرت الي الترانزيت، شرطيان يقفان لصق الباب الزجاجي الموارب، نظراتهم تتركّز علي وجوه وحركات المسافرين المحشورين في قاعة زجاجيّة.
المسافرون يتأملون بشيء من التوتّر الطائرات الجاثمة علي أرض المطار.
في باب الدخول إلي القاعة يدقق رجال ونساء الشرطة جوازات المسافرين، يمرّرون علي أجسادهم الآلة الكاشفة التي تشبه مغرفة كبيرة، حول الفخذين، والإليتين، وهي تصدر صوتاً: وّززززز… أنا متوتّر.
أفكّر في الطائرة التي سندخل في جوفها، ونجلس صامتين وهي تقلع، أو مميلين رؤوسنا إن كنّا نعرف بعضنا، متهامسين، متشاغلين عن قلق الإقلاع إلي أن تأخذ الطائرة سمتها وتستقر في طيرانها المطمئن، إلاّ إذا ارتبك طيرانها بمطبّات تذكّر المسافر بأنه معلّق بين الأرض والسماء.
جلست علي طرف مقعد عريض، ووضعت حقيبة السفر اليدويّة التي تمنح المسافر هيبةً، في حين ان حقيبتي ليس فيها غير عدّة الحلاقة، ومعجون وفرشاة أسنان، وبطاقات بريدية اشتريتها لأحتفظ بها ولا أرسلها لأحد، وسيديّات موسيقي وأغان يونانيّة، ورواية لم اقرأ منها سوي صفحات قليلة، وكتاب كيف تتعلّم اليونانيّة بدون معلّم. (كلّما سافرت إلي بلد أحتاط بكتاب من تلك السلسلة: تعلّم اللغة (…) في أسبوع). وجدتني أتأمّل الأجساد شبه العاريّة في موسم الصيف، إذ نحن في شهر آب… سرر الفتيات الشّابات ـ لمت نفسي لأنني لم أزر مدينة (سرّ من رأي) رغم كل مشاركاتي في مؤتمرات ولقاءات أدبيّة وسياسيّة قبل حرب التدمير ـ تنكشف مع كل انحسار للقميصة الصغيرة كلسان عصفور، بحركات عفوية، أو مقصودة مغوية… هاته النسوة بقاماتهن الفارهة، المسافرات وحيدات، إلي أين يسافرن؟ من ينتظرهن؟ مع من قضين أوقات ممتعة وسبحن في شواطئ كريت؟!
تلفت انتباهي بنت بشعر أجعد، بنت تشبه (نعمة)، سمراء، نحيلة، شعرها أجعد، دائبة الضحك. إثر كل همسة مع صاحباتها، أو قريباتها، تنحني، وتهّز رأسها، يداها تقلبان الأغراض في الأكياس، ثمّ تكف فجأةً عن الضحك، ويبدو عليها وكأنها ليست تلك الفتاة المرحة التي كانت تضحك جذلي قبل قليل… ثمّة تلك الفتاة السوداء كالأبنوس، فخمة الجسد، عريضة المنكبين، شفتاها رقيقتان، وعيناها زرقاوان، و.. ثمّة فتي أشقر يهمس في أذنها بين فينة وأخري فتنظر إليه بدلال وتمرّر يدها علي شعره الأشقر الغزير الطويل المنسدل علي كتفيه.. يا إلهي! أين التقيا، وتعارفا، وتحابا؟
لا بدّ أنها ترقص رقصاً مثيراً بهذا الجسد الأفريقي.. ال… سوداء بشعر ناعم أسود غزير ينسدل علي منكبيها وظهرها، بعينين زرقاوين! أبنوس وبحر، و.. جسد هو الغابة بكل أسرارها، ورهبتها، و… وجدتني أصيح مثل طرزان، فإذا برجال الشرطة يركضون صوبي. أدركت أنني وضعت نفسي في موقف محرج، غير مفهوم، وغير مبرّر لهؤلاء القوم خاصة في ظروف استثنائية منذ أحداث الـ11 من سبتمبر… وضعت يدي علي صدري، ثمّ أخذت في التلّوي كما لو أنني أعاني من ألم قاهر، ثمّ بيدي طمأنت من تحلّقوا حولي، وبخاصة رجال الشرطة والأمن، بأنني أعاني من حالة صحيّة اعتدت عليها، فتأملوني بشيء من التوجّس بسبب سماتي الشرقيّة جدّاً (رغم التشابه بيننا وبين اليونانيين) !. لمّا رفعت رأسي، التقت عيناي بعيني تلك الفتاة التي تشبه (نعمة) إبنة جيراننا التي رحلت مع ذويها وانقطعت أخبارها عنّي أنا صاحب شقيقها (عبد المنعم). ابتسمت مع هزّة رأس خفيفة كأنها تقول لي: ما فعلته مكشوف، فـ… ابتسمت لها، وداريت فمي براحة يدي وكأنما أعاني من ألم لا سبيل للتخلّص منه.
فتح باب مغادرة (الترانزيت)، فاندفع المسافرون إلي (الحافلة)، ثمّ هبطوا متزاحمين، واندفعوا كأنهم في سباق، وكل واحد يبذل جهداً لصعود سلّم الطائرة بأكياسه، وحقيبته الثقيلة غالباً والمحشوّة بوزن لا يقل عن وزن تلك الحقيبة التي شحنت في بطن الطائرة.
الرحلة من (كريت) إلي (أثينا) قصيرة، وهناك في مطار (أثينا) سيتوزّع المسافرون مع ذكريات الصيف والبحر… وأنا أمّر بمقعدها، همست لها بالعربيّة:
ـ كيفك نعمة، وين هالغيبة؟!
هزّت رأسها بشعره الأجعد الفوضوي، ثمّ أطلقت ضحكة وهي تتأمّل ملامح وجهي.
سألتني باليونانيّة: ـ ماذا تقول؟
أجبتها بكلمات يونانيّة قليلة تعلّمتها من كتاب تعلّم اليونانيّة بدون معلّم، ومن الأسبوع الذي قضيته في مدينة (هاينا) الكريتيّة:
ـ أنت جميلة، وآه لو التقيتك في مدينة (هاينا) ! دفعتني المضيفة بلطف وحزم كي أفتح الطريق للمسافرين، فاستجبت، ومضيت إلي مقعدي، وأنا أتمنّي لو كنت أجلس قريباً من تلك الفتاة التي لا أدري ماذا جذبني لها… لما فككت الحزام، وتوجهت إلي (الحمّامات) تطلّعت من فوق الرؤوس باحثاً عنها، وإذ رأيتها رفعت يدها وحرّكت أصابعها، ثمّ عادت وأخفت جسدها في مقعدها… انتهت الرحلة بسرعة بين (كريت) و(أثينا)… وأنا أتجه إلي (الترانزيت)، وهي تتجه إلي بوابة الوصول لأثينا، لمحتها بين ذويها، ناديت عليها:
ـ نعمة.. يا نعمة.. آه لو التقينا في (هاينا)! ضحكت، ورفعت يدها عالياً، وعزفت بأصابعها علي الهواء تلويحة وداع لا لقاء بعده… آه لو تعرّفت بها، لو عرفت اسمها، لو تمددت وإيّاها علي رمال شاطئ مدينة (هاينا)، تلك التي بناها العرب قبل مئات السنين، عندما كانوا لا يسافرون بالطائرات…