في التعويل على التجييل العقدي

من المؤكد أن شعراء ستينيات القرن العشرين لم يفكروا أنهم سيوصفون جيلا متفردا ومتميزا، لكن نفرا قليلا منهم اهتم بالتطلع إلى هذا التفرد والتميز. ولذلك عناه كثيرا موضوع التجييل، وكان مهتما بالبحث عن أسبابه ودوافعه ودلائل وجوده تنظيرا على مستوى الكتابة المقالية، وتطبيقا على مستوى الفعاليات الثقافية، وربما دفع غيره من الأدباء إلى تبني مقولة الجيل الستيني كأمر خاص بهم، بوصفهم شعراء ليس لسابقيهم عليهم أي فضل، بل هم مثل من سبقهم في قوة التأثير وجذوة الإنجاز. وساعد في أداء مهمة هذه القلة من القائلين بالجيلية، ما كانوا يتمتعون به من مواقع في تحرير في مجلات أدبية وصحف ثقافية.
ولعل الدافع وراء جهد هؤلاء الشعراء في إسباغ الجيلية على أقرانهم وإثبات التميز لهم، ليس البحث عن المصلحة العامة، أو التقدير النقدي لشعراء الستينيات وقتذاك، وإنما هو وازع ذاتي تلاقت أبعاده على اختلافها عند هذه القلة من الشعراء، بينما كانت غالبية الأدباء غير مقتنعة بمنطقية أن تكون للعقد الستيني جيلية خاصة به.
ولأن النظرة للجزء، أو الفرد قد تكون مسحوبة على الكل أو المجموع، غدا التجييل الستيني شائعا بقابليات وقدرات هذه القلة الفاعلة على الصعيدين الشعري والإعلامي، التي سخرت الإمكانيات في سبيل صناعة هالة (شعرية) لها ولمن جايلها، على نية أنها ستعطي الجميع خصوصيات وستميزهم عن سابقيهم، وفي الوقت نفسه ستتميز أسماء هذه القلة المنافحة في سبيل التجييل. وبالفعل تميزت هذه القلة من الشعراء ووصلت إلى بغيتها في التجييل، وغدت في مقدمة الأسماء حين يذكر الشعر في الستينيات، تاركة أثرها في التاريخ الأدبي، فضلا عن توجيهها أقلام النقاد الوجهة التي رغبت أن يتوجه النقد نحوها، أي تداول مقولة الجيل الستيني كمفهوم أولا، ثم صار مصطلحا آخرا. وصحيح أن في تجييل الستينيات دفاعا عن الشعراء كأشخاص، لكن لا علاقة لذلك بالشعر بوصفه عملية داخلية تتحكم فيها مجموعة اعتمالات نفسية واجتماعية وسياسية. ومن هنا انحصرت محصلات القائلين بالتجييل العقدي في أمرين:
الأول، توكيد مركزية فعلهم الإعلامي على حساب غيرهم من الشعراء.
الثاني، تعميم أحكام ورؤى ذاتية وشخصية على الوسط الأدبي بمعقولية ما تلاقيه دعوتهم الجيلية من صدى وردة فعل. وسواء قوبلت بالرفض أو بالتأييد، فإنه لا فرق في ذلك ما دامت تحرك الوسط الأدبي وتستفزه.
وما كان لاجتهادات هذه القلة من الشعراء المنظرين للتجييل العقدي أن تكون ذات وقع، إلا لأنها كانت تخوض ضد التيار العام، وتخالف السائد النقدي لا لشيء سوى إثبات الوجود، وتوكيد الهوية التي لا سبيل لتوكيدها إلا بهذه الطريقة المبتكرة، أي أن يكونوا جيلا يداري بالجيلية على ما أسقط في أيديهم من تميز غيرهم عليهم، سواء ممن كانوا أقرانا لهم يشاركونهم معطيات العقد الستيني، أو من الرواد أصحاب الحداثة الشعرية الذين نقلوا القصيدة العربية نقلة نوعية، فكانت قصيدة التفعيلة هي الإنجاز الذي ما كان لمن أتى بعدهم أن يبتكر أو يطور بقصيدة موازية لقصيدة العمود، أو قصيدة التفعيلة.
لقد تعامل الشعراء المنظرون للجيلية مع الرواد كغرماء، ولا بد من الانتصار عليهم عبر القيام بعمل ما، يحقق لهم النهوض من هول وقع هذا الانتصار، ويربأ بهم بعيدا عن وكسة الخيبة في عدم احتمال أن يحققوا فتحا جديدا يضاهي الفتح الذي حققه الرواد. ولم يعد من سبيل يؤكد به هؤلاء الستينيون وجودهم الإبداعي سوى بالتجييل الذي فيه يتعمم ما هو خاص ويسود ما هو استثناء، فيكون التحليق بما هو ذاتي مضمونا وشاملا وبطريقة مشروعة، ناهيك من الكتابات التي تسخر من إنجاز قصيدة التفعيلة وتقلل من شأنها، كما صار بعضهم يتهم شعر الرواد بالارستقراطية.

ومن التجارب التي صودرت بهذه الطريقة التجييلية تجرية الشاعرين حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن طهمازي. وهذه المصادرة لوحدها مكسب ضمنه إعلاميا التعويل على التجييل، فلا يتم تخصيص تجارب بعينها كي لا تكون واضحة للعيان، بل العكس جعلها عامة كي تعود بالخير على الجيل كله.

ولا شك في أن للإعلام دوره في أن يتصدى لهذه الارستقراطية بالتكنوقراطية الصحافية التي يمكن من خلالها توجيه الوسط الأدبي الوجهة المرسومة حسب المصالح والأهواء. وبالفعل كانت هذه التكنوقراطية هي العصا التي مسكها هؤلاء الشعراء الستينيون من الوسط، فمن جانب كانت لهم تجاربهم المعروفة، ومن جانب آخر هم إعلاميون فاعلون وكتّاب مقالات نقدية. وقد ضمنت هذه السياسة للدعوة التجييلة أن تشيع وتكون بعد مرور سنوات بمثابة الظاهرة حتى إذا دخل التجييل منطقة الأكاديمية غدا مصطلحا علميا وقضية نقدية وظاهرة أدبية لا مجال معها للتشكيك أو التفنيد. وغدا كل شاعر من الشعراء المنظرين علما نقديا كذوات فضليات تعكس ما في الشعر الستيني من تاريخ شعري مجيد، معبرة عن حال الشعراء الذين جعلهم فقرهم الإعلامي بمثابة الذوات التعيسة التي تنظر بعين المنة والفضل إلى تلك الذوات الفضليات، بوصفها هي لسان حالها المعبر عن شعريتها. أما مسألة التميز في قوة الشاعرية وما يتولد عن ذلك من تميز في الإبداع فلا شأن فيه للمجيلين ولا القائلين بالتجييل العقدي، ولا الذين يؤمنون بأن الأجيال تصنعها الماكنة الإعلامية ومن يقوم على هذه الماكنة منهم. وفاتهم أن المحصلة الأزلية في كل زمان ومكان هي أن البقاء الشعري للإبداع الذي به تُصنع الأجيال الأدبية. أما الإعلام فماض إلى الزوال دون أي جيلية.
وكم من شاعر نأى بنفسه في عزلة خاصة لم يكسرها أي نقد أو احتفاء أو تكريم، ومع ذلك كان إبداعه سابقا عصره واسمه ذائع الصيت، مما لا تستطيع أي ماكنة إعلامية أن تصنع مثله. مثل هذا النمط من الشعراء الصامتين كان يخيف الذات الصادحة (الفضلى في نظر نفسها) فكان لا بد لها من المبادرة بالهجوم عبر تسخير قوتها الإعلامية كي تفرض وجودها كهوية شعرية على تلك الذوات الصامتة (التعيسة في نظر الذات الفضلى) لا بالتغطية عليها وإنما بتعميم الصبغة العامة للجيل عليها، فلا تظهر فرادتها، بل تذوب في الكل العام من ذوي المشاريع الشعرية ومن لا مشروع له وبذلك يخفت تميز المتميزين فلا تكون لهم أي التماعة نوعية.
ومن التجارب التي صودرت بهذه الطريقة التجييلية تجرية الشاعرين حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن طهمازي. وهذه المصادرة لوحدها مكسب ضمنه إعلاميا التعويل على التجييل، فلا يتم تخصيص تجارب بعينها كي لا تكون واضحة للعيان، بل العكس جعلها عامة كي تعود بالخير على الجيل كله. وبهذا التعميم يتم تفريغ الطاقات الإبداعية من خصوصيتها عبر اندماجها مع غيرها بأنانية عدم تركها تبرز بقوة لوحدها، بل التجييل هو الذي ينبغي أن يبرز كظاهرة يسلط عليها النظر على المستويين النقدي والثقافي. ولا مراء في أن للإعلام قوة غاشمة وأينما يوجه يأتي بنتائج ذات أكل ومعطيات، صانعا الغشاوات والفبركات والفذلكات بطريقة مصطنعة تجعل المريب يقينا والزائف حقيقة. والأدهى أن هذه القوة الغاشمة يمكنها أن تكتب التاريخ إن سُمح لها أن تشتغل على صناعة تاريخ الأدب فتحبك قصصه في شكل شهادات واعترافات وسير ومذكرات، من لدن شعراء يهمهم أمر التجييل بكثير من الأنانية وببعض العاطفية وأحيانا اللانزاهة. فيُذكر في التاريخ الأدبي مثلا، شاعر خامد بلا باع إبداعي بينما يُهمل ـ لأسباب معينة ـ شاعر آخر ذو باع متوسط أو عميق أو مكتمل، وقد يتساوى ذكر أحدهم الصحافي المبتدئ في كتابة الشعر مع ذكر شاعر مجيد له تجربته الخاصة في الكتابة الشعرية، تقليلا من تجربة الثاني وإعلاء لشأن الأول.
إن الهيمنة التي بها يفرض الشاعر الإعلامي وجوده على المشهد الثقافي ستغدو مكشوفة بمجرد أن تثبت تجربة بعينها تميزها في تاريخ الأدب، وعندها ستنطفئ الوقتية التي بها فرض الإعلام هيمنته، وسيبزغ الإبداع الفني فارضا وجوده مهما اتسم الإعلام بالقوة والتطرف أو النزق والأنانية. وإذا قيل إن انكشاف الهيمنة الإعلامية على مستوى التاريخ الأدبي لن يضمن انكشافها على مستوى النقد والبحث النقدي، فإننا نرد بأن الكشف التاريخي سيكبح أي هيمنة أخرى نقدية كانت أو غير نقدية، وسيكون من المستحيل على تلك الهيمنة أن تصمد أمام التاريخ الأدبي.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية