في التنوير الأصيل: التقدم الاجتهادي بدل التقليد المذهبي
السلفية تحولت إلي فكرة مهيمنة علي المجال الإيديولوجي الحركي الإسلامي والناشطون الإسلاميون يقومون باستثمارهاالخروج من النفق لا يتم بالتوفيق بين التراث والتجديد او التقليد الأعمي للغرب بل بالتخلي عن التقليد النصيفي التنوير الأصيل: التقدم الاجتهادي بدل التقليد المذهبيزهير الخويلديہ نتكلم ها هنا في التراث والإسلام والعروبة والعصر والتقدم والاجتهاد والتقليد والمذاهب فإنها عبارات وردت في التجربة التاريخية للملة ولم تملك واحدة منها معني يخصها وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وذلك يرجع الي التباس هذه الألفاظ وتشعب المجالات التي تتنزل فيها من جهة والي اختلاف طرق استعمالها وتناقض أساليب تداولها من جهة أخري. وبدل الغوص في بحر فن التحديد والذهاب نحو ساحة أصول التعريف وما يرافق ذلك من تجريد صوري وتأمل نظري حري بنا أن نعالج الأسئلة التي يطرحها تــــواجد مثل هذه العبارات جنبا الي جنب وأن نتحسس الاحراجات التي تسببها مواجهة العــــصر بالتراث والمذاهب بالاجتهاد والإسلام بالتقـــــدم والتقليد بالتجديد، فما المطلوب اليوم في زمن العولمة من حضارة اقرأ؟ الإصلاح أم التحديث؟ التفسيــــر أم التغيير؟ التنمية أم الترقي؟ التطور أم التقدم؟ الاجتهاد أم التأويل؟ما هو بديهي أن التطور سنة الحياة وأن العقل في تكوثر دائم وأن حركة التاريخ هي دائما في صيرورة مستمرة وتحمل لنا الجديد والأحداث الطارئة والمباغتة علي الدوام وما هو مسلم به أن العرب والمسلمين امتلكوا ولا يزالون رصيدا كبيرا من تجارب النهوض والتمدن والتحضر وقد أفادوا في ذلك شعوبا وأمما بما حملوا إليهم من قيم وشرائع ومناهج، أما الأمر الذي لا يحتاج فيه الي حجة وبرهان فهو قابلية الإسلام نفسه في أصوله وفروعه للتطور والتجديد وجاهزية الملة العربية الي المواكبة والترشد لامتلاكها خزانا من الحقائق والمعاني لم تقدر كل التجارب وكل ألوان الترحال الوجودي علي استنفادها واستخدامها.أمام هذه البديهيات والمسلمات تبرز بعض الشبهات والمؤاخذات إذا ما تدبرنا عن قرب حال الفكر العربي الإسلامي اذ تتراءي لنا مجموعة من المعطيات المحيرة والوقائع المربكة:- حدوث أزمة حضارية شاملة تجلت بشكل واضح في الانغلاق والتعصب والتشدد وغياب الحوار بين الداخل ورفض الحوار مع الآخر واحتدام التوتر العرقي والفرقة المذهبية.- توظيف الإسلام والعروبة توظيفا رجعيا رأسماليا معولما لخدمة أجندة غربية من قبل فئة طفيلية تابعة من الداخل تحافظ علي مصالحها الآنية وتحتكر السلطة لنفسها وتعيد توزيعها بشكل رمزي.- تفشي الأمية وانحسار عملية الإبداع وتوقف باب الاجتهاد وشيوع المد السلفي والاكتفاء بالتقليد وانحراف دعاة التنوير نحو التغريب والمجون والميوعة الفكرية.هذه اللوحة الرمادية ليس المراد منها أن تحجب عنا الحقيقة المأساوية التي يتكون منها الواقع ولا تجميل المشهد وتبرير ما يحدث وتخفيف الأوجاع وتسكين الآلام بل المقصود منها هو الشروع الجدي في بناء عملية حضارية شاملة وتحسس الانبعاث من جديد الذي يبدأ بتحطيم الأوثان وإزالة المعوقات وتفكيك العراقيل من أجل تغيير القبلة وتحييث المقدس والتوجه بالفكر من المدن الغربية الغارقة في ظلام العولمة والعقلانيات اللامعقولة والتنوير المتسلط نحو كهوف الشرق وأم القري وما تحمله من حكمة وتدبير وإنصاف ومحبة وصداقة.ـ قد يتبادر الي الأذهان أن هذا المبحث يتنزل في سياق المعركة بين أنصار التقليد وأنصار التجديد وبين من يدافع عن الهوية ومن يدافع عن الحداثة غير أن طرح المشكل بهذه الصيغة وضمن هذه الزاوية وداخل هذا السياق هو انزياح عنه وتحويل خارجي له وتفويت أية فرصة جدية لطرحه بدقة والتعمق في تناوله وتحليله، ولذلك فضلنا الطريق الثالث الذي يقاوم الجبهتين في نفس الوقت ويقوم بتجديل العلاقة بينهما ويحاول أن ينحت الإسلام التقدمي والتراث العصري. فإذا كان مطمحنا هنا هو بناء فهم متكامل عن الإسلام يواكب روح العصر وينصهر مع العروبة بعيون جديدة ويرد علي كل التحديات ويحل كل العقد الدفينة والأزمات المستديمة فإن هذا المقصد لن يتحقق إلا بنحت مفهوم التقدم من خلال تراث الإسلام وبدفع الإسلام نفسه نحو تحقيق هذا التقدم نظريا وعمليا.من أجل تحقيق هذا الغرض لا بد أن نبين خطورة الدعوة الي التقليد وندحض مزاعمهم ونكشف بطلان دعواهم في مقام أول.ثم في مقام ثان يلزم علينا أن نبين خطورة الدعوة الي التغريب وندحض مزاعمهم ونكشف المآسي التي سببتها حضارة المصنع وثقافة البضاعة وكوجيطو الاستهلاك المجنون علي الساكن الأصلي.أما في مقام ثالث فإننا سنوضح ملامح التقدم الحضاري الأصيل الذي يجمع بين الشكل والمضمون وبين النظر والعمل وبين العلم والأخلاق والإسلام والتقدم، فكيف سيكون ذلك كذلك؟ آفة التقليد المطلق: وإذا توالوا في الأزمان واحدا بعد آخر فإن نفوسهم تكون كنفس واحدة ويكون الثاني علي سيرة الأول والغابر علي سيرة الماضي… (1).التقليد هو قبول رأي الآخر بلا حجة ولا دليل، وبعبارة أخري هو اتباع الانسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدا للحقيقة فيه من غير نظر وتأمل في الدليل كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه. وعلي هذا معظم الناس فلذلك يحتاجون الي معلم ومرشد ومن يعرفهم أمور دنياهم ودينهم وجميع شرائعه وفروضه ومن ينهض نحو فعلها. ويتميز المقلد بالاتباع والمسايرة والعجز والقصور والتعويل علي الغير وعدم استعمال ملكاته الطبيعية في التفكير والفعل والوجود والارتماء بين أحضان الخيال والخرافة والسحر والتصور الغيبي للزمن. ومن لم يكن له قدرة علي أن ينهض غيره نحو شيء من الأشياء أصلا ولا أن يستعمله فيه وكان إنما له القدرة علي أن يفعل أبدا ما يرشد إليه لم يكن هذا رئيسا أصلا ولا في شيء بل يكون مرؤوسا أبدا وفي كل شيء (2)يمكن تسمية هذا الموقف بالمحافظ لاعتقاده في كمال الدين وقداسته وثبات شرائعه وعلوية أحكامه ووجوب فرائضه مهما تغيرت الظروف وصلاحية أحكامه في كل زمان ومكان وحجتهم في ذلك أن شريعة الإسلام جاءت محكمة تامة اكتمل بها البناء وختمت بها الدعوة. ويري أصحاب هذا الموقف ضرورة الاكتفاء الذاتي للتراث ويؤمنون بأنهم الفرقة الناجية وأن المواقف الأخري مواقف ضالة يجب إما تبديعها أو تكفــــيرها. وذلك يعني أن تراثنا القديم حوي كل شـــيء مما مضي أو مما هو آت وهو فخرنا وعزنا وتراث الآباء والأجداد علينا الرجوع إليه ففيه حل لجميع مشاكلنا الحاضرة .ويستند هذا الموقف الماضوي علي حديثين للرسول صلعم هما: خير القرون قرني ثم الذي يليني و لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها . ومعني هذا أن حاضر هذه الأمة لا يتقدم إلا بالرجوع الي الماضي وأن التاريخ يسير في تدهور مستمر وأن قمة التطور كانت في عصر ذهبي في الماضي وأنه لا يمكن استعادة هذه التجربة المتطورة مهما حاولنا فذاك عصر الطهارة قد انقضي وولي.و يتبع أصحاب التقليد مناهج قاصرة وتغلب عليهم النزعة الخطابية التي تعطي الأولوية المطلقة للوحي علي التاريخ والشرع علي العقل ولله علي الانسان وللسماء علي الأرض ولعالم الغيب علي عالم الشهادة فيغيب الوضوح والعمق النظري والنضج الفكري وتسود العاطفة والانفعال والاندفاع والمراهقة والتكرار وتحصيل الحاصل والتقريظ أو الدفاع الذي يتحول إلي تبرير والجدل والمهاترات اللفظية التي لا تمتلك سوي حدس قصير المدي، وبالتالي فإنهم يعانون من ضعف في التنظير ويحتكمون إلي آراء جاهزة وأحكام مسبقة ويفضلون الظن علي اليقين والإجماع الضعيف علي الحجة الدامغة وحتي إن تحدثوا علي التغيير فإنهم يرونه بواسطة القديم عبر استعادة حرفية للماضي والعودة الكلية للسلف الصالح من خلال توظيف ملكات الذاكرة والخيال والوجدان والنص دون إعطاء أي اعتبار للعقل والعصر والتجربة والتاريخ والتغير والتقدم .إن السلفية بقطع النظر عن مضامينها المختلفة قد تحولت إلي فكرة إسلامية مهيمنة علي المجال الإيديولوجي الحركي الإسلامي ويغدو السجال حول دلالتها المحددة رأسمالا رمزيا يحاول الفاعلون الإسلاميون استثماره سواء علي مستوي إنتاج السلطة المعنوية أو علي المستوي الحركي العملي.فإذا كان البوطي يعتبر السلفية مرحلة زمنية مباركة وليس مجرد مذهب ديني يضاف الي بقية المذاهب فان محمد عمارة يربطها بالتاريخ العربي الإسلامي ويحاول أن يبحث لها عن جذور حضارية تراثية فهي حسب رأيه ظاهرة عباسية ترتبط بالتيار الفكري الذي قاده أحمد بن حنبل ضد المعتزلة وما عرف بمحنة خلق القرآن والتي انتهت الي انتصار أصحاب الحديث والنص علي أصحاب الرأي والعقل. وإذا كان محمد الغزالي يعتبرها نزعة عقلية عاطفية ترتبط بخير القرون وتعمق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله فان محمد عابد الجابري يتحدث عن السلفية الوطنية وينوه بالنموذج المغربي خاصة عند علال الفاسي الذي هو أقرب ما يكون منهجا من أن يكون مذهبا ويميز بينها وبين الماضوية التي ترجع الي الماضي وتتمسك به لذاته دون نقد أو تمحيص وتعتبر سلوك السلف نموذجا صالحا لكل وقت ولكل مكان بينما السلفية الوطنية ترجع الي نقطة مضيئة في الماضي ليس من أجل الماضي نفسه بل من أجل التحرر مما تراكم من انحرافات وظلمات في المسار الذي يفصل الحاضر عن تلك النقطة المضيئة . (3)عموما تمثل السلفية إطارا معرفيا شاملا يحكم طريقة إنتاج الفكر الإسلامي للمنهج المطابق لمنهج السلف الصالح في القرون الهجرية الثلاثة الأولي والذي بموجبه تكون السلفية هي الدين نفسه كما فهمه الرسول والخلفاء والقراء ومجمل الصحابة والتابعين، علي هذا النحو يشكل الانتماء الي السلفية قاسما مشتركا بين مختلف الحركات الإسلامية في الفضاء السني في القرن العشرين أمعتدلة إصلاحية كانت أم راديكالية متطرفة…إن أهم السلفيات هي السلفية التاريخية والسلفية المدرسية والسلفية النهضوية والسلفية الوطنية والسلفية الحركية والسلفية الجهادية والسلفية التحررية والسلفية المحدثة.السلفية متغلغلة في عقولنايستند الموقف السلفي علي جملة من الفرضيات القبلية أهمها التمييز بين الإسلام والإيمان والإحسان والإخلاص وبين الاستحسان والاستصحاب، فالإسلام هو الخضوع والانقياد لما أخبر الرسول صلعم، أي كل ما يكون إقرارا باللسان من غير مواطأة بالقلب،والإيمان هو التصديق بالقلب والاعتقاد بالوجدان والإقرار باللسان، أما الإحسان فهو فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير أي أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك، في حين أن الإخلاص يفيد ترك الرياء في الطاعات بأن لا يطلب المؤمن لعلمه شاهدا غير الله، ويختلف الاستحسان عن الاستصحاب فالأول هو عد الشيء واعتقاده حسنا بترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس أما الثاني فهو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء علي الزمان الأول وهو عبارة عن إبقاء ما كان علي ما كان عليه لانعدام المغير.والحق أن السلفية متغلغلة في عقولنا وقلوبنا ولا نستطيع التحرر منها مهما حاولنا وتؤثر في نظرتنا الي أنفسنا وفي علاقتنا بالآخر وإقامتنا في العالم فهي تسقطنا في النظرة الضيقة والموقف الدغمائي وتجعلنا نتصور مفهوم الانسان تصورا أحادي الجانب، كما أن تبني الموقف السلفي يسقطنا في التقليد والمحاكاة وينتج عنه عدة آفات وأخطاء مثل التمركز حول الذات واعتقاد امتلاك الحقيقة المطلقة والانتماء الي الفرقة الناجية ثم العجز عن الفعل والقصور والالتجاء الي التعويض والانتظار والإرجاء.علاوة علي ذلك يترتب عن التقليد المطلق للماضي عدة أخطاء ومساوئ ينبغي تفاديها نذكر منها ما يلي:ـ إيثار الدولة الدينية علي الدولة المدنية والحاكمية الإلهية علي الشوري الانسانية وتقسيم المجتمع الي مؤمن /كافر والعالم الي دارين: دار طاعة/دار حرب.ـ إعطاء صورة سلبية عن الإسلام تبدأ بالحدود والعقوبات وتوصي بالتشدد في الالتزام بالواجبات وتهمل الحقوق والحريات وما هو جائز ومباح بالنسبة للناس.ـ التوقف عن التطوير والإصلاح والتركيز علي عصر ذهبي واعتباره النموذج الذي ينبغي إعادة استنساخه في كل مرحلة وهو ما يعني معاداة التجديد والثورة وعدم الأخذ بعين الاعتبار للمستجدات والتحولات التي تطرأ علي العالم في كل يوم.ـ جدل الكل أو لا شيء عند الممارسة والميل الي التعصب بدل الوعي الفكري المتبصر وسيطرة النعرات الطائفية والحميات القبلية علي الموقف التاريخي.ـ تنظيم الجماهير في جماعات مغلقة ينقصها الحوار والمشاركة الحقيقية ومطالبتهم بالطاعة المطلقة وتعويدهم علي الاعتقاد بأنهم علي حق والآخر علي باطل.ـ محاولة تغيير الواقع بالقوة واستعمال العنف للاستيلاء علي السلطة دون المرور بمراحل الدعوة والتربية ودون تنوير للناس وإعدادهم لهذا التغيير بالكلمة الحسنة والمبادئ القويمة.ـ فهم الإسلام فهما يمينيا رأسماليا والنظر إليه علي أنه يبيح الملكية الخاصة ويقر بالتفاوت بالدرجات بين الناس وإهمال قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية التي هي تجسيد للعدالة الإلهية.والجلي أن الموقف التقليدي هو موقف محكم البناء متناغم الأجزاء بحيث يصعب اختراقه من أجل تقويضه من الداخل لمتانة البناء وكثافة الطبقات التي يرتكز عليها النسق مما جعل البعض يخيرون ضرب هذا النسيج علي عرض الحائط وإلقائه برمته في سلة الماضي الخاطئ وتفضيل تقليد الغرب تقليدا أعمي وتبني نهج الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة وهو ما يعني ارتكاب خطأ أفدح في محاولة لتفادي خطأ تقليد الماضي التراثي فما هي الآفات المنجرة عن تقليد الغرب؟/ في التقدم المطلق : إننا نقدر الأقدمين والأسلاف أكثر مما يستحقون، فالزمان الحاضر أسمي من الزمان السالف لأن الأول يعتمد علي تبرير من التجربة وفي الوقت نفسه يستند الي الزمان السالف والناس يستفيدون دائما من المزيد من التجارب التي تتم مع مضي الزمان (فونتنل/محاورات الموتي).التقدم هو الحركة الي جهة معلومة سلفا أي هو السير الي الأمام لكون الشيء موجودا قبل الآخر بحيث لا يوجد الثاني إلا إذا وجد الأول، وهو بذلك ضد التراجع والتأخر والانحطاط والتخلف. والتقدم في الفيزياء يقاس كميته بأنها حاصل ضرب كتلة الجسم في قوة سرعته ونستنتج ارتباط التقدم بالمادة وبالحركة السريعة. ويقع التمييز بين التقدم الإضافي الذي هو من الحسن الي الأحسن والتقدم المطلق الذي هو من التخلف الي النمو وهو ناشئ عن الحتمية التاريخية والضرورة الكونية.علي هذا النحو يكون التقدم انتقالا تدريجيا في نظام متصل من الأدني الي الأعلي ومن النقص الي الكمال ويكون إما في شكل خط مستقيم أو في شكل خط لولبي أو في شكل الخط المنحني الصاعد.إذا كان تقدم الفكر هو تقدم تدريجي فإن التقدم الحقيقي الجدير بالإعجاب هو ذلك الذي يتحقق بعد تحرر البشرية من طغيان الملوك. وإذا كان أفلاطون يري أن الشباب يتقدم نحو كل شيء وأكد في محاورة النواميس علي أن الأوائل قد وضعوا الفنون والصناعات لبني الانسان لكن بعد الطوفان بقي الكثير منها مجهولا ولم يعرف الكثير منها إلا حديثا فإن أرسطو يري أنه من العبث التوقف عند ما فعله الأقدمون أو استرجاعه لأن التقدم هو المبدأ الذي ينبغي أن يتبعه الناس، فالتحرك هو الأفضل كما أن العادات والقيم الأولي متوحشة ومبتذلة، ويكون التقدم في الفنون والصناعات لكي يتم كل إنسان ما ينقصه عبر الزمان وقد قال من أجل ذلك في الأخلاق الي نيقوماخوس أس 24 : إن الزمان هو المخترع أو المساعد الجيد للاختراع .اللافت للنظر أن القائلين بالتقدم يرون أن التطور ليس مقصورا علي ازدياد التقوي ونماء الحياة الروحية بل يؤمنون بالتقدم المادي والتقني ويعتبرون العصر القديم ليس كعصر ذهبي بل كانت فيه الحياة شبيهة بحياة الحيوان ولذلك دعوا الناس نحو طلب العلم والثقافة والالتزام بالأخلاق بالتمسك بالتجربة ونبذ الخرافات وبالكشف عن أسرار الطبيعة وإنقاذ الظواهر وتطوير الحرف والمهن.من هذا المنطلق يري بايكن في كتابه الأرغانون الجديد أن احترام الأقدمين ينافي تقدم العلم لأن الحقيقة بنت الزمان وليست خاضعة للسلطة بل إن غواية السلطة تشل مواهب الانسان وتعوق التقدم ولا ريب في أن الانسان سيعرف الكثير في المستقبل أكثر مما لا يزال مجهولا عندنا وربما يأتي اليوم الذي يتعجب فيه أولادنا من جهلنا، ومن المعلوم في كتابه مقال عن منهج شبه المقلدين من الذين يتبعون آراء أرسطو ويخضعون لسلطته العلمية بنبات العليق الذي يحاول أن يصعد الي أعلي من الشجرة التي تحمله فوقها وسيكون هؤلاء المقلدون في نهاية الأمر أكثر جهلا مما كانوا عليه.هكذا فإن التقدم الإنساني غير محدود اذ يزداد كمالا باستمرار وان خطة الطبيعة تقوم علي أساس أن الاستعدادات الانسانية قدر لها أن تنمو وتتطور تماما وفقا لغاية محددة، في هذا السياق يقول فيلسوف التنوير كانط: إن الانسان يكمل نفسه بنفسه وفقا لغايات اتخذها بنفسه من حيث هو حيوان عاقل .ولهذا فإن تاريخ الانسان هو تاريخ التقدم حتي وان كان مرتبطا بحيلة العقل ومكره وعن طريق الحروب والصراع بين الأضداد وقانون الجدل. ألم يقل ماوتسي تونغ في كتاب الأحرار: إن العالم يسير قدما والمستقبل وضاء ولا يستطيع أحد أن يغير مجري التاريخ هذا، ولذا علينا أن ننشر التقدم في العالم بين الشعب باستمرار ابتغاء أن يكسب الثقة بالانتصار . لكن ماذا تخفي هذه الثقة بالتقدم المطلق؟ ألا يمكن أن يتحول الهيام بالتقدم الي اليوطوبيا خاصة في ظل واقع التخلف الذي نعيشه في حضارة اقرأ؟يتوزع الموقف التقدمي في الخارطة السياسية علي مختلف الاتجاهات من:ـ الليبرالي الوطني وريث الدولة القطرية ما بعد الاستعمار المباشر.ـ الاتجاه القومي العلماني المتأثر بفكرة القومية كما بشرت بها البرجوازية الغربية.ـ الاتجاه الاشتراكي والماركسي الملتزم بالتجارب الشمولية كما مورست في المعسكر الشرقي.وتتميز التجارب التي تنادي بالتقدمية بمجموعة من الخصائص:ـ الإيمان بالعلم والتقنية والفكر الوضعي ومعاداة الفكر الرمزي والتجارب المعرفية الوجدانية الأخري.ـ فهم العلمانية علي أنها فصل ما هو روحي عما هو حياتي وتفضيل ما هو دنيوي مادي علي ما هو معنوي غيبي.ـ الدعوة الي إحداث قطيعة ابستيمولوجية مع التراث واعتبار الماضي كله مجموعة من الأخطاء ينبغي محوها الي الأبد .ـ الوقوع في تقليد الحاضر واستنساخ التجارب الجاهزة والانشداد الي المستقبل دون امتلاك رؤية استراتيجية متكاملة.ـ الميل الي نهج الإقصاء ورفض المختلف والعمل علي الاستئصال وتفضيل الحلول الأمنية في التعامل مع المواقف المباينة.ـ بروز الازدواجية واتباع سياسة ميكيافلية هوبزية تفضل العقل الحسابي الأداتي علي العقل التواصلي الاتيقي والايكولوجي.ـ التعامل البراغماتي مع الأشخاص والنظر الي الكائن البشري علي أنه موجود من أجل ذاته وإهمال كونه موجود كذلك من أجل الآخر.هذا الفهم الضيق للتقدم أدي الي إنتاج عدة أخطاء في النظرية والممارسة علي السواء:إن التقدم عوض عن أن يكون الي الأمام تحول الي حركة الي الخلف فصار يعني السير من السيء الي الأسوأ والتفويت في الكامل من أجل الرضا بالناقص، وبالتالي أصبح التقدم يعني الشدة والتكاثر والازدياد في البؤس والمأساة والفقر والأمية كقولنا تقدم القمار والإجرام والفساد والمقصود هو تضخم هذه الظواهر وتفاقم أمرها. وقد تنبه أفلاطون منذ الإغريق الي هذا الأمر في كتابه النواميس 676 أ عندما قال: انه في المدينة الدولة قد يحدث مع التقدم في الفضيلة الانحطاط نحو الأسوأ .من هذا المنطلق شبه سيناك المتقدمين بالحمقي وعلل ذلك بأنهم يعتقدون أنهم تقدموا بينما في الحقيقة هم في الواقع لم يقوموا بأية خطوة الي الأمام بل ظلوا علي حالهم أو تراجعوا الي الوراء وليس فقط علي الصعيد الأخلاقي والروحي بل وكذلك علي الصعيد المادي والصناعي وقد بلغ الأمر بجان جاك روسو أن أنكر التقدم جملة وتفصيلا وآمن بالترقي أو قابلية الاكتمال اذ يقول في هذا الصدد: لا يوجد تقدم حقيقي للعقل في النوع البشري لأن ما يكسبه من ناحية يفقده من ناحية أخري ويستدل علي ذلك بقوله في مقالة في العلوم والفنون 1750: بقدر ما تتقدم علومنا وفنوننا نحو الكمال بقدر ما تزداد أرواحنا فسادا وبعبارة أخري: كلما ازددنا تقدما ازددنا توحشا . فما العمل لبناء تقدم حضاري حقيقي يتفادي آفة التقليد المطلق والتقدم المبهرج؟/ بينات من التقدم الأصيل: إن الآلهة لم تكشف للناس الفانين كل شيء مقدما ولهذا ينبغي عليهم أن يكتشفوا ما أبقته مستورا تدريجيا… . اكزينوفان.ما يميز واقع الانسان اليوم هو التأخر المعرفي والتأخر العملي، التأخر المعرفي يظهر في استبعاد الانسان من الحياة العامة والقضاء عليه كفرد له مجموعة من الحقوق وكشخص معنوي وذات عارفة وتهميش دوره والنظر إليه كشيء وأداة طيعة في خدمة السلطة وكموضوع قبل للملاحظة والاستهلاك، والتأخر العملي معناه ظهور أشكال جديدة من الرقابة والتأديب تكرس الهيمنة وتؤدي الي الاغتراب ناتجة عن تسيد قيم النجاعة والمردودية علي قيم الحرية والمسؤولية والحياة زيادة علي تزايد مجموعة من الحاجات غير قابلة للإشباع مما يولد الشعور بالضيق والحرمان والحصر وكلها أمور تولد سوء النية والنفاق. زيادة علي ذلك هناك تعارض بين سهولة إدانة الواقع الراهن وتكاثر المتذمرين منه والساخطين عليه وقلة الممانعين وندرة المساهمين في عملية التصدي والصمود واعتراف الأغلبية بعجزهم وبصعوبة تجاوز الأزمات المستفحلة. بيد أن الأمر الجلل وأصل البلاء هو تعايش التقليد والتقدم واختلاط المعقول باللامعقول والتداخل بين القديم الموروث والجديد الوافد دون الوصول الي حالة من الانصهار والاندماج وإعادة التشكل علي أسس صلبة تبيح إمكانية العود علي بدء والانطلاق الي ما هو أفضل. كل هذه المفارقات هي بمثابة تحديات علي الانسان العربي أن يتخير السبل الكفيلة بمواجهتها و العمل علي تفكيكها.ليس لنا من بد إذا أردنا الخروج من هذا المطب سوي تغيير نظرتنا الي التقدم والإسلام وذلك بجعل هذا الدين يتقدم وتقديم بينات من التقدم الأصيل من المخزون الثقافي لحضارة اقرأ، فإذا كان الإسلام هو الحرية والتوحيد والعدل والفطرة فإن دلالات التقدم في التراث مشرقة ويمكن الاستضاءة بها لتجاوز هذه الفوضي في تحديد المفاهيم.لقد جاء في تعريفات الجرجاني ثلاثة أجناس من التقدم:ـ التقدم بالطبع: هو كون الشيء الذي لا يمكن أن يوجد آخر إلا وهو موجود وقد يمكن أن يوجد هو ولا يكون الشيء الآخر موجودا. بعبارة أخري ما لا يتم وجود غيره إلا مع وجوده ووجوده يتم دون ذلك الغير، كالواحد بالنسبة الي الاثنين فإن الاثنين يتوقف علي الواحد ولا يكون الواحد مؤثرا فيه.ـ التقدم بالعلة: عبارة عما وجود غيره مستفاد من وجوده ووجوده غير مستفاد من ذلك الغير لكنه لا يكون إلا معه في الوجود أي أن يكون المتقدم علي المتأخر، فالمحتاج إليه إن استقل بتحصيل المحتاج كان متقدما عليه تقدما بالعلة كتقدم حركة اليد علي حركة المفتاح أو الخاتم، فالتقدم بالعلة هو العلة الفاعلية الموجبة للنسبة الي معلولها.ـ التقدم بالشرف: هو ما له تقدم بالزمان وهو ما كان أقرب من غيره الي مبدأ محدود له وتقدمه تلك الأقربية. فما بينه وبين غيره في الوجود إمكان قطع مسافة وهو قبلي كتقدم موسي علي عيسي في النبوة (5).ويمكن أن نضيف الي هذا الجهد ما قام به الآمدي في كتابه المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين:- التقدم بالشرف: فهو اختصاص أحد الشيئين عن الآخر بكمال لا وجود له فيه كتقدم النبي محمد صلعم علي العالم وسائر الأنبياء.- التقدم بالمرتبة: فعبارة عما كان أقرب الي مبدأ محدود عن غيره كتقدم الإمام علي المأمومين بالنسبة الي المحراب. علي هذا النحو فإن المقدم هو عبارة عما حكم بملازمة غيره له واتصاله به كقولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود . (6)علي هذا النحو تحدد دلالة التقدم علي أنها امتلاك جملة من القدرات المعرفية والأخلاقية كفيلة بأن تؤهل المجموعة البشرية الي ارتقاء نحو وضع مدني أفضل من وضعها السابق، وينقسم التقدم الي تقدم معرفي وتقدم عملي.التقدم المعرفي هو الحصول علي معرفة علمية ناجعة تقطع مع المعارف الأخري باعتبارها أقوالا خرافية وتؤكد البعد الايجابي للعلوم لما حققته من فتح وانتصار عندما فتحت العديد من القارات وحققت عدة اكتشافات مكنت من السيطرة علي الطبيعة والتحكم في الظواهر.التقدم العملي وهو إبداع قيم جديدة ترتبط بحاجيات العصر وتنظم العلاقات بين الأفراد تكرس مبدأ وحدة الأديان وضرورة حوار الحضارات وتنفتح علي الايتيقا والايكولوجيا بما هي طرق فلسفية راهنة لتدبير إقامة الناس في هذا الكون الأصم.ينبني التقدم الاجتهادي علي الإيمان بالاستراتيجيات التالية:ـ فهم القرآن بالاعتماد علي فلسفة تأويل تعيد تأصيل الأصول وتقطع مع السياج الدغمائي القديم الذي أغلق باب الاجتهاد ومنع العقل من الخلق والإبداع.ـ الربط بين العروبة والإسلام من خلال مفهوم الهوية السردية وتحويل لغة الضاد من لغة هوية متكتمة علي ذاتها الي لغة فكر منفتح علي التاريخ والأغيار.ـ اتباع الطريق الثالث بين العلمانية والسلفية وبين التراث والحداثة والأصالة والمعاصرة وبذل الجهد من أجل إحياء التراث الاعتزالي الرشدي الخلدوني باعتبار احتكامه الي العقل ونبذه روح التعصب والتكفير ومحاولته العودة الي الطبيعة والواقع وبناء وعي تاريخي.خاتمة: لم تخمد النار بعد في الهشيم وما زالت العنقاء قادرة علي البعث من خلال الرماد. فمصر والشام شعوب ما زالت تنبض بالحياة في مقاومة التطبيع، تحن الي القومية والناصرية والي حياة العزة والكرامة وما زالت الحركة الإسلامية قادرة علي الجهاد وعدم الاستسلام واليمين الأمريكي والصهيوني ليس باقيا الي الأبد بعد سقوط القتلي من الأمريكيين والاسرائيليين في العراق وفلسطين، ولم تنفع معاداة الناصرية ولا التنكر للقومية ولم يشفع الانبهار بالغرب والتبعية له، ولم تنجح محاولات الخلط بين الإرهاب والمقاومة. فما زال بصيص من ضوء في نهاية النفق. 7إن طبيعة التقدم مزدوجة لكونها حركة الي الماضي من أجل العودة الي الذات باستيعاب التراث وإلمام بنقاطه المستنيرة ولكونها حركة الي الأمام من أجل إمساك الحاضر وتحقيق الزمنية المفقودة واستشراف المستقبل بتجاوز كل تجارب الإخفاق والتعثر وبناء استراتيجية النجاح والتفوق. إن جوهر التراث حي دائم لا يموت ومخزون نفسي في قلوب الناس لا يمكن استئصاله أو القضاء عليه فنحن نعلم جيدا الدور الذي يضطلع به السرد في توجيه التاريخ وسلطة الذاكرة والمخيال علي الحاضر. إن التراث كوني ويقبل التجدد وإعادة التأصيل ونصوصه تتميز باللانفادية وزاخرة بالمعاني والدلالات التي لا تختزل ولا تدجن. إن مواجهة التراث بروح العصر تقضي أن يواجه تراث الإسلام نفسه وأن يتجاوز عقده ويفكك مكبوتاته الدفينة ويستأنف عملية النقد الحرة والواعية لمسلماته وفرضياته القبلية ويتغلب علي العراقيل والصعوبات الذاتية التي منعته من التقدم والتجديد. إن تبني عقلانية نقدية معاصرة تلتقي مع روح الاعتزال والفلسفة الرشدية والفكر التاريخي الاجتماعي الخلدوني هو خير وسيلة لتحقيق النهوض والرد علي موجة التقليد العارمة وانفلات المكبوت اللامعقول من كهوفه المظلمة. إن ما ينقصنا حقيقة هو فهم الواقع الإنساني في مختلف مجالاته من خلال قراءة تأويلية شاملة تعمل علي فضح أشكال الاغتراب الثقافي والسياسي والديني وفك عري الارتباط بين المعرفة والسلطة وبين الأنوار والاستبداد وبين التمركز الاثني والعنصرية مع الانفتاح علي أشكال مغايرة من المقاومة مثل الفن والدين المستنير والتصوف الاثباتي، تصوف البقاء وليس تصوف الفناء.هذا الأمر الجلل لا يتحقق بمجرد التوفيق بين التراث والتجديد ولا من خلال التقليد الأعمي للغرب ولا بتقليد الماضي المجيد ولا بالارتماء بين أحضان الحداثة بل من خلال التخلي عن التقليد النصي السلفي والإقلاع عن استنساخ تجارب الغرب والشروع الجدي في بناء حركة تقدم اجتهادي شاملة تتعالي علي التوتر الحاصل الآن بين المذاهب وتنبذ منطق الملل والنحل وتجعل وحدة الفكر عنوانا لتوحد الأمة وحق الاختلاف وسيلة من أجل التعدد الثري وليس المشتت والمفرق، فنحن قوم أشداء علي أعدائنا رحماء بيننا. فلنكن معا في الطريق المؤدي الي الاستئناف الحضاري،جميعنا دون استثناء.ہ كاتب مغربي في قضايا الفلسفة.(1) الفارابي . السياسة المدنية. سيراس للنشر 1994 ص 69.(2) الفارابي. السياسة المدنية. سيراس للنشر 1994 ص 68.(3) محمد عابد الجابري. في نقد الحاجة الي الإصلاح. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2005 ص 53/54.(4) محمد جمال باروت. مقال مؤثرات السلفية في الحركات الإسلامية المعاصرة. مجلة الآداب عدد 52 2004 ص 39.(5) الجرجاني. التعريفات. دار الكتب العلمية بيروت 2000 ط 1 ص 68.(6) عبد الأمير الأعسم. المصطلح الفلسفي عند العرب. الدار التونسية للنشر 1991 ص 418/419.(7) حسن حنفي. جذور التسلط وآفاق الحرية. مكتبة الشروق الدولية. القاهرة الطبعة الأولي 2005 ص 321.7