في التوفيق بين الهم الثقافي والحس النضالي.. إدوارد سعيد نموذجا

حجم الخط
0

في التوفيق بين الهم الثقافي والحس النضالي.. إدوارد سعيد نموذجا

ملاح قديم جاء للعالم دون هوية محددة.. و نص مفتوح علي العالم قادر علي لفت الانتباه لما هو كونيتاريخ الإرهاب جذوره في السياسات الإمبريالية.. والحكام العرب استبداديون معادون للديمقراطيةفي التوفيق بين الهم الثقافي والحس النضالي.. إدوارد سعيد نموذجامنتصر حمادةہہ ضيف هذا العرض البروفيسور والمفكر الفلسطيني الكبير، الراحل إدوارد سعيد، من خلال الترحال مع الاستجوابات الفكرية القيمة التي أجراها معه ديفيد بارساميان، وجاءت في أحدث إصدارات دار الآداب البيروتية، تحت عنوان إدوارد سعيد: الثقافة والمقاومة . (ترجمة علاء الدين أبو زينة. مراجعة محمد شاهين. دار الآداب. بيروت. 2006)في تقديمه لهذا الكتاب يذكر لنا ديفيد بارساميان أن السؤال الأول الذي استقبله به إدوارد سعيد في مكتبه بجامعة كولومبيا كان: هل لديك أسئلة وجيهة ؟ ثم يذكر لنا أن التوتر الذي كان يعتريه قبيل لقائه بمضيفه قد تبدد واختفي فقط عندما ألقي بارساميان مقاطع من شعر محمود درويش، حينئذ فقط انطلق في الحديث الذي انتهي إلي إجابات تلقائية، من دون مراجعة للأسئلة أو إجراء تمرينات عليها.وبَدَهِي أن يطرح سعيد هذا الاستفسار عن طبيعة الأسئلة التي من المفروض أن يتطرق إليها بارساميان، فالرجل مطلوب وملاحق من قبل مختلف منابر الإعلام العربية والغربية علي حد سواء. وكثيرا ما اشتكي من كثرة الذين قدموا للتحدث معه دون إلمام بأي شيء له علاقة بالتزامه وانتمائه، وعلي أي حال، كما يشير إلي ذلك محمد شاهين في تقديمه للكتاب، فإن تميز الراحل هو الذي جعل بارساميان يصف إدوارد سعيد بأنه رجل نهضة موحيا لنا بأن إدوارد قد نهض بنا من عالم المجرد الضائع إلي عالم المحسوس، الذي تلقاه كل يوم مثلما نهض علماء أوروبا بمجتمعهم من ظلمات العصور الوسطي إلي النور .تَمَكَّن إدوارد سعيد من اختراق حجب التقاليد الثقافية الغربية التي شيدت علي مدي عقود طويلة في القرنين الماضيين، واستطاع أن يحول الأنظار إلي ما هو هام وحيوي وكوني، وقد قدم لنا مساهمة جليلة في مجال الثقافة شهِدَ العالم له بها، بدءا من محاضراته التي دعي لإلقائها في هيئة الإذاعة البريطانية، وهي سلسلة المحاضرات التي دعي لإلقائها مشاهير العالم من أمثال برتراند راسل، ونُشِرت فيما بعد تحت عنوان صورة المثقف والتي دعا فيها المثقف إلي أن يجهر بالحقيقة في وجه السلطان، وإلي أن يكون المثقف هاويا لا مهنيا، بمعني أن يكون حرا، إلي كتابه الثقافة والإمبريالية الذي أصبح مرجعا مهما في ميدان الثقافة.يُشبه بارساميان إدوارد سعيد بالملاح القديم الذي أتي إلي هذا العالم من دون هوية محددّة (وقد ذكر ذلك عن نفسه في غير مناسبة) وربما يكون هذا ما دعا البروفيسور جورج شتاينر إلي القول: إن إدوارد سعيد نص مفتوح علي العالم .أوسلو.. فرساي الفلسطينية ولنبدأ بقراءة ضيف العرض لأم الأحداث عند العرب والمسلمين خلال القرن الأخير، ونتحدث طبعا عن القضية الفلسطينية، خاصة وأنه دفع ثمنا باهظا بسبب مكانه البارز في مشهد القضية الفلسطينية، حيث وصم بأنه بروفيسور الإرهاب ودعته قائمة الدفاع اليهودية بالنازي، وتم إحراق مكتبه في كولومبيا، وتلقي هو وأفراد عائلته تهديدات بالموت لا حصر لها كما كتب إدوارد نفسه.يحدث هذا في عز صراعه ـ منذ أوائل التسعينيات ـ مع مرض سرطان الغدد اللمفاوية، وكان يمضي الوقت بين المشافي وخارجها، إما علي وشك البدء في دورة من العلاج أو بصدد الانتهاء منها. وتمكن خلال ذلك كله من الكتابة وإلقاء المحاضرات. إن خصومه يريدونه صامتا، ولكنه يقول في واحدة من المقابلات التي يضمها هذا الكتاب: ذلك ما لن يحدث إلا إذا مت .منذ استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني عام 1991، أصبح سعيد واحدا من أبرز المناهضين علنا لياسر عرفات ولما يُسَمَّي بعملية السلام، وظل صوتا متفردا للمقاومة وسط كل اللغط الذي ساد قبل وبعد توقيع اتفاقية أوسلو في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض في أيلول (سبتمبر) 1993، وقد أدرك علي الفور معني أوسلو وأسماها فرساي الفلسطينية وهو الذي قال لمحمد شاهين مُعلِّقا علي ذلك الحدث: كان كلينتون أشبه بإمبراطور روماني يجلب ملكين تابعين من ملوك الإقطاعيات إلي بلاطه الإمبراطوري ويدفع بهما إلي التصافح .ومن الأمثلة الغارقة في الدراماتيكية، والمتولدة عن اتفاقات السلام ، المثال الخاص بمدينة الخليل: فهي مدينة عربية أساسا، ولم يكن فيها أي يهود قبل عام 1967، لكنهم استطاعوا أن ينشئوا مستعمرة بالقوة يقطنها من ثلاثمائة إلي أربعمائة يهودي داخل مدينة تضم حوالي مائة وعشرين إلي مائة وثلاثين ألفا من السكان العرب، هؤلاء المستوطنون اليهود الذين يشكلون ما لا تزيد نسبته عن 0,3 بالمئة من عدد السكان يسيطرون الآن علي 20 بالمئة من مساحة المدينة بفضل عملية السلام، ويقع الجزء الذي يحتلونه بالضبط في منتصف المنطقة العربية وليس في الضواحي، وهكذا فإنهم يتجولون في المدينة محاطين بأفراد الجيش الذين يحمونهم ويزودونهم بالأسلحة.يصف إدوارد سعيد إسرائيل بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي تتلقي أكبر حجم من المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية التي أصبحت تقارب الآن نحو 130 بليون دولار بقيمة الدولار الحالية، كما أن كل شخص أمريكي ذي شأن، سواء كان مرشحا في مقاطعة صغيرة في شمال ولاية نيويورك أو منافسا علي رئاسة الدولة، يترتب عليه أن يعلن عن نفسه، أو نفسها كواحد من المؤيدين لإسرائيل دون قيد أو شرط. ثم إن الإدارة الأمريكية تصطف في المعسكر الإسرائيلي إلي حد كبير، وكل المعلومات المتوفرة عن المفاوضات التي جرت خلال السنوات السبع المنصرمة حول عملية السلام تقول بأن الولايات المتحدة قد تبنت في الحوارات كلها وجهة النظر الإسرائيلية وشكلت ظهيرا لإسرائيل، ويقف هنا كثيرا عند مجموعة من المؤشرات التي تزكي هذا التقييم، منها علي سبيل المثال، أن كل المفوضين الذين انخرطوا في عملية السلام، بدءا من دنيس روس ومارتن إنديك وانتهاء بآهارون ميلر، إنما هم مستخدمون سابقون في اللوبي الصهيوني أو موالون له منذ أمد طويل.الإرهاب في أبعادهالسياسية والميتافيزيقية لأن الإرهاب موضوع الساعة بامتياز علي الصعيد العالمي، يهمنا التوقف عند قراءة الراحل لهذا المأزق، وفيما يثبت سعة اطلاع المحاور (بارساميان)، نراه يستشهد بمقولة للراحل وصديق سعيد، إقبال أحمد (الذي مات في باكستان عام 1999) وصرح بها في عام 1998، ومفادها أن أسامة بن لادن يشكل مؤشرا علي أشياء ستأتي وعندما طلب منه بارساميان أن يوضح ما ذهب إليه، قال إقبال: لقد غرست الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا بذورا سامة جدا هي الآن في طور النمو، بعضــــها نضــــج وبعضها لم يزل في طور النضوج، ونحن نحتاج إلي فحص الأسباب وراء غرسها وما الذي تمخضــــت عنه وكيف ينبغي أن تحصد. إن الصواريخ لن تحل المشكلة . وجاء رد سعيد متقــــاطعا مع ردود جماعة نعوم تشومسكي وهـــوارد زين والقلة القليلة من المفكرين الأمريكيين الذين يحترمون أنفسهم، ففرضوا احترام الغــــير عليهم، وضمن هذا الغير، نجد بطبيعة الحال المتتبع العربي والمسلم.فقد لاحظ أولا أن الإرهاب أصبح بمثابة ستار تمت صناعته منذ نهاية الحرب الباردة علي أيدي صناع السياسة في واشنطن، شأنهم شأن مجموعة كاملة من الناس من أمثال صامويل هنتنغتون وستيفن إميرسون والذين يملكون حصتهم من ذلك الإصرار. وقد تمت فبركة المسألة لإبقاء السكان خائفين، غير آمنين، ولتبرير ما ترغب الولايات المتحدة فعله علي سطح الكوكب. وبهذا فإن أي تهديد لمصالحها، سواء تمثلت بالنفط أو بمصالحها الجيو ـ استراتيجية في أي مكان آخر، أصبح يوصم بالإرهاب، وهو بالضبط ما دأب عليه الإسرائيليون منذ أواسط السبعينيات فيما يخص المقاومة الفلسطينية لسياساتهم، ولعله من المثير للاهتمام، يضيف سعيد، أن كل تاريخ الإرهاب يجد جذوره في السياسات التي انتهجتها الإمبريالية، فقد استخدم الفرنسيون كلمة الإرهاب لوصف كل شيء قام به الجزائريون لمقاومة الاحتلال الفرنسي الذي بدأ عام 1730 ولم ينته حتي عام 1962 كما استخدم البريطانيون الفكرة ذاتها في كل من بورما وماليزيا، ليخلص إلي تعريف طريف ودقيق للإرهاب، بحيث يصبح هو أي شيء يقف في وجه ما نرغب نحن في فعله .وبما أن للولايات المتحدة ـ وهي القوة العالمية العظمي الوحيدة ـ مصالح أو هي تتظاهر بأن لها مصالح في كل مكان، فإن الإرهاب يصبح أداة ملائمة لإدامة هذه الهيمنة وتأبيدها. وينظر إلي الإرهاب الآن بوصفه مقاومة للعولمة، وثمة إصرار علي إقامة هذه الصلة، مستشهدا هذه المرة بالذي صدر عن أروندهاتي روي، والتي لاحظت بأن القوي الغربية تهرول نحو وصم حركات المقاومة التي تقوم بها الشعوب ضد الحرمان، ضد البطالة أو ضد هدر الموارد الطبيعية.. بالإرهاب.إن هؤلاء الناس ـ ويقصد منفذي اعتداءات نيويورك وواشنطن ـ ليسوا يائسين وليسوا سكان مخيمات لاجئين ـ في إحالة الي سكان المخيمات الفلسطينية في الأراضي المحتلة ـ إن الذين نفذوا الهجوم ينتمون إلي الطبقة الوسطي كما يظهر، وهم متعلمون كفاية بحيث يستطيعون الالتحاق بمدرسة للطيران في فلوريدا ويستطيعون التحدث بالانكليزية. إن ما نتحدث عنه الآن يتجاوز السياسي ويدخل في منطقة الميتافيزيقي، وهي قفزة ينبغي أن يتأمل فيها المرء بسبب أهميتها البالغة، ما دامت تكشف عن النوعية الكونية التي تسم العقول التي تعمل هنا. فهم لا يعيرون أدني اهتمام للدخول في أي حوار أو الانضمام إلي أية حركة سياسية أو ممارسة إقناع من النوع الذي يفضي إلي تغيير سياسي وتحسين في وضع المرء في مقابل هذا الشيء الذي يتبنونه، وهو الدمار الذي تتسبب به عقول دموية، لا لسبب سوي القيام به فحسب، ليخلص إلي أن هذه الاعتداءات جَسَّدَت قطعة من الإرهاب الأخرس الذي تم تسليطه علي الناس دون تمييز ولا مفاوضات .مسؤولية المثقفينالفلسطينيينلا يمكن الحديث عن مواقف إدوارد سعيد من قضايا الفكر والسياسة والفن والأدب، دون أن نقف بالتحديد عند مواقفه من قضيته الأم: فلسطين، فالرجل كان أبرز المثقفين الناطقين باسم فلسطين خارج الأراضي المحتلة.يري سعيد أن الفلسطينيين لا يمتلكون أسلحة يمكن التحدث عنها عدا عن بعض الأسلحة الصغيرة التي لدي الشرطة، والأمر كله لا يعدو وجود عدد من رماة الحجارة الشباب الذين يتصدون للصواريخ الإسرائيلية والطائرات النفاثة والدبابات والمقاتلات العمودية والصواريخ، والأهم من ذلك أن معظم المعارك جرت فوق الأرض الفلسطينية. وهكذا، فإن استخدام كلمة دفاع هنا ينطوي علي خطأ كبير ومنافاة للواقع. إننا أمام قوة احتلال تقيم داخل الأراضي الفلسطينية حيث يقوم الفلسطينيون بمقاومة الاحتلال العسكري بينما يعمل الإسرائيليون علي إطالة أمده، وهم يفعلون كل ما فعلته من قبلهم كل قوات الاحتلال سواء في الجزائر أو الهند، ويجعلون السكان المدنيين يدفعون ثمن المقاومة.دروس التاريخ واضحة في هذا الصدد: فقد تم تدمير أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية ثم جري إعادة استيطانها علي أيدي المستوطنين الإسرائيليين الذين بنوا المستوطنات. إن كل مستوطنة في إسرائيل تقوم علي أملاك عربية. وهكذا فإن الجرح الذي انفتح عام 1948 ما يزال راعفا ولم يلتئم بعد، في الوقت ذاته الذي تداوم فيه إسرائيل علي القول منذ عام 1948: نحن لا نتحمل أية مسؤولية حيال ما حدث للفلسطينيين. لقد رحلوا لأن قادتهم أمروهم بذلك .في معرض دفاع الراحل عن الموقف الفلسطيني من مفاوضات كامب ديفيد، نجده ينتقد بشدة جماعة العقيدة الشفهية والتعاليم التي يرددها أناس من أمثال الحائز علي جائزة نوبل إيلي ويسيل Elie Wiesel والحائز علي العديد من جوائز بوليتزر وكاتب العمـــــود في النــــيويورك تايمز توماس فريدمان وكذلك تشارلي روز Charlie Rose من البي بي سي ، والأكاديمي المستشرق برنارد لويس، والقريبة الشبه مما يلي: لقد انهارت مفاوضات كامب ديفيد بسبب تصلب عرفات وعناده وفشله في اغتنام فرصة فريدة، حيث ذهب عرض باراك إلي أبعد بكثير من أي شيء جري عرضه من قبل. لقد كانت هذه التسوية هي الأكثر تقدما والأكثر كرما . والحال أن هذا التقييم/الحكم غير صحيح علي المستوي الواقعي. فقبل أن يذهب باراك إلي المفاوضات أوضح أن لا نية لديه للعودة إلي حدود عام 1967، وهو المبدأ الذي قامت علي أساسه عملية السلام والذي نص علي أن انسحابا سيتم إلي حدود الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967. إن الفلسطينيين، المثقفين منهم علي وجه الخصوص، وكذلك بقية الفلسطينيين والعرب يضطلعون بمسؤولية كبيرة إزاء تعريف الإسرائيليين بذلك الواقع كما هو في حقيقته وأن يقولوا: نحن هنا، فهل أنتم هنا؟ ليس بوسعكم الإنكار ولا يمكنكم طي الحقيقة في صدوركم إلي الأبد. إن عليكم البحث عن الحقيقة في ماضيكم لأن تلك الحقيقة تخصنا ، وربما يحدث شيء من هذا القبيل من خلال لجنة لتقصي الحقيقة والمصالحة علي غرار ما حدث في جنوب إفريقيا. الإسرائيليون يرون الفلسطينيين في كل مكان وفي كل دقائق اليوم وهم يقومون علي خدمتهم كجرسونات في مطاعم تل أبيب أو كسائقين خصوصيين لهم أو كسواقي سيارات أجرة، إضافة إلي كل أولئك الذين يعملون في المناطق المحتلة وفي القدس، فقد بات الإسرائيليون يدركون أنهم هناك بوصفهم وجودا حسيا فيزيائيا مجسدا.حديث سعيد عن جسامة دور المثقفين الفلسطينيين، يذكرنا بحيثيات الكتاب الهام الصادر مؤخرا في الدولة العبرية، والذي كشف فشل إسرائيل منذ إقامتها في تطويع فلسطينيي الداخل وأسرلتهم بشكل كامل رغم الموارد الهائلة التي استخدمتها لذلك منذ تأسيسها علي أنقاض الشعب العربي الفلسطيني بعد النكبة . ويشير مؤلفه، الدكتور كوهين، إلي أن الأرشيفات ـ بيت القصيد ـ كشفت مدي قوة التمرد لدي الفلسطينيين من ناحية التصدي للدولة أو لأفعالها، حتي في مجال الرواية والذاكرة الجماعية رغم الرقابة القاسية، بما فيها ملاحقة الشعراء الوطنيين كمحمود درويش وتوفيق زياد . الصهيونية الإسرائيليةوالصهيونية الأمريكيةيُطلَق علي هذا الوعي الجديد الوجود الحسي الفيزيائي للفلسطينيين، مصطلح الصهيونية الإسرائيلية ، علي خلاف الصهيونية الأمريكية ، والتي برأي سعيد لا تنظر إلي الفلسطينيين باعتبارهم وجودا واقعيا حقيقيا علي الإطلاق، إن هناك نوعا من العنصر الخيالي الذي يظهر فيه الفلسطينيون وكأنهم مجرد رواية أيديولوجية عبثية جري اختلاقها لمجرد المضايقة والإزعاج، وهي رواية تجسد فكرة العداء للسامية. هذا ما يداوم علي ترديده برنارد لويس طوال الوقت واصفا هذه الرواية بأنها معاداة عربية للسامية. وهو يذهب مع الذاهبين إلي سلخ الفلسطينيين عن تاريخهم وعن حقيقة تعرضهم للاقتلاع وتفويض مجتمعهم عام 1948 والذين لا يزالون يرزحون تحت الاحتلال العسكري منذ عام 1967. إن الصهيونية الأميريكية أكثر خطورة من الصهيونية الإسرائيلية، لأنها قائمة علي تخيل أن الفلسطينيين ليسوا موجودين علي الإطلاق وعلي أنه يمكن معاملتهم بوصفهم ميكروبات، وفي أحسن الأحوال بوصفهم مجـــرد رواية أيديولوجية.فيما يخص الطرح الإسرائيلي إزاء ما يُسَمي الدفاع عن النفس ، فالأمر مجرد هراء محض. ولو لم يكن انخراط الولايات المتحدة في أماكن أخري يعلل بأنه من أجل حماية الولايات المتحدة لما أمكن لهذا الطرح أن يصمد ولو للحظة. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستطيع الإفلات بما تقوم به بكل وضوح علي شاشات التلفزة، والتلفاز لا يعطي صورة كاملة بالطبع. إنه لا يقدم الخلفية ولا السياق ولكنك تستطيع، علي الأقل أن تري مشهد البيوت التي يجري تدميرها والدبابات التي تجوس في القوي العزلاء. إن استخدام كلـــمات مثل الدفاع عن النفس لوصف ذلك هو تزوير للغة وإدعاؤه غير معقول.صحيح أن إسرائيل دولة مستقلة، لكنها لا تزال الدولة الوحيدة في العالم التي لم تعلن عن حدودها بعد. ثمة خطوط هدنة وحسب، وبذلك تعطي إسرائيل لنفسها الحق بالتوسع وبالاستيلاء علي مزيد من الأرض، وبالقذف بالمزيد من الناس إلي الخارج، وهو أمر لا صلة له أبدا بالهولوكوست إنه محض تعصب مفرط وفوضوي من النوع الشديد الخط، وسوف يفضي ببساطة إلي إدامة ناتج في منتهي الدموية، لقد استطاع الكثير من الإسرائيليين أن يكتشفوا بأنفسهم أن هذه سياسة انتحارية، لأنه بغض النظر عما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين، وبافتراض نجاحها في إبادتهم أو طردهم خارجا، فإنها ستظل محاطة بدول عربية معادية تزداد روح العداء لديها كل يوم بسبب المشاهد التي تعرض الآن باستمرار علي شاشات التلفزة العربية، بل والعالمية. الإسرائيليون يراكمون مخزونا من الاستيلاء والغيظ، بل والكراهية التي ستدوم لأجيال قادمة. إن سياستهم قصيرة النظر جدا، ولا ينبغي لهم افتراض أن الولايات المتحدة ستظل تدعهم للأبد، وأن بقية العالم ستسمح لهم بأن يمضوا قدما في خرق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ثمة نقطة معينة، سيتوجب عليهم عندها دفع فاتورة الحساب.نقد بات روبرتسون وجيري فالويلمن لا يعرف بات روبرتسون وجيري فالويل، عليه الاطلاع علي أعمال الراحلة غريس هالسل، المسيحية الملتزمة والباحثة المتخصصة في موضوع تغلغل الأصولية المسيحية الإنجيلية في ممارسات الإدارات الأمريكية، ونخص بالذكر كتاب يد الله: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل؟ وأيضا النبوءة والسياسة (وقد ترجمهما للعربية محمد السماك).برأي ضيف هذا العرض، ثمة مفارقة كبيرة تنطوي عليها أطروحات أشخاص مثل بات روبرتسون، وجيري فالويل وآخرين، والذين يجاهرون بتزكية دعم إسرائيل إلي أقصي درجة، إلي درجة القول بأن الفلسطينيين قتلة، والمسلمين مرتدون وخارجون وملحدون ومتعصبون عنيفون، لكن لو نظرنا إلي الأمر بتمعن، (سبق للراحل أن أنجز دراسة ميدانية، لأن منزل عائلته في القدس يحتله الآن شيء يدعي السفارة الدولية المسيحية International Christian Embay وهي واحدة من أكثر الجماعات المسيحية تزمتا وتتكون من الأمريكيين أساسا)، ولو تمعنا في الهدف الكامن وراء عمل كل هذه المجموعات لوجدنا أنها في أعماقها معادية للسامية، إنهم يدعمون إسرائيل ولكن بأي معني؟ إنهم يقولون إن إسرائيل هي بلد اليهود، وإنها أعطيت لهم من قبل الرب، ويجب أن يذهب اليهود إلي هناك بأعداد أكبر وأكبر، وهذا هو الحلم الصهيوني بذاته الذي يقول بأن الشتات ينبغي له أن ينتهي وأن علي كل اليهود أن يعودوا إلي صهيون.ليست إسرائيل حسب سعيد سوي دولة تديرها في المقام الأول سلطة دينية بحيث أصبح الكثير من مواطني إسرائيل يشعرون بقلق جدي حيال مصير اليهود العلمانيين الذين لن يقبلوا بأن يحكمهم الأحبار المتزمتون والمحافظون. لكنهم بدلا من أن يواجهوا هذا الواقع بطريقة صريحة فإنهم يرتكسون إلي ردة الفعل اليهودية التقليدية، فإما أن ينكروا وجود هؤلاء وهؤلاء أو يعودوا إلي التأكيد علي شيء مختلف يكاد لا يقيم أية صلة بالواقع.مثير للغاية موقف إدوارد سعيد من الزيارة المستفزة التي قام بها يوما آرييل شارون للقبة المقدسة، فالراحل يري أنها جسدت وسيلة لتأكيد السيادة الإسرائيلية علي موقع إسلامي مقدس، وكونها خطوة لم تصمم بهدف الاستفزاز بقدر ما صممت لتشكل خطوة عدائية تقول بأن شخصية عسكرية إسرائيلية لها تاريخ طويل من الوحشية وجرائم الحرب تستطيع الظهور في واحد من أكثر الأماكن الإسلامية قدسية، وتفلت مع ذلك وهكذا، فإنه لا يهم من يكون المسلمون وما من اعتبار لأمانيهم ولا مشاعرهم ولا حسهم بما هو مقدس، إذ يمكن لأي إسرائيلي أن ينتهك كل ذلك ساعة يشاء، تلك كانت الفكرة، وقد أظهرت تلك الحادثة أكثر المظاهر بشاعة في أصحاب الدين التوحيدي كلّ ٍ تجاه الآخر. فهناك كان الإسرائيلي ممثل الدولة اليهودية، يطأ بأقدامه كل أجزاء الأماكن الإسلامية والإسلام معا، ثم يقول علي الأثر: أنا المحتل العسكري، وبوسعي أن أفعل بكم ما أريد ومع ذلك، لم يجر التحدث عن أي شيء من ذلك في الإعلام الذي استمر في وصف خطوة شارون بأنها استفزازية وحسب، إن هدف تلك الفعلة لم يكن الاستفزاز، وإنما هدفت إلي تأكيد التفوق الإسرائيلي، ومن ثم اليهودي علي الإسلام.في نقد الأنظمة العربيةجاء دور الاستشهاد باجتهادات إدوارد سعيد في طبيعة الأنظمة الزمنية الحاكمة في الوطن العربي، وهو القائل بأن دور المثقف لا يخرج عن قول الحقيقة.ينبغي القول أيضا بأن العالم العربي يمر بحالة متردية جدا. كل الحكام هناك استبداديون ومعادون للديمقراطية. ليس ثمة ديمقراطية هناك، ويدفع العرب ثمنا باهظا بسبب ذلك. إنه شيء لا تدفع ثمنه الولايات المتحدة، وإنما يدفع ثمنه العرب الذين يعانون من تردي الأوضاع العامة والصحية والتعليمية والمعدلات العامة للدخل والبنية التحتية والنقل والبيئة، والتي هبطت مستوياتها بشكل ثابت في السنوات القليلة الماضية، ولم تكن الأوضاع في أي وقت مضي أكثر تدهورا من السنوات التي أعقبت انطلاق عملية السلام في مطلع التسعينيات، وأعتقد، يضيف الراحل، أن هذا يفسر كون فلسطين قد أصبحت تمثل نوعا من أداء قياس الرأي العام العربي في كل مكان. إنها تمثل بغي الحاكم تجاه المحكوم سواء تمثل ذلك في حكم إسرائيل للفلسطينيين أو في حكم الفلسطينيين للفلسطينيين.نختتم هذا العرض بالعروج علي موضوع الهولوكوست، ومأزق اختزال الكيان العبري للمصطلح في الحالة النازية فقط، دون سواها. ومن المؤسف أن يكون الأتراك المسلمون متورطين أيضا في هذا المأزق، من خلال إصرار القيادات التركية، القديمة والجديدة، علي إنكار الهولوكوست الذي اقترفته الحكومة التركية في حق الأرمن في بدايات القرن العشرين، والمُخجل، أن ينخرط الإسلاميون أيضا في سياسة الإنكار.لقد أصاب إدوارد سعيد عندما عقد تشابها دقيقا بين السياسة التركية والسياسة الإسرائيلية في هذا الصدد. فلدي كليهما مصلحة في كبت المعرفة أو الإقرار بما اقترفته الحكومة التركية في حق الأرمن، ويورد مثالا مُركبا: في سنة 1983 كان هناك برنامج إذاعي إسرائيلي حكومي والذي كان يحاول فهم ما جري للأرمن. وقد مُنِع بث البرنامج فقط لأنهم استخدموا كلمات هولوكوست و الإبادة العرقية والتي تستخدم في إسرائيل لوصف ما حدث للإسرائيليين وحسب. وما فعله بيريز آنذاك إنما يصب في خط إدامة هذا النوع من السياسة، فعلي نحو يتسم بالغباء، وبدلا من محاولة توسيع دائرة الاعتراف والتفهم لما قد يحدث للشعوب سواء كانوا روانديين أو أرمن أو بوسنيين أو آخرين في أي مكان من العالم، حيث حدثت مثل هذه الأشياء الفظيعة وحيث لكل البشر مصلحة في أن لا تحدث مرة أخري، فإنهم يريدون صباغة ذاكرة يجري تركيزها بشدة علي مجموعات معينة، وليس علي مجموعات أخري عانت من تلك الكوارث التاريخية.الحديث عن المتاجرة بالهولوكوست، يحيلنا علي عمل رائع للمفكر الأمريكي نورمان فينكلشتين، والذي أصدر كتابا عنوانه صناعة الهولوكوست (والصادر هو الآخر عن نفس دار النشر البيروتية)، وقد نوه إدوارد سعيد بعمل فينكلشتين، مشيرا إلي أن هناك مجهودات مركزة في الولايات المتحدة لتحويل الهولوكوست إلي نوع من الدين الدنيوي، ولجعله موضوعا للدراسة العلمية بمعني خصوصيته باعتباره جزءا من التجربة اليهودية ومقصورا فقط علي التجربة اليهودية، بينما في الحقيقة يجب النظر إليه باعتباره جزءا من ظاهرة أوسع بكثير، بما في ذلك الهولوكوست الذي جري في فلسطين بحق السكان البدائيين الأصليين، وينبغي بالتالي أن يضم مفهوم الهولوكوست تلك الآلام والعذابات والتجارب الفظيعة التي تعرض لها الأمريكيون الأفارقة الذين جلبوا بالملايين ليعانوا من العبودية والرق. وهنا تبرز أهمية عمل فينكلشتين، حيث تعرف إلي صناعة الهولوكوست بشكل صائب علي أن لها صلة وثيقة بتكريس القوة أكثر من كونها ذات صلة بتأكيد الحقيقة التاريخية.ہ حوارات ديفيد بارساميان مع ادوارد سعيد القلم والسيف وصدرت بالعربية عن دار الآداب البيروتية، تحت عنوان إدوارد سعيد: الثقافة والمقاومة . (ترجمة علاء الدين أبو زينة. مراجعة محمد شاهين. دار الآداب. بيروت. 2006)ہہ كاتب من المغرب7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية