مشهد من أحداث 5 أكتوبر 1988 - أرشيفية
5 أكتوبر/تشرين الأول 1988، في الأبيار (على بُعد 5 كيلومترات من وسط الجزائر العاصمة) أطفال يتظاهرون في الطريق العام. رصاصة تنطلق في الهواء، لكن الأطفال لم يبرحوا مكانهم وضاعفوا من هتافاتهم. تلتها رصاصة أخرى أصابت رياض (14 سنة). فسقط ميتاً. هذا هو اسم وعمر أول ضحايا أحداث 5 أكتوبر 1988 في الجزائر. تلك الأحداث التي تعددت مسمياتها، لكن لا أحد يختلف في نتائجها، وقد حولت مجرى التاريخ.
تلك اللحظة التاريخية التي أفرزت جزائر أخرى قادها أطفال، ومن غير الأطفال يعرفون الشوارع، بأرصفتها وأسفلتها، ويُدركون ماذا يجري في الأزقة الخلفية؟ معدل سن الذين أشعلوا تلك الأحداث كان يتراوح بين 12 و16 سنة. هم الذين تقدموا حركة الغضب، وهم ضحاياها في آن. على الرغم من أن الساسة يودون تقديم قراءات أخرى، كالقول ـ مثلاً ـ إن البؤرة بدأت منذ إضراب العمال (في المنطقة الصناعية الرغاية) بينما آخرون يقولون إن السبب هو صراع أجنحة في السلطة بين الإصلاحيين والمحافظين. كلاهما تفسيران يخلوان من إسقاط على الواقع. الذين خرجوا إلى الشارع وتظاهروا وواجهوا الرصاص، في البداية، كانوا الأطفال وحدهم. ولفهم أسباب الغضب لا بد أن تعود قليلاً إلى الوراء. ففي يونيو/حزيران 1988 صدرت نتائج البكالوريا (امتحانات الثانوية العامة) وكانت واحدة من أسوأ الدورات من ناحية النتائج (20% فقط نسبة النجاح). ماذا نتوقع من أطفال ومراهقين فشلوا في تعليمهم أن يفعلوا في الشارع؟ منذ تلك السنة صارت امتحانات البكالوريا ونتائجها قضية سياسية. ولم تعرف نسبة نجاح متدهورة مرة أخرى. عامل آخر حرك الأطفال للخروج إلى الشارع هو غلاء المعيشة. في زمن كانت فيه رواتب الأولياء في حدود 2600 دينار بينما سعر الكيلو غرام الواحد من اللحم لا يقل عن 260 ديناراً، بالإضافة إلى ندرة المواد الغذائية الأساسية، بما فيها حليب الأطفال.
كان الجوع سبباً في ما حصل، نظير خفض الواردات بعدما تراكمت الديون على الدولة، في بلد يناهز سكانه 23 مليون نسمة، يستفيقون كل يوم من أجل الوقوف في طوابير قصد الظفر بأبسط الحاجيات الغذائية والدوائية، لذلك كانت الأجواء تنبئ بانفجار اجتماعي، لكن السلطة كانت مشغولة بأمر آخر، بالتحضير لإعادة تزكية الشاذلي بن جديد رئيساً للبلد. والأحداث ليست لها علاقة بأيد أجنبية، ولا أجندات خارجية، كما حاول أنصار «نظرية المؤامرة» تبرير الوضع، بل كانت احتجاجات عفوية، كما صرح بذلك أحمد بن بلة، في اليوم التالي. فقد كان من أكثر المسؤولين اتزانا في الموقف في تصريحاته إبان تلك الأجواء المشتعلة، كذلك الحال مع القيادي التاريخي الآخر حسين آيت أحمد، الذي اصطف إلى جانب الأطفال في مواجهة الرصاص. والوحيد الذي سار عكس التيار هو حزب «جبهة التحرير الوطني» الذي تعددت نداءاته من أجل التهدئة، بمنشورات أو بالاستعانة بالإذاعة والتلفزيون، لكن لا أحد استمع إليه. 5 أكتوبر 1988 دوّن وفاة الحزب الواحد في الجزائر، أدرك ذلك الحزب أن لا سلطة له سوى من الماضي وليس على الحاضر. وفي تلك الظروف المشتعلة، حيث سقط الضحايا من الجانبين، من مدنيين وأمنيين، وجد الجزائريون أنفسهم وحدهم، لأن العالم كان مشغولاً بقضية أخرى.
في اليوم الذي خرج فيه الأطفال إلى الشارع، وأحرقوا ما وجدوه في طريقهم لأن لا أحد استمع إليهم، جرى استفتاء في تشيلي من أجل إطالة حكم بينوشيه (الذي كان يحكم البلاد منذ 1973) أو معارضته. الشيليون صوتوا ضد بينوشيه، وضد ديكتاتوريته.
من سانتياغو إلى الجزائر
الأحداث بدأت من الأحياء الشعبية، في الجزائر العاصمة، من الحراش وباش جراح وباب الوادي والقبة ووصلت إلى وسط العاصمة، إلى شارع ديدوش مراد، الذي سادته أجواء تُشبه أجواء حرب، بعد حرق سيارات وحافلات، ثم حرق مقر الخطوط الجوية الجزائرية ومقر الخطوط الجوية الألمانية (لوفتهانزا) حرق الملهى الليلي (بلوز نوت) وتخريب مخادع الهواتف، فارتفعت رائحة البارود بعد إطلاق الرصاص، وتساقط الضحايا من الجانبين، من غير الحديث عن مئات المعتقلين ولا عن قطع السلاح التي استولى عليها متظاهرون. لم يبق الأطفال وحدهم في الشوارع بل التحق بهم الكبار كذلك. فأعلن الرئيس عن حظر التجوال، لكن لا أحد استجاب إلى ندائه، وطوقت المدرعات مقري الإذاعة والتلفزيون. كان التفكير السائد حينها أن انقلاباً سياسياً يجري في الخفاء، خافوا من أطفال أن يقلبوا موازين السلطة. في الأثناء كانت موازين السلطة بصدد الانقلاب في بلد آخر بعيدٍ، لكنه شغل الرأي العالمي: تشيلي.
في اليوم الذي خرج فيه الأطفال إلى الشارع، وأحرقوا ما وجدوه في طريقهم لأن لا أحد استمع إليهم، جرى استفتاء في تشيلي من أجل إطالة حكم بينوشيه (الذي كان يحكم البلاد منذ 1973) أو معارضته. الشيليون صوتوا ضد بينوشيه، وضد ديكتاتوريته. بينما الجزائريون لا أحد استفتى رأيهم في نظام الحزب الواحد إلى أن خرجوا إلى الشارع، وأسقط الرصاص المئات منهم (بينما الحصيلة الرسمية التي نشرتها الحكومة وقتذاك تتحدث عن رقم ضحايا لا يتعدى 176). سال الدم غزيراً، وخرج كاتب ياسين من صمته، فكتب مقالاً عن تلك الوقائع، مما جاء فيه: «الكلمات لا تكفي كي نقول ما نشعر به إزاء قتل أطفال… لقد تعلمت الجزائر درساً من أطفالها». تبعات هذا الدرس هو نهاية الحزب الواحد والانفتاح الديمقراطي، حرية التعبير السياسي ومثلها حرية الصحافة، تحرير الاقتصاد، ذلك ما عبر عنه الرئيس الشاذلي عندما ظهر في التلفزيون بعد خمسة أيام من الأحداث. لم يظهر في اليوم الأول ولا الثاني، بل انتظر خمسة أيام كاملة. كان خطابه بمثابة المهدئ. كسب ثقة الناس وتوقفت الأحداث شيئاً فشيئاً. لكن الغريب في الأمر أنه بمجرد ظهوره في التلفزيون صارت المواد الغذائية متاحة في المحال وبوفرة. أين اختفت وكيف عادت؟ من كان يقبض خبز الناس ويحيلهم إلى الجوع ثم الغضب ثم حرق البلاد؟ انتهت أحداث 5 أكتوبر 1988 بأرقام ضحايا متضاربة بين السلطة والمعارضة، لكنها أفضت إلى قناعة أن السلطة السياسية المتزمتة لا تفرخ سوى الغضب.
روائي جزائري